العنوان قوانين انهزام الأمم وصعودها
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 41
السبت 21-يناير-2006
مادامت الحياة تسير بسننها، والحوادث تقع بأسبابها، والأعمال تؤدي إلى نتائجها فإن الانهزام والصعود يكونان بما كسبت أيدي الناس، وبما قدموا من أفعالهم وسيرهم.
ونسمع في التاريخ أنه لما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو في أنطاكية، دعا رجالًا من عظمائهم وقادتهم، وقال: ويحكم، أخبروني ما هؤلاء الذين تقاتلونهم من المسلمين حتى تنهزموا أمامهم، أأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن، قال: ويلكم، فما بالكم تنهزمون كلما لقيتموهم؟ فسكتوا، فقال شيخ منهم: أنا أخبرك أيها الملك من أين تؤتون، قال أخبرني، قال: إذا حملنا عليهم صبروا، وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب ويحملون علينا فلا نصبر.
قال: ويلكم فما بالكم كما يصفون وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ ما كنت أراك إلا وقد علمت من أين هذا؟ قال له: من أين هو؟ قال: لأن القوم يصومون النهار ويقومون الليل، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يظلمون أحدًا ويناصفون فيما بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونرتكب المحرمات، وننقض العهد ونغصب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض.
قال: صدقتني والله لأخرجن من هذه القرية، فما في صحبتكم خير وأنتم هكذا، قالوا كيف هذا أيها الملك؟ أتدع سورية وهي جنة الدنيا وحولك من الروم عدد الحصى والتراب ونجوم السماء من الجند والأعوان.
وخرج الرجل لأنه يعلم أن هؤلاء بهذه الصفات لا يصلحون أن يواجهوا المسلمين أو يصبروا على حربهم. إذن لا بد لهذه الأمة حتى تصمد - من تربية وصفات حميدة وحق أبلج وعقيدة دافعة، وحب للتضحية وهي معدومة فيهم، فلابد من الهزيمة فهؤلاء القوم، وكل أمة تفتقد هذه الصفات مصيرها إلى الهزيمة والزوال، وكل أمة سادت فيها هذه الصفات فهي في صعود ورقي ونصر مؤزر.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ للخروج إلى بدر يتوارى، فقلت مالك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله ﷺ فاستصغره، فقال: ارجع، فبكى عمير، فأجازه رسول الله ﷺ، قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقاتل في بدر وهو ابن ست عشرة سنة حتى استشهد- رضي الله تعالى عنه- هذه التضحية وحب الشهادة لرفعة دين الله في الأرض، وهذه العقيدة الدافقة الدافعة، هل يمكن أن يقوم أمامها شيء أو يصمد أمامها جبان يحب الحياة ويلغ في الشهوات؟.
روي أن جعفر بن أبي طالب لما استشهد في قتال الروم في مؤتة دعا الناس عبد الله بن رواحة ليولوه القيادة، وكان في جانب من المعسكر ومعه ضلع يأكل منه، ولم يكن قد ذاق طعامًا قبل ثلاث، فرمى بالضلع ثم تقدم فقاتل فأصيب أصبعه فارتجز قائلًا:
هل أنت إلا أصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت
يا نفسي إلا تقتلي تموتي *** هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد لقيت *** إن تفعلي فعلهما هديت
وإن تأخرت فقد سقيت
ثم قال: يا نفس، إلى أى شيء تتشوقين؟ قد طلقت الدنيا ثلاثًا، ثم نزل فقاتل الجموع الكثيفة ثم قال:
أقسمت يا نفسي لتنزلنه *** لتنزلنه أو لتكرهنه
ما لي أراك تكرهين الجنة *** فطالما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطفة في شنه *** قد أجلب الناس وشنوا الرنه
هؤلاء كانوا في الجهاد كالجبال الرواسي، لا تستطيع الدنيا أو الشهوات أن تنال منهم أو أن تلهيهم عن أمر الله سبحانه هذا في الجهاد.
أما في أمور الدنيا وشأن الملك، فهم إخوة لا يمتاز أميرهم عن فقيرهم، بل إن أميرهم يكون أثقل الناس حملًا، لا ينام عن أمر الرعية ولا عن مصالحهم وحاجاتهم، وإلا يكون قد خان الأمانة. عن عطاء قال: «دخلت على فاطمة بنت عبد الملك، بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، فقلت لها: يا بنت عبد الملك، أخبريني عن أمير المؤمنين قالت: أفعل، ولو كان حيا ما فعلت، إن عمر -رحمه الله- كان قد فرغ نفسه وبدنه للناس، كان يقعد لهم يومه، فإن أمسى وعليه بقية من حوائج يومه وصله بليله، إلى أن يفرغ من حوائج الناس، ثم يدعو بسراجه الذي كان يسرج له من ماله، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقعى واضعًا رأسه على يده فتسيل دموعه على خده يشهق الشهقة فأقول: قد خرجت نفسه وتصاعد كبده فلم يزل كذلك ليلته حتى يبرق الصبح، ثم أصبح صائمًا، قالت: فدنوت منه فقلت: يا أمير المؤمنين، لشيء ما.. قبل الليلة ما كان منك، قال: أجل، فدعيني وشأني وعليك بشأنك، قالت فقلت له: إني أرجو أن أتعظ، قال: إذا أخبرك، إني نظرت إلي فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة صغيرها وكبيرها، وأسودها وأحمرها، ثم ذكرت الغريب الضائع، والفقير المحتاج، والأسير المفقود وأشباههم في أقاصي البلاد وأطراف الأرض فعلمت أن الله سائلي عنهم، وأن محمدًا حجة فخفت على نفسي خوفا دمعت له عيني ووجل له قلبي، فأنا كلما ازددت لها ذكرا ازددت لهذا وجلًا، وقد أخبرتك فاتعظي الآن أو دعي».
هذه الرعاية وهذه التعاليم التي كانت تسير عليها هذه الأمة هي التي رفعتها إلى عنان السماء وهي التي قادتها إلى النصر المؤزر: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7)، أما الذين يضيعون هذه التعاليم ويسيرون في الناس سير الوحوش ويفعلون بهم ما لا تفعله الشياطين يأخذون أموالهم ويجلدون ظهورهم ويقطعون ألسنتهم، ويسوقونهم كالقطيع إلى حتفهم فإنهم يهدمون أممهم ويضيعون أوطانهم، فلا عدالة ولا رعاية، ولا أمانة، ولا طهارة، ولا معروف ولا خوف من الله، ولا عقيدة ولا غاية ولا هدف، فكيف لأمة أن تتقدم أو ترتقي وقد خرقت كل القوانين وتخطت كل السنن فهلكت، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ «سورة الفجر ».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل