العنوان قيمة التاريخ (4 من 7): أممية إسلامية منفتحة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1694
نشر في الصفحة 66
السبت 25-مارس-2006
إن الأممية الإسلامية انفتحت على سائر صيغ التعددية العرقية والدينية والمذهبية واللونية والطبقية، فلم تين إزاء أي منها سدًا أو تحول بينها وبين الصعود، وهي أممية تختلف في أساسها عن الأممية الماركسية التي سعت- ابتداء- وبحكم قوانين التنظير الصارمة، إلى إلغاء التنوع، ومصادرته، وإلى تحقيق وحدة قسرية ما لبثت أن تأكد زيفها وعدم القدرة على تنفيذها تاريخيًا (1) وبمجرد إلقاء نظرة على خريطة الاتحاد السوفيتي حتى قبل حركة البريسترويكا والرفض المتصاعد الذي جوبهت به الأممية الماركسية من قبل حشود الأقوام والشعوب التي تنتمي إلى أصول وبيئات متنوعة، ومقارنة هذا بما شهده التاريخ الإسلامي من تبلور كيانات إقليمية متغايرة في إطار وحدة عالم الإسلام وثوابته وأهدافه المشتركة، يتبين مدى مصداقية المعالجة الإسلامية لهذه المعضلة.
ثم إن تاريخنا الحضاري صاغ نمطًا من المجتمعات لم تشهده ولن تشهده سائر التجارب الاجتماعية الأخرى في الماضي والحاضر.. وليس هذا كلامًا يقال وإنما هو أمر متحقق بحكم الشواهد الرقمية والإحصائية التي لا تقبل مماحكة ولا جدلًا، فإن المجتمعات الإسلامية ظلت حتى في لحظات الانكسارات السياسية والعسكرية والحضارية، أقل المجتمعات إدمانًا للمخدرات، وتعاطيًا للحشيش والأفيون وسائر المغيبات الأخرى.. أقل المجتمعات شذوذًا جنسيًا وهروبًا جماعيًا، ودمارًا أسريًا، وإقبالًا على الانتحار.. أقلها تبذلًا وتهتكًا واغتصابا.. أقلها في معدلات الجريمة على مستويي النوع والكم، وأقلها كذلك في رؤيتها التشاؤمية للحياة وفي منظورها العبثي للوجود والذي يصل أحيانًا حد رفض كل الثوابت والمؤسسات الحضارية والروحية والاجتماعية والدينية في تاريخ الإنسان.
ثم هي حضارة تعكس موقفًا إيمانيًا توحيديًا من الكون والعام والإنسان على المستويين المعرفي والسلوكي، كما أنها تنطوي على أقصى حالات التوازن بين الثنائيات التي اصطرعت وتقاتلت في معظم التجارب الاجتماعية والحضارية الأخرى، والتقت وتصالحت ها هنا في حضارة الإسلام: الوحي والوجود.. الإيمان والعقل.. الظاهر والباطن.. الحضور والغياب.. المادة والروح.. القدر والاختيار.. الضرورة والجمال.. الطبيعة وما وراءها.. التراب والحركة.. المنفعة والقيمة.. الفردية والجماعية.. العدل والحرية.. اليقين والتجريب.. الوحدة والتنوع.. الإشباع والتزهد.. المتعة والانضباط.. الثبات والتطور الدنيا والآخرة.. الأرض والسماء.. والفناء والخلود.
وهو تاريخ مترع بالإبداع الحضاري.. بالعمل المتواصل والإصرار على الكشف والترقي والإتقان تحت مظلة الحديث النبوي الشريف: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر» (۲) والحديث الشريف: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (۳)، ومنظومة الآيات القرآنية المعنية باستخلاف الإنسان في الأرض وتسخير العالم لمطالبه وقدراته (4).. الأمر الذي قاد هذه الحضارة إلى إيجاد تقاليد المختبر ووضع الأسس الأولى للعلم الصناعي «التكنولوجيا».
وبسبب من ارتباط هذا الإنجاز الحضاري بالمنظور الديني للمسلم فإنه حاول بإخلاص أن يوظف خبرته وكشوفه للإنسان أيًا كان موقعه.. لقد رفض الأنانية والاحتكار المعرفي الذي مارسه الغربيون ولايزالون تأسيًا بأجدادهم اليونان ورموزهم الميثولوجية، وفتح صدره وعقله وأبوابه ومؤسساته وجامعاته لطالبي العلم والمعرفة من كل ملة أو بيئة أو دين، تشهد على ذلك الجامعات الأندلسية في قرطبة وغرناطة وأشبيلية مع المبتعثين من رجال الكنيسة النصرانية.. كما تشهد عليه المعونة المعروفة التي قدمها الملاح العربي الشهير أحمد بن ماجد للمكتشف البرتغالي فاسكودي جاما وهو يضرب في البحار والخلجان، ضائعًا، يبحث عن طريق للوصول إلى الهند.
الهوامش
(۱) هيلين كارير دانكوس: القوميات والدولة السوفييتية، ترجمة هنري عبودي، دار الطليعة بيروت- 1979م.
(۲) ذكره علي بن عبد العزيز في «المنتخب» بإسناد حسن عن أنس صلى الله عليه وسلم: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، باب الحرث والزراعة.
(۳) أورده الهيقيي في «شعب الإيمان» و«السيوطي» في الجامع الصغير بإسناد ضعيف.
(4) سورة فاطر ۳۹، الأنعام ،١٣٣ الأعراف ٦٩، ١٢٩ يونس ١٤، النمل ٦٢، النور ٥٥، هود ٦١، النحل 13، 14، إبراهيم 32- 33، صاد 36، لقمان ٢٠، العنكبوت ٦١.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل