العنوان كامب ديفيد.. والعبور إلى شاطئ النيل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978
مشاهدات 91
نشر في العدد 413
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 26-سبتمبر-1978
من وراء كواليس كامب ديفيد، امتدت أصابع شبقة لترسم على خارطة الطموحات اليهودية البوابات التي يستطيع أن يعبر منها كل يهودي يحلم بدولة إسرائيل الكبرى، ولتضع حجر الأساس الذي أفرزته العقلية الصلبة عند مناحيم بيغن، والذي يذكر بما هو مكتوب على مدخل الكنيست الإسرائيلي- حدودك يا إسرائيل، من الفرات إلى النيل-: فلقد أكدت الثلاثة عشر يومًا من عمر كامب ديفيد، أن بيغن وأحباءه الأمريكان يعرفون من أين يقطع ذنب الأفعى، وكيف يلوى عنق الذئب، ويعرفون أيضًا كيف يحركون أحجار الشطرنج على رقعة اللعب، ويحددون بكل دقة الزاوية التي يجب أن تحشر فيها أحجار الطرف الآخر وأدواته ووسائله، لأنهم يعرفون الطريقة التي يفكر فيها وهو يلعب..
ونحن نعتقد أن اللاعب اليهودي الذي لم يخسر أية جولة وهو يلعب الشطرنج مع الأمريكان، قد ربح جميع الجولات الأخرى في لعبة السلام التي عقد من أجلها كامب ديفيد، وقد أعلن الحكم الأمريكي كارتر نتيجة اللعبة، فاستبشر يهود العالم وصفقوا للاعبهم الماهر، الذي حقق لهم حدًا أعلى من النقاط والمكاسب، لم يكونوا ليتوقعوا الفوز بها قبل سنة ألفين ميلادية، من أجل ذلك أقول، ليست بيانات كامب ديفيد هي التي جعلت اليهود يشعرون بنشوة النصر، وإنما شعورهم وتأكدهم من أن المؤتمرهو البوابة العريضة التي سوف يعبرون منها إلى حلم أكبر وهذه النقطة التي يعتبرها الإسرائيليون نقطة بداية في تاريخ جديد، أفسحت المجال أمام اليهودية العالمية لتحقق ما عجزت دولة إسرائيل عن تحقيقه. في كل الحروب الوحشية والمذابح اللاإنسانية التي ما زال إخوتنا يعانون منها في أرضنا المحتلة، فلقد كان هدف مفكري اليهود ألا وهو العبور فوق حواجز الأحقاد التاريخية والوصول إلى قلب شعوبنا وشوارعنا بما عندهم من إمكانات أعدوها لقلب مفاهيمنا وتزوير انتمائنا. إن مؤتمر كامب ديفيد فتح أبواب أكبر دولة عربية مسلمة على مصاريعها لغزو يهودي له طريقته الخاصة في هذه المرة، والحلم اليهودي الذي هو أكبر آلاف المرات من مسألة الحدود الآمنة المزعومة إنما هو رغبة اليهود في التعامل البشرى والاقتصادي والثقافي مع الشعوب المسلمة، لأن ذلك سوف يحقق- كما يعتقد اليهود التقبل العربي للشخصية اليهودية كصديق مجاور مخلص له الحق في قيادة المنطقة وتوجيهها بما يملك من طاقة فكرية وإمكانات تكنولوجية.
لقد كرس مفكرو اليهود أكثر من ثمانين عامًا حاولوا فيها فرض شخصيتهم الاجتماعية على المجتمع المسلم فباءوا بالفشل علمًًا بأنهم تمكنوا من تحقيق شخصيتهم تلك في المجتمعات النصرانية اللادينية ومن ثم تمكنوا من قيادتها وتوجيهها واللعب بمستقبل حياتها، إلا أن الخطوات التي قفزها بيغن فوق مؤتمر كامب ديفيد، جعلته- وفق العرف اليهودي- يسبق عصره بقرن زمني على الأقل فالحلم اليهودي في الاعتراف بحقهم التاريخي في قلب العالم المسلم قد انقلب إلى واقع وعمل ينفي بالتالي حق الفلسطينيين بفلسطين تاريخيًا من ناحية، ويثبت حق اليهود في التعامل مع المسلمين والعرب في الاقتصاد والسياسة وسائر العلوم والشؤون، الأمر الذي سيعين اليهود على الغزو الفكري والسلوكي والثقافي في كل أرض يعترف حكامها بهم، وهذا هو المفتاح السحري الذي فتح لليهودية العالمية أبواب السيطرة على العالم الرأسمالي في أوربا وأمريكا والشيوعي في شرق أوربا، ضمن إطار اللعبة التي مكنتهم من توجيه القوى السياسية العظمى في العالم، ولعله من السهل على إسرائيل أن توجه سياسة إحدى دول العالم الثالث بمفاتيحها السحرية تلك.
لقد تعانقت الصليبية مع اليهودية في كامب ديفيد، وامتزج حقد بيغن في غل الصليبي كارتر، ليصب السم ترياقًا مميتًا في كبد أمتنا، بينما سيطيب اللعب لبيغن وأصدقائه الأمريكيين في أحجار الشطرنج على شواطئ نهر النيل.
أبو أسعد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل