; كان صرخة الزمان التي هزت أركان أمة غافلة | مجلة المجتمع

العنوان كان صرخة الزمان التي هزت أركان أمة غافلة

الكاتب سعود أبو محفوظ

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 52

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 23-فبراير-1999

        إن من شروط التغيير وجود قيادة صالحة وزعامة أسرة، وإن لكل عصر رجالًا، ولكل زمن فحولًا وأبطالًا، وهؤلاء هم المجددون الذين يجدد الله بهم أمر هذه الأمة، فيوقظونها بنور العلم، ويدفعونها بخير العمل، ولئن كان الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز مجدد القرن الثاني يوم أن حكم عام ۱۰۱هـ، فإن الإمام حسن البنا مجدد هذا القرن لما حباه الله من فضائل وشمائل جمعت عليه القلوب المتنافرة والجموع الحائرة، والعقول السادرة. 

    لقد كان صرخة الزمان التي هزت أركان أمة غافلة، وزلزلت بنيان شعوب مستغفلة، فمنذ حملة نابليون تنافست الجهات الاستعمارية على أمر تغييب الإسلام وتهميش دوره في الحياة، فانتعشت الوطنية والإقليمية، واستفحلت التجزئة، وشاعت أمراضها، وأمعن محمد علي باشا فتكًا بموروثات الأمة، مستفيدًا من غفلة علماء الأزهر وقعودهم عن حماية الفكرة الإسلامية والدفاع عن صلاحيتها، فازداد الجهل بالدين، وعمت البلوى، فوجدها الإنجليز فرصة لاحتلال مصر وتهيئة المسرح لتدمير الخلافة، وتفكيك الأمة، واغتصاب بيت المقدس وأكنافه الطاهرة، وعملوا بدهاء على دفع المثقفين بعيدًا عن الإسلام باتجاه القوميات والوطنيات؛ فأصبح الانتساب إلى الدين تهمة يبرأ منها كل مثقف، لا بل وانبرى بعض علماء الأزهر للتشكيك بأساسيات الإسلام.

     في مثل هذه الأجواء كان حسن البنا أول مصري يلبس البدلة العصرية والطربوش التقليدي، ويعفي لحيته فكان غريبًا، فانطلق كالسهم متمردًا على الواقع المرير، وثائرًا على الحاضر الشرير، لبني قومه الذين ارتضوا بانزواء الإسلام في أركان المساجد، وأطلقها صرخة مدوية باسم الحق والقوة والحرية، مبشرًا بدعوته، عارضًا رسالته، مقدمًا الإسلام شاملًا مبادئ وأفكارًا، عقيدة ونظامًا، دعوة ودولة، سبقًا ومصحفًا، سلاحه المحبة والمودة، يجادل بهدوء، ويناقش بالحسنى من في قلوبهم دخن وضمائرهم دخل، قاصدًا تحقيق مطالب القرآن.

     ولقد أثر وجود الاستعمار في دعوته وأهدافها؛ لأنه اكتشف استحالة استئناف الحياة الإسلامية مع وجود الاحتلال جاثمًا على صدر الأمة، فعدل في برامجه لأجل مقاومة الاستعمار وتحرير الأوطان أولًا، وخدمة الفلاحين المحرومين حتى من النفايات، وكان حال الحكومات الملكية لا يسر؛ ففي فترة العشرينيات والثلاثينيات تغيرت (١٤) وزارة، وتغير وزير التعليم (٥٩) مرة، وهذا يعكس التخبط وضياع الهم الوطني، والميل إلى الاتكالية، وتحميل الصبر ما لا يحتمل.

     فكانت الانطلاقة من الإسماعيلية من وسط قناة السويس المحتلة، صوتًا يهتف بالمصريين كالرعد يناديهم للنهوض من الأحداث وتمزيق الأكفان، هاتفًا فيهم إن مكانكم فوق السحاب لا تحت التراب، لقد كانت مصر ومن حولها آنذاك في أمس الحاجة إلى هذا الداعية الذي أحيا فيهم نداء الفطرة والشوق لحداء العقيدة، فكان الطلاب قبضته، وفئات الشعب عصبته، فغضب عليه القصر فنفاه إلى القاهرة، فأنجز تأسيس (٥٠) شعبة للإخوان في أول عام بواقع شعبة في كل أسبوع، وبرغم التحديات والمكائد والعقبات استطاع الإمام البنا أن يبعث الإسلام من جديد في نفوس المصريين في وادي النيل، واستطاع أن يصل إلى طلاب البعوث لينقل الفكرة من خلالهم إلى بلادهم، واستضاف في المركز العام جميع الزعماء والقادة المتمردين على الاستعمار في بلادهم، وخلال عقدين أنجز في أقصر الأوقات أجل الأعمال وأنبل الأفعال.

       لقد كان الرجل من أهل الذكر والفكر، وكانت كلماته قطعًا من القلب وأفلاذًا من ذوب الكبد، وحرقًا من حرارة الروح، ودموعًا منهلة تشكل سيلًا من فاجع الألم وعظيم اللوعة، تشعر وأنت تصغي إليه أن الأفكار تتزاحم على شفتي لسانه، وكانت الدعوة محور حياته، بل حياته كلها، فعاش لها وبها ومعها فأثر في سامعيه أيما تأثير، جلس مرة مع محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر، فقال عنه: «والله لولا العرف والتقاليد لعينت هذا الرجل وزيرًا للخارجية، وأنا مؤمن أنه سيجعل لمصر في ظرف أشهر معدودة مكانة مرموقة بين دول العالم»، لقد أصغى لهتافه البسطاء والكبراء، وكان للذوات كما كان لكل الفئات. 

     فروبير جاكسون يكتب عنه قائلًا: «لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي لا حد لها بنفسه، وإيمانه العجيب بفكرته»، وأضاف: «كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية ليس في مصر وحدها، بل في الشرق كله».

     وأجمع من عاصروه على أنه جمع في شخصيته دهاء الساسة، وقوة القادة، وحجة العلماء، وإيمان المتصوفة، ودقة المحققين، وحماس الرياضيين، ولباقة الخطباء، ورسالة الكتاب، فكان قلب علي، وشجاعة ودهاء معاوية، وحكمة وزهد أبي ذر وجرأته، ولطالما خشيه الزعماء السياسيون آنذاك، لأنه لو وصل في دعوته إلى غايته لوصلوا إلى نهايتهم.

     نصف قرن مضى على استشهاد حسن البنا، ولا زالت دعوته أم الدعوات، وحركته أكبر الحركات، ولازالت جماعته تقف حائطًا في وجه الاستلاب والاغتراب والانتهاب، وتقاوم بعناد كل أشكال الاستعمار وبخاصة الثقافي، ولازال اتباعه يملئون سجون العالم العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وقدمت جماعته جيشًا من الشهداء وأنهارًا من الدماء ضريبة لاستئناف الحياة الإسلامية التي تنادى الجميع للوقوف في وجه من ينادي بها ويتطلع إليها، وبعد نصف قرن لازالت دعوته محافظة على مضائها ونقائها تصدع بعنفوان برغم الجراحات والعذابات، وأصبحت جماعته تنظيمًا مهيبًا كان بحق العصب الحي في جسم الأمة السائر على درب الشقاء والمعاناة، وكان تنظيمه بحق دعوة نورانية ربانية ذات منهج قرآني، تسربت في أوصال الأمة فأعادت للإسلام مضاءه، وللشباب ثقتهم بهذا الدين، وللعلماء دورهم، لا بل وأفسح لكل مسلم أن يخدم من موقعه هذا الدين العظيم، حيث جمع في دعوته كل فئات الأمة، وفجر طاقاتهم المهدورة، وانطلق ليخدم القضية الوطنية المصرية وغيرها من القضايا الإسلامية وبخاصة القضية المركزية في فلسطين المباركة، والتي تعددت صور إسناده لها ومنها خطابه الشهير في المؤتمر الذي نظمه في فندق الكونتننتال بالقاهرة بحضور رياض الصلح، وفيصل بن عبد العزيز، وجميل مردم، وصالح حرب، والقس ميتاس الأنطوني، وإسماعيل الأزهري حيث أعلن أن الإخوان المسلمين تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في فلسطين.

     وبمناسبة مرور نصف قرن على استشهاد رائد مدرسة الدعوة وقدوة الدعاة نستطيع القول إن الإمام البنا غرس فسيلة الدعوة، وتعهدها فتطاولت شجرة باسقة، حتى إذا أورقت وتشابكت أغصانها، وأورفت ظلالها، روی جذورها بدمه الزكي، فتعمقت واشتد ساقها، وامتدت ثمارها إلى أطراف الكون، فاستحلاها المسلمون، واستعصى اقتلاعها على الأعداء برغم كثافة المؤامرات وشراسة المحاولات.

[1] عضو المكتب التنفيذي لجبهة العمل الإسلامي، وعضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل