; كتابة التاريخ الإسلامي.. لمن؟ | مجلة المجتمع

العنوان كتابة التاريخ الإسلامي.. لمن؟

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1972

نشر في الصفحة 44

السبت 08-أكتوبر-2011

  • يجب اقتصار كتابة التاريخ والحضارة الإسلامية على المؤرخ المسلم التقي لأنه يقول الحق وينصف حتى الأعداء
  • مَنْ يعرف الإسلام ويلتزم به ويدرك أبعاد الحياة الإسلامية ومراميها يُحسن فَهْمَ حركة تاريخها وتفسيره
  • ضرورة أن يمتلك المؤرخ المسلم لأدوات الكتابة الأمينة فيكون ملماً بكتاب الله تعالى وسيرة نبيه  والاستناد إلى مصادر التاريخ الإسلامي من كتب العلماء الثقات

إنه لمن الصعوبة أن يَكْتُبَ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية والحياة الإسلامية غير مسلم !! وإن اكتست بعض كتاباتهم بجمال الإنصاف وأزالت بعض الإجحاف وقدمت شهادات علمية مهمة، ذلك جانب إيجابي لا يُهمَل ولا يُبْعَد.

لكن من الناحية الأخرى، لا بد من القول: إنه حتى المسلم - الذي لا ولاء كبيرا له، ولا يغار بوضوح على إسلامه أو يرتبط به قوياً - لا يجيد كتابته.. إذ إن المسلم الحق يغار على الحقيقة من أي أحد كانت وأتت وينصرها.

هكذا كان مؤرخونا الأفاضل الأمناء يذكرون فضائل أعدائهم، حتى وهم في ميدان مواجهة ومعركة ميدانية معهم.

حق وإنصاف

أعني بذلك: أن الإجادة المرجوة تأتي عن طريق الولاء الكريم، الذي يقود إلى الخير والحق والإنصاف، أمر مألوف معروف في الحياة الإسلامية، ذلك بعض ما علمهم الإسلام إياه.

المسلم بهذه التربية المتجهة إلى الله تعالى يبحث عن رضاه ولا يقول إلا الحق، حتى مع الأعداء، يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)) (المائدة: 2)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)) (المائدة: 8)، كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ﴾ (النساء: ١٣٥).

منهج رباني

من هنا نجد أن المسلم الذي يتولى هذا المنهج الكريم وتربى عليه والتزم به دينا ويعمل له ملتزما إيمانا واحتسابا ، يقوم ويُقيم حياته على الالتصاق بهذا المنهج الرباني يُقبل عليه اهتماما وإلماماً وإتماماً معرفياً، متبنيا كل تلك المعاني الكريمة الفاضلة، التي يتميز بها انطلاقا من هذا المنهج المبارك، محاطا بالعلمية المتفتحة المتفهمة ذات الآفاق السمحة الرحبة الواسعة المستعدة للسماع والأخذ والرد والوقوف عند الدليل، إدلاء وانتفاعاً متفتحاً، وقوفاً على أرضية علمية خبيرة مُخْتَبَرة مجربة صلبة؛ لذلك حين يتوافر نموذجه لا أحد أبدا يخاف منه الأمر الذي رآه الآخرون بتعاملهم مع المسلمين أقبلوا على اعتناقه وغدوا من خيرة أهله حموه بأنفسهم وبما يملكون، قدموه سعداء فرحين.

ذلك لأن الأمر بحاجة إلى خصائص ومواصفات لا يملكها غير المسلم إلا بحدود قد لا تثبت أمام الترغيب والترهيب غير هنيهة، وقليل ماهم في أقل الحالات ها هم إن وجدوا !! أمور لا تكفي لتحقيق المرجو بدرجة عالية وشاملة وحيوية !! هذا ما لا يرقى إليه مَنْ لم يُجرِّب ويعاني ويمارس، حتى لو أمكنه . بعد توافر حسن النية والبحث عن الحقيقة والدقة والأمانة - سوف يبقى عمله ناقصًا متأخرًا مُثْقَلاً عما يجب أن يكون عليه، حتى لو كان ذلك يأتي أحيانا على نحو لا يخلو من نقاط مضيئة بمقدار، حين يفاجأ هذا الباحث بما لا يملك إلا الإعجاب.

عدة لازمة

لأن الحياة الإسلامية وحضارتها صاغتها العقيدة، من لم يكن له منها نصيب سينقصه الكثير من العدة اللازمة لذلك، كمن يريد أن يفهم قضية علوم مكتوبة بلغة يجهل الكثير منها، العقيدة أكبر منه.. من هنا كلما كان الباحث على علم بالإسلام واقترب منه إعجابا به وإقبالا عليه، إيمانا به وحبا له ورغبة بخدمته - بتوجهه إلى الله تعالى ومنهجه الكريم - كان أدق في معرفة أبعاده وتضاعيف مبانيه واستيعابًا لحقيقته المضيئة المباركة.

أرأيت إلى مَنْ يَكْتُب عن التجربة الأدبية شعرية كانت أو نثرية، ولم يُعان شيئاً من الأدب أو يحاوله. 

قل مثل ذلك في كُلِّ المهن والحرف والتخصصات .. كذلك لأن الأمر يتجاوز العقل وحده، بل يشمل أمورا أخرى متعددة ذاتَ عُمق نفسي ووجداني وإنساني، يماثل شمول الإسلام واستيعابه سعته وامتلاكه لكل الحياة، والجوانب والمكونات الإنسانية، فكيف بالعقيدة التي هي أعمق وأشمل وأوسع؟!

أسرار العقيدة

إن تَوَافَرَ العُدَّة الفكرية والوسائل الأكاديمية لا يكفي وحده، ولا بد من عدة أخرى معها وفوقها، هي أيضا عدة الفهم لأسرار العقيدة والتفاعل معها إيجابيًا، وإن كان يمكن التوصل إلى بعضه من خلال وصف آثاره في تصرفات المسلمين، فردا وجماعة مجتمعا ودولة سلما وحربا، يتم هذا في حالة توافر الحرص على الحقيقة والأمانة في كل الأحوال والموضوعات والتوجهات.

مما يوفر لوازمه ويُعتبر ضروريًا لتحقيق ذلك، من أجل حيازة عُدته وامتلاك الكثير من وسائل فهمه - بَعْدَ العَيْش مع كتاب الله تعالى ولو بمقدار - التمرس بالسيرة النبوية الشريفة بدرجة متقدمة، ثم معرفة عموم التاريخ الإسلامي من خلال المصادر الأمهات (الأمات)، لأئمتنا الأفذاذ في هذا العلم التاريخي، كل ذلك يُعين على عشق الحقيقة، مما يقود إلى الوقوف في دائرة ضوئها والاستعداد لاحتمال جهدها وغنائها واعتلاء موقعا يُرَى مِنْ عُلُوّه لِيُنجز مزيدا من المساهمات النافعة واستجلاء مضامينها واستشراف مستوياتها المرموقة العالية.

حركة التاريخ

مهما يكن من أمر، فإن الذي يعرف الإسلام ويلتزم به، ويُدرك أبعاد الحياة الإسلامية ومراميها، يُحْسِنُ فَهم حركة تاريخها وحسن تفسيره.. يسير هذا طردا مع مقدار فهمه والتزامه وعيشه فيه .. بهذا لا يجيد كتابة التاريخ الإسلامي فحسب، بل وكتابة تواريخ الأمم الأخرى، لأنه عميق وأمين وصادق كما هي الحال في العديد المديد الجديد من نتاج علمائنا في كافة الميادين، منهم المؤرخون الأعلام، الذين كتَبَ بعضُهم كذلك عن تواريخ الأمم الأخرى، اعتمدها كل علماء تلك الأمم ودارسوهم، أسسوا عليها مرحبين.. والأمثلة البارعة في ذلك لدي جد كثيرة متنوعة جليلة ممهورة.

كل هذا لا يعني أن نَضَعَ حجابًا، ولا حتى أعتابًا أو أبوابًا دون مَنْ يُرِيد أَنْ يُدلي بدلوه في هذا الميدان وأمثاله، ما دام امتلك العدة اللازمة له، إنما يكون بمثابة عون له في بيان الطريق وتحديد بعض معالمه، لمن يبحث عن الارتقاء بمستوى الفهم والعلم والمعرفة وتأصيل بنائها.

ترحيب علمي

حين يتوافر أهل المعرفة، فإن الأمر ليس فقط لا يخشى النقاش، بل يرحب به لمن يحبه علميا، باحثا عن الحقيقة والحكمة والعلمية القائمة على الأسس الكريمة المستوفية للأهلية الموضوعية والعمق الخبير المجرب والمباني المبتغاة، التي نحن أحق الناس بها أني كانت ووجدت، فنحن أهلها الباحثون عنها ومعرفة مواطنها واحتضانها وحمايتها، تنويها وفرحا بقبولها.

وفي هذا السياق، نجد أن الرسول الكريم  أثنى على كلمة قالها شاعر جاهلي لم يكن مسلما وقتها، أسلم فيما بعد بنحو خمسة عشر عاما، إنه لبيد بن ربيعة العامري (٤١هـ / ٦٦١م) أَحَدُ أصحاب المعلقات الجاهلية المشهورة له قصيدة منها هذا البيت المعروف:

ألا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلا الله باطل *** وكُلُّ نَعِيم لا محالة زائل

قال رسول الله ﷺ عن الشطر الأول: أَصْدَقُ كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد (1) على هذا المنهج الإلهي الكريم يتربى المسلم ابتداءً من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين - مقتدياً برسول الله ﷺ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) (الأحزاب: ۲۱).

انظروا ذلك في قصة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رض المية (٢هـ / ٦٢٤م ) (٢) السنة السادسة للبعثة النبوية الشريفة، كان عثمان بن مظعون من مهاجرة الحبشة الهجرة الأولى، حضر مجلسا لقريش احتفاء بالشاعر لبيد، الذي كان يقرأ فيهم قصيدة، منها البيت المذكور، كان ابن مظعون المسلم الوحيد في هذا المجلس، فلما ذكر الشطر الأول: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، قال له عثمان: صَدَقْتَ. ولما قرأ لبيد الشطر الثاني: «وكل نعيم لا محالة زائل»، قال له عثمان: كَذَبْتَ نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد لأهل المجلس يا معشر قريش منذ متى كان يهان جليسكم فقام من القوم إلى عثمان وضربوه حتى اخضرت (اسودت) إحدى عينيه، حين عوتب عثمان بذلك قال: والله إن عيني الصحيحة الفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله! 

السيرة النبوية الشريفة وعموم التاريخ الإسلامي وحضارته مليئة بهذه الأمثلة مما لا تجده إلا نادرا - إن وجد - فيما عداه، كل هذا ثمرة التربية على هذا المنهج الرباني الكريم ولا يمكن أن يكون بغيره أبدا بحال.

الهامشان

(۱) موسوعة الحديث الشريف الكتب الستة نشر مكتبة دار السلام للنشر والتوزيع الرياض.. البخاري، أرقام: ٣٨٤١ ، ٦١٤٧، ٦٤٨٩ ، مسلم رقم : ٥٨٩٢، كذلك مسند الإمام أحمد، ٢٤٨/٢، ٤٤٤ ، ثم السيرة النبوية ابن هشام دار ابن كثير)، ٣٢٤ - ٣٢٥ ، البداية والنهاية، ابن كثير دار ابن كثير)، ٣١٦/٣ - ٣١٧، ٣٩١/٧.

(۲) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ١٥٣/١ ١٦٠، البداية والنهاية، ۲۲۸/۳، ۲۳۸ ۳۹۱ ،۳۵۹ ،۲۰۸/۷ ، ۱۳۱/۵ ، ۳۱۵ ،۲۸۱ الأعلام، الزركلي، ٢١٤/٤.

الرابط المختصر :