; كتاب خطير يفضح أساليب البنك الدولي في السيطرة على الدول الفقيرة: إمبراطورية البنك الدولي العلمانية: | مجلة المجتمع

العنوان كتاب خطير يفضح أساليب البنك الدولي في السيطرة على الدول الفقيرة: إمبراطورية البنك الدولي العلمانية:

الكاتب محمد عثمان محجوب

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1169

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

سوزان جورج.. كاتبة شهيرة في مجالات الدفاع عن الفقراء في العالم الثالث، وشئون البيئة، وهي مديرة مشاركة لمؤسسة TRANSNATIONAL INSTITUTE في أمستردام، هولندا، وتعمل مع عدد من المؤسسات غير الحكومية NGD وكذلك حركات السلام الأخضر مثل: GREEN PEACE INTERNATIONAl، ولها مؤلفات عديدة تفضح أساليب الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في بسط نوع جديد من الاستعمار الاقتصادي والاجتماعي، مما ينتج عنه مزيد من الفقر والتأخر، وقد صدر لها عدة كتب منها:

1- كيف يموت النصف الآخر «أي العالم الثالث «HOW THE OTHER HALF

۲ - مصير أسود من الديّن «A FATE WORSE THAN DEBT»

هي كلها تدور حول مسلسل القروض والديون، وكيف تقود في النهاية إلى إفقار شعوب العالم الثالث والعبث ببيئته، وخلق طبقة من صفوة المواطنين في كل قُطر من تلك الأقطار المنكوبة لا يهمها ما يحدث في بلادها طالما أن احتياجاتها المادية مكفولة تحت أنظمة قمعية تُدار من قِبَل قوى خارجية، مما سنعرض له بشيء من التفصيل إن شاء الله.

صدر كتاب «الإيمان والديّن» بمناسبة مرور ٥٠ عامًا على مولد البنك الدولي WORLD BANK وصندوق النقد الدولي INTERNATIONAL MONETARY FUND

في مدينة برايتون وودز بولاية نيوهامشاير بالولايات المتحدة عام ١٩٤٤ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأ منح أول قروض له عام 1947م، كانت أغلبها موجهة للدول الغربية التي دمرت اقتصادها الحرب العالمية، ثم أعقب ذلك قروض للدول النامية. عام ١٩٤٨م، وكان البنك وقتها يسمى البنك العالمي للتعمير والتنمية، وتبلغ جملة قروضه منذ بدأ الإقراض في عام ١٩٤٧م، وحتى عام ١٩٩٣م، ٢٣٥ بليون دولار أمريكي.

وأكثر دول العالم استفادة من تلك القروض هي: المكسيك، والهند، والبرازيل، وأندونيسيا، وتركيا، والصين، والفلبين، والأرجنتين، وكوريا الجنوبية، وكولومبيا والمغرب، ونيجيريا.

والبنك خلاف صندوق النقد الدولي لا يعي جدولة ديونه ولا يلغيها، لأنه يسيطر على كل المؤسسات التي يمكنها أن تمنح قروضًا، ويستطيع أن يؤثر عليها إذا فشلت دولة في تسديد ما عليها للبنك.

ويقدر مساهمة الدول المشتركة في البنك بقدر سيطرتها على مجريات الأمور فيه، فمثلًا في عام ۱۹۹۳م، كانت الولايات المتحدة تسيطر على 17,2% من Votingstook ، واليابان 6,6%، ثم ألمانيا وفرنسا، ثم إنجلترا، ولكل منهم 5%، في حين أن ٤٥ دولة إفريقية جميعهم يسيطرون على 4% من المجموع وفي عام ١٩٩٤م أستأجر البنك ٦٧٢ استشاريا وخبيرًا كان توزيعهم كالآتي:

16% أمريكيون، و 13,7% فرنسيون، و 8,8% لندنيون، وهكذا، ولكن لا يوجد منهم أي واحد من الدول النامية - العالم الثالث، وبلغت ميزانية البنك للإدارة فقط 1.4 بليون دولار.

رسالة البنك:

ولكن ما هي رسالة البنك الدولي والتي من أجلها أُنشئ؟

لعل في الخطاب الذي وجهه رئيس الولايات المتحدة آنذاك للمؤتمرين في نیوهامشاير تومئ إيماءة عامة للفكرة من وراء إنشاء البنك (ص ٢٦):

«على هذه المؤسسة أن تقنع القاعدة التي على أساسها يستطيع الناس أن يتبادلوا منافع الثروات الطبيعية في الكرة الأرضية، ونتائج عملهم وابتكارهم إن المؤتمر سوف يختبر مقدرتنا على التعاون في السِلم كما تعاونَّا في الحرب».

ويقول اللورد كينز - الاقتصادي الإنجليزي البارز- والذي كانت له اليد الطولى في قيام البنك محددًا أهداف البنك أن على رأسها تمويل إعمار أوروبا بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، ولكن - وهذا هو الأهم- «تنمية الموارد والمقدرات الإنتاجية في العالم أجمع مع التركيز على الدول النامية لرفع مستواها المعيشي وتحسين ظروف العمل في كل مكان حتى تكون تلك الموارد متاحة للجميع».

وسنرى بعد قليل أن كثيرًا من التطلعات الإنسانية السامية لم يعمل بها، وأن ما كان يرجى من رفع المعاناة عن الدول النامية انقلب إلى عكس ما كان منتظرًا ولم يكن سوى شعارات للاستهلاك.

سياسة التكييف الهيكلي تهدف إلى إجبار الدول المحتاجة على تطويع اقتصادها وحياتها الاجتماعية والسياسية لسياسات الدول المسيطرة على البنك.

ما كنمارا وبصماته على البنك:

المؤلفان يوضحان - من وثائق البنك نفسه، ومن مصادر موثوقة أخرى- أن كثيرًا من تلك الطموحات لم تتحقق بل قد حدث العكس تمامًا، ويرجعان ذلك لفلسفة البنك ونظرته للعالم الثالث، وعلى شخصية رؤساء البنك وأهمهم على الإطلاق هو روبرت ماكنمارا والذي امتدت فترة إدارته من 1/4/1968م إلى 30/6/1981م، وقد ترك ماكنمارا بصماته واضحة وعميقة على سياسة وفلسفة البنك إلى يومنا هذا، وروبرت ماكنمارا كان وزيرًا للدفاع إبان حرب فيتنام، وأعيد انتخابه مديرًا للبنك مرتين، ولم يكمل الفترة، وكان قد سبقه في قيادة البنك أربعة رؤساء عملوا على إنفاق ما تزيد قيمته على ١٣ بليونًا من الدولارات لتمويل مشاريع في مختلف بقاع الكرة الأرضية، كان هؤلاء المديرون قبل ماكنمارا رجال أعمال وبنوك، وأخصائيين في صياغة المشاريع، ولم يكن يهمهم أمر الفقر والفقراء، حتى جاء ماكنمارا، وبدأ يتكلم عن مشكلة الفقر، حيث حدد في خطاب له عام 1973م مفهوم الفقر المطلق بتعريفات عدة:

- هو تلك الحالة المعيشية المتدنية بسبب الجهل، وسوء التغذية، والمرض، والقذارة التي تحرم المصاب بها من الاحتياجات الأساسية.

- مستوى من المعيشة يستحيل معها تحقق الإمكانيات المولود بها الإنسان.

- مستوى من المعيشة يسيء إلى الاحترام الإنساني والمستوى الميعشي لـ 40% من سكان العالم الثالث (ص ۳۸).

وفي النهاية نوّه إلى اهتمام الديانات الكبرى بالإنسان، وإلى أنه منذ تلك اللحظة لم يعد مقبولًا ذلك التفاوت الكبير بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، وأن مهمة التنمية المنوطة بالبنك هي إزالة تلك الفوارق، ولأول مرة تظهر مهمة مكافحة الفقر كهدف للبنك، والذي كان همه في الماضي هو توفير الكهرباء ووسائل المواصلات والاتصالات.

كان ماكنمارا يشع حماسًا أخلاقيًا يشبه الحماس الديني، ولكن خلف هذا الحماس كانت تكمن شخصية تحترم الأرقام، حيث قال: الأرقام هي «الغنى»، لقد كانت فلسفته هي مساعدة أكبر عدد من الناس، وماكنمارا هذا عندما كان وزيرًا للدفاع في عهد كيندي وفي بداية حرب فيتنام، كان هو الذي اخترع كلمة Body Corunt بدل عدد القتلى، وكان هو الذي ساعد على اختراع أسوأ آلات الحرب وأكثرها قتلًا للبشر وإبادة للطبيعة في تاريخ البشرية مثل النابالم، والقنابل العنقودية، ومادة أورانج Orange التي اخترعت لتزيل مساحات شاسعة من الغابات التي كان يختبئ داخلها العدو «القياتكونج» الفيتناميين، وكذلك كل أنواع التكنولوجيا التي تساعد على تعقب العدو على مدار الأربع والعشرين ساعة، والعدو يقصد بها المحاربين وغير المحاربين من أطفال ونساء وعجزة، هذا وقد أشاد ماكنمارا بالشركة التي أنتجت النابالم الذي يلتصق بالجلد ويحرقه تمامًا، لخدماتها للعالم الحر، وكانت فلسفته في حرب فيتنام في إلحاق ضربات قاتلة متلاحقة وأليمة بالعدو حتى يرتدع ويوقف الحرب، وقد اتهمه كثير من معارضي حرب فيتنام بأنه يجب أن يعتبر مجرم حرب، كما أطلقت عليه جماعات الطلبة المناهضين لحرب فيتنام «جزّار فيتنام» وقد اعترف هو في كتاب له صدر حديثًا بخطأ حرب فيتنام، ودور أمريكا فيها.

وقد كان همه عندما استلم دفة البنك في عام ١٩٦٨م محاربة الفقر، ولذلك فقد تساءل في أول اجتماع له مع مساعديه: لماذا تَقِل معونات البنك عن بليون دولار سنويًا في الوقت الذي توجد فيه دول محتاجة للمعونات؟ ثم طلب قائمة بالمشاريع التي يمكن أن يمولها البنك، حيث لم تكن هناك حدود لما يمكن أن يصرفه البنك، وفجأة ارتفع عدد الموظفين بنسبة 120% وارتفعت سلفيات البنك من 10.7 مليارات في الأعوام من ١٩٤٧ - ١٩٦٨م إلى 13.4 مليارًا في فترة رئاسته الأولى وهي ستة أعوام.

هنا تكمن فلسفته، وهي أن مهمة البنك هي خلق عقود، وتمويل مشاريع في العالم الثالث، بغض النظر عن تأثير تلك المشاريع على اقتصاد وأوضاع الدول المستفيدة، فالمهم الأرقام أكبر عدد من المشاريع لأكبر عدد من الدول، وبذلك صار الموظف يُقيّم بكمية الدولارات التي أفلح في تسليفها، وقد أوضح ماكنمارا بأنه بقدر عدد المشاريع التي يبتكرها الموظف وبقدر ضخامتها وتكلفتها بقدر ما يكون مستقبل الموظف باهرًا، وقد كان من نتائج هذه الفلسفة تشجيع الدول المدينة على قبول معونات لا تستطيع تسديدها بأية حال، وبروز ظاهرة أو سياسة برامج التكييف الهيكلي في كثير من دول العالم الثالث، والتي حطمت حياة الملايين وذلك لأنها بنيت على افتراض خاطئ مؤداه أنه كلما كثرت المشاريع وارتفعت تكلفتها استفاد منها أكبر عدد من الناس، فقد برهنت الأحداث على أن تلك المشاريع أدت إلى زيادة الفوارق والتفاوت الاقتصادي بين طبقات الدول المستدينة، وخلفت مشاكل اقتصادية واجتماعية لم تكن موجودة أصلًا كبعض المشاريع في كينيا، والتي أدت إلى موت كثير من المواطنين، وموريتانيا التي أدت إلى تعميق العبودية بين العمال وأصحاب العمل.

معنى التكييف الهيكلي:

ولا بد من وقفة الشرح معنى التكييف الهيكلي لأن هذه السياسة هي محور فلسفة البنك الدولي، وهي السبب الأساسي في شقاء كثير من دول العالم الثالث.

تتلخص هذه السياسة في توجيهات إلى الدول المستدينة الغرض منها اعتناق أفكار السوق الحر دون أي اعتبار الآثار تلك السياسات على المجتمع أو البيئة أو الأفراد، ونُجمل هذه التوجيهات فيما يلي:

1- خصخصة المؤسسات التي تديرها الدولة مع تشريد أكبر عدد من موظفي الدولة، مما يزيد في حدة البطالة، وانحطاط مستوى الخدمات في وزارات الخدمات وهي الصحة والتعليم والمواصلات.

2- تشجيع تصدير المواد الخام، وتشجيع الصناعات التي تنتج المواد للتصدير حتى يحصل البلد على عملة حرة، وكذلك تشجيع استيراد المواد المصنعة، وتحرير وتشجيع التجارة الخارجية بدون أي عراقيل.

3- إزالة أو تقليل الدعم للقطاع الزراعي، والمواد الغذائية، والرعاية الصحية، والتعليم.

4- تضييق السياسة المالية بزيادة أسعار الفائدة على الاقتراض بغية السيطرة على التضخم.

5- تقليص الرواتب خصوصًا لذوي الدخول المتدنية.

وعلى الرغم من فشل تلك الفلسفة - ليس فقط في إزالة الفقر أو التقليل من تأثيره، بل في زيادة الهوّة بين الطبقات الغنية والفقيرة داخل الدول التي تأخذ معونات من البنك الدولي ومن الصندوق، وزيادة تراكم الديون عليها- نجد أن ماكمارا ينسب ذلك الفشل إلى سوء إدارة حكومات العالم الثالث لأمورها الاقتصادية.

وهو عندما ينسب فشل سياسات التكييف الهيكلي إلى القلاقل والثورات الداخلية، فهو ينسى أن تلك الثورات الداخلية ضد الأنظمة الفاسدة التي تسببت في الجوع والفقر، إنما هي ثورات ضد أنظمة حليفة وصديقة للولايات المتحدة نتيجة الفقر وتضخم الفجوة بين الأغنياء والفقراء (ص ٥٠).

ومشكلة ماكنمارا - والبنك الدولي- هو أنه بعد تحديد المشكلة، وهي أن كل دولة فقيرة تتسلط فيها صفوة قليلة - سواء كانت من الجيش أو المدنيين- هي التي تسيء الإدارة، وتجعل من الفساد ديدنًا لإدارة تلك البلاد ومنهاجًا يؤدي إلى الفقر في النهاية، بعد هذا التحديد للمشكلة يفشل ماكنمارا والبنك في حلها لسبب بسيط هو أن أمريكا وراء أغلبية تلك الأنظمة التي تفعل بشعوبها الأفاعيل التي تؤدي إلى القلاقل والإزعاج، ليس فقط لحكامها بل في المحصلة الأخيرة لأمن أمريكا، وبذلك يدخل ماكنمارا والبنك في بحر من التناقضات.

أسباب تخبط ما كنمارا:

ثم تتساءل الكاتبة وتحاول أن تجد تفسيرًا لهذا التخبط لرجل يعتبر قمة في المنطق وحصافة الرأي وتقول: هناك ثلاثة احتمالات لهذا التخيط:

الأول: ماكنمارا عرف تلك التناقضات وقرر أن يقف إلى جانب الحُكام الديكتاتوريين.

الثاني: ماكنمارا تحقق من تلك التناقضات ولكنه أنس في نفسه القدرة على إجبار الحكومات على التخلي عن أنانيتها بتحويل أموال البنك إلى الفقراء.

الثالث: هو أن يكون ماكنمارا فشل في كشف التناقضات والتعرف عليها وأعتقد

- على الرغم من دلالتها الدامغة- أن حكومات الـ ٨٢ دولة من دول العالم الثالث -وهي في أغلبها حكومات قهرية- يمكن أن تعود إلى القواعد الأخلاقية وتفهم أن: الغنى الفاحش والفقر المدقع أوضاع غير مقبولة.

ثم تقول الكاتبة: إذا كان الاحتمال الأخير هو في الواقع تفكير ماكنمارا، فإن هذا الأمر يدعو إلى الخوف والارتعاد، لأنه كان ذات يوم تحت إمرته جيوش أقوى دولة في العالم وأسلحتها النووية، وهو على هذه الدرجة من السذاجة والغفلة.

وبهذا يكون ما كنمارا الذي أقسم على أن يكون نصير المحرومين والفقراء في العالم على رأس المساندين لكل الحكومات التي لم تَجن شعوبها منها إلا الفقر المدقع، وهذه الفلسفة التي أرساها ماكنمارا في البنك مازالت هي الفلسفة التي يسير البنك عليها إلى اليوم، وهي سياسة التكييف الهيكلي، وهي تهدف إلى إجبار الدولة المحتاجة على تطويع اقتصادها وحياتها الاجتماعية والسياسية لسياسات البنك، والتي ليست في النهاية إلا سياسة أمريكا.

وقد برهنت تلك السياسات على مدى الأيام على أنها الطريق الواضح لتحطيم اقتصاديات الدول وربطها في صورة استعمار حديث بعجلة الدول الكبرى وتحطيم مجتمعاتها سياسيًا واجتماعيا.

والسمة الكبرى لهذا البنك هي: عدم اعترافه بأخطائه، ومحاولة إصلاحها كأنما هو هيئة دينية مسيحية، يتنزل عليها الوحي ﵟ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١ﵞ (سورة هود:1).

ثم تقول الكاتبة (ص ٦٦) إن فرض سياسة التكييف الهيكلي على العالم هو في الواقع اختيار أيديولوجي ثابت يحفر مفهوم النظام العالمي الجديد بحروف على الصخر، وهو مفهوم يشبه النظام العالمي القديم - الاستعمار- والفرق الوحيد هو أن جنوده هذه المرة هم جحافل الاقتصاديين الجهلاء.

وحجر الأساس في استمرار هذه السياسة الخرقاء شخص مثل ماكنمارا يفيض ثقة بأفكاره وأخلاقياته، ويقود مجموعة من الأشخاص لا يجرؤون على الاعتراض عليه لسبب بسيط هو أنهم يتقاضون رواتب وميزانيات لا يحلمون بها في أية وظيفة أخرى في العالم، وليس عليهم أية رقابة، ولا يحاسبهم أحد على تلك السياسات التي أغرقت الملايين في بحار من البؤس والفقر.

وتشير الكاتبة إلى فحوى رسالة دكتوراه في اللاهوت لأستاذ كندي يُدعى «جون مايهيفيك» عنوانها «أصولية البنك الدولي» وهو يعني الأصولية بمعناها الديني، لأن الباعث على كتابته للرسالة ما لمسته الإرساليات والمنظمات الكنسية في دول العالم الثالث من نتائج سياسات البنك المدمرة، وحيث لاحظ الكاتب التشابه الواضح بين فلسفة البنك في التنمية، وأراء الأصولية المحافظة واليمينية المتنامية في دول العالم الغربي، فهو يقول: (ص ۹۳) إن هناك تطابقًا واضحًا في الطريقة التي قدم بها البنك الدولي فلسفة التكييف الهيكلي، وبين تفسير الأصوليين المسيحيين للإنجيل، فالبنك لم يرفض فقط البدائل الممكنة، ولكنه سعى خلال العقد الماضي لكي يضيق أي خيارات أخرى، يمكن أن تستعين بها دول العالم الثالث للتنمية، وهي في رأي الكاتب الأساليب نفسها التي يتبعها الأصوليون المسيحيون، واليمين الجديد في المجتمعات الغربية، وهذا الرأي يشاركه فيه كثير من المفكرين المسيحيين (ص 96 - 97).

ويكشف الكتاب النقاب عن تفكير وفلسفة البنك الحقيقية فيما يختص بنظرته للعالم الثالث الذي يفترض أن يكون هَمْ البنك الأكبر هو إنقاذه من الفقر ومساعدته على اللحاق بركب الحضارة.

خبير في البنك الدولي يدعو إلى تصدير الصناعات القذرة والنفايات السامة إلى دول العالم الثالث.

أخلاقيات البنك القذرة:

وتتضح أخلاقيات البنك الحقيقية بصورة مرعبة من مذكرة كتبها «السير لورنس صمومرزSummers »، وكان وقتها كبير الاقتصاديين ونائب الرئيس للتنمية الاقتصادية من ديسمبر ١٩٩٠ إلى إبريل ١٩٩٣م؛ ثم انضم إلى إدارة الرئيس كلينتون وكيلًا مساعدًا في وزارة المالية، وكان مسؤولًا عن «تقرير التنمية في العالم» وهذا التقرير من أهم إصدارات البنك الدولي، وبما أن المذكرة كانت سرية وموجهة إلى صفوة مختارة من المديرين فهي بذلك تُقري فلسفة البنك الحقيقية دون رتوش!! يقول صمومرز Summers في الجزء الذي يختص بالصناعات القذرة «Dirty Industries»، وهي الصناعات التي تتمخض عنها نفايات ضارة بالبشر والبيئة، ألا ترون أن على البنك الدولي تشجيع هجرة الصناعات القذرة إلى العالم الثالث؟ لدي ثلاث حجج لذلك:

أولًا: عندما تلقى النفايات السامة في بلد متوسط دخل الفرد فيه ٢٠ ألف دولار سنويًا، ومتوسط عمره الحالي ٤٠ عامًا، ويتوقع ٢٥ سنة أخرى، فإن الاقتصاد العالمي يتوقع دخلًا يساوي ٢٠ × ٢٥ يعني 500.000 دولار من هذا الشخص، في حين أن الفرد في العالم الثالث يتوقع أن يكون دخله على أحسن الفروض ٣٠٠ دولار في السنة، ويتوقع أن يعيش ١٥ سنة أخرى، ولذلك فهو لا يضيف إلى الاقتصاد العالمي سوى 15 × ۳۰۰ = 4500 دولار فقط بالمقارنة بالـ 500.000 دولار للشخص في الدول الصناعية، فإلقاء النفايات في بلد الثاني يشكل تصرفًا منطقيًا.

ثانيا: أن كثيرًا من بلدان العالم الثالث تعداد سكانها منخفض جدًا ودرجة التلوث بها منخفضة جدًا أيضًا، بما يعني أن هواءها وماءها أنقى من كثير من دول العالم الأول الصناعي، وبذلك يكون منطقيًا إلقاء النفايات هناك حتى تلحق تلك الدول بدول العالم المتحضر في درجة تلوث بيئتها.

ثالثًا: إن الشحاذين لا خيار لهم، فإذا أرادوا أن يأخذوا معوناتنا فيجب أن يقبلوا شروطنا، وهذا يقودنا إلى التساؤل عن صحة الادعاء بأن البنك الدولي كيان اقتصادي مستقل لا دخل له بالأمور السياسية؟ وعن مدى نجاح البنك في تقليص الفقر، وتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء؟

الهيمنة على الدول المدينة:

في فصل كامل من الكتاب «الفصل السابع ص ١٤٢» توضح الكاتبة أن البنك يتدخل في الكيان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لكل الدول المستفيدة من قروضه، وبدأ يفرض مفاهيمه الغربية على دول العالم الثالث متغاضيًا عن إمكانية فشل تلك المفاهيم لتعارضها مع الأعراف والتقاليد المحلية، وعما إذا كانت تلك الدول مستعدة لتلقي مثل هذا النوع من الثورة السياسية، وكانت النتيجة ارتفاع معدلات الفقر، وزيادة الفجوة بين الفقراء وبين صفوة الأغنياء الذين يشكلون نسبة ضئيلة من السكان، وكان من نتائج ذلك أيضًا إضعاف الدولة واستيلاء الأجانب على مقاليد الأمور فيها باسم البنك الدولي «كما حصل في بعض الدول العربية والإفريقية».

ولا يقتصر تدخل البنك الدولي على المؤسسات في الدول، بل يشير إلى دول أخرى مانحة للمساعدات بأن لا تساعد الدول التي لا تسمع الكلام، وتدريجيًا تصبح تلك الدول محكومة بمؤسسات عالمية يسيطر عليها الكبار «السبعة الكبار» والجات، ومنظمة التجارة العالمية التي ستصبح وزارة التجارة العالمية، وصندوق النقد الذي سيصبح وزارة المالية العالمية، ويصبح البنك الدولي وزارة ما تبقى من ذلك.

وكما قال آدم سميث - أبو الاقتصاد- واقتصاديون آخرون لا يوجد شيء اسمه اقتصاد وصرف بدون أبعاد سياسية واجتماعية.

هذا عرض عام ومقتطفات من كتاب مهم جدًا يكشف ماهية وحقيقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كمؤسسات تكرس النوايا الاستعمارية والتسلطية للعالم الغربي، لتزيد من فقر دول العالم الثالث، وربطه بالعالم الغربي، بحيث تصير الدول الفقيرة مستعمرات جديدة، احتلت بالتبعية الاقتصادية لا بالجيوش والرصاص.

خمسون عامًا من الابتزاز:

فرض المنتصرون في الحرب العالمية الثانية أشكالًا مختلفة لهيئات وتجمعات يستطيعون من خلالها فرض سطوتهم وإحكام سيطرتهم على دول العالم النامي لا سيما دول العالم الإسلامي التي تقع في قلب خريطة العالم، وكان صندوق النقد الدولي الذي اتخذ المنتصرون قرارًا بإنشائه في أعقاب مؤتمر برايتون وودز عام ١٩٤٤م هو أحد صور الاحتلال غير المباشر التي ابتكرها الغرب بعد انتهاء احتلاله العسكري للمنطقة، فعلى الرغم من أن المهمة الأساسية التي يجب أن يقوم بها صندوق النقد الدولي هي «مراقبة نظام نقدي يقوم على أسعار صرف ثابتة» إلا أن هذه المهمة قد اختفت تمامًا منذ أكثر من عشرين عامًا وأصبحت مهمة الصندوق السرية والعلنية الآن هي تحقيق اهداف الدول - الكبرى لا سيما الولايات المتحدة التي يقع بها مقر الصندوق، والتي تمول الجانب الأكبر من مخصصاته- في التدخل والتأثير المباشر في السياسة الاقتصادية للدول التي تعاني ضعفًا اقتصاديا وقصورًا في مواردها المالية، وكذلك تقديم الدعم المصحوب بشروط مجحفة للدول التي لا تجد طريقًا لحل مشاكلها الاقتصادية، وقد استطاع الصندوق أن يُوقع في براثنه عشرات الدول النامية والفقيرة، وأصبح يتحكم بشكل مباشر في سياساتها ومواردها وحتى مؤسساتها الاقتصادية، وقد أشارت دراسات وأبحاث اقتصادية كثيرة إلى أن كل الدول التي تعاملت مع الصندوق قد تدهورت حالتها الاقتصادية بشكل يدعو للرثاء، لأن سياسة الصندوق تعتمد على امتصاص السيولة النقدية في الدول التي تقترض من الصندوق وتخضع لشروطه وتوصياته التي أشبه ما تكون - في رأى كثير من الاقتصاديين- بامتصاص الدم من الجسد، فهذه الشروط والتوصيات حولت كثيرًا من الدول الغنية إلى دول مدينة، وكثيرًا من الدول الفقيرة إلى دول أكثر فقرًا وعجزًا حتى عن تسديد فوائد الديون.

وقد أكدت على ذلك مجلة «جون أفريك» الفرنسية في تقرير نشرته عنها «العالم اليوم» في 21/8/94 فقد أشار التقرير إلى أن الدول الإفريقية التي تقع جنوب الصحراء الكبرى، والتي تتعامل مع الصندوق قد أصبحت مديونياتها الآن أثقل مما كانت عليه قبل عشر سنوات، ففي عام ١٩٨٥م كانت مديونيات تلك الدول 63.5 مليار دولار أمريكي، أما في نهاية عام ۱۹۹۳م فقد وصلت مديونيات تلك الدول إلى 132,5 مليار دولار، وذلك بسبب توصيات صندوق النقد وشروطه، وأكدت «جون أفريك» أن كل سياسات الإصلاح الاقتصادي التي فرضها الصندوق على معظم الدول الإفريقية التي خضعت لشروطه قد فشلت في برامجها وضربت مثالًا على ذلك بدول كينيا ونيجيريا وغانا وكوت ديفوار وكل بلدان الفرنك التي تقع في غرب القارة الإفريقية.

وقد بلغ الوضع بثلاثين دولة من الدول الإفريقية المدينة للصندوق بأنها أصبحت عاجزة ليس عن تسديد الديون، وإنما عن تسديد فوائد الديون.

ولا يختلف الوضع المذرى للمديونية الإفريقية كثيرًا عن الوضع العربي، فقد نشرت الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الذي عقد في بيروت تقريرًا في مايو ١٩٩٤م ذكرت فيه أن المديونية العربية بلغت ١٩٤ مليار دولار، وذلك في نهاية عام ۱۹۹۳م وتبلغ الفوائد المقررة على هذه الديون ١٨ مليار دولار وهو ما يعادل ميزانيات دول عديدة، وأشار التقرير إلى أن ديون الدول العربية تمثل 75% من إجمالي الناتج المحلي.

ويلعب صندوق النقد دورًا مهمًا في ترسيخ هذه الديون ومضاعفتها وابتزاز الجانب الأكبر من مخصصات الدول العربية وثرواتها، وليس أدل على ذلك من الطريقة التي ظل يتفاوض بها الصندوق مع كل من مصر والجزائر حتى حوّل دولة مثل الجزائر كان من المفترض أن تكون واحدة من أغنى دول العالم بما تملك من ثروة نفطية هائلة إلى دولة وصلت ديونها الآن إلى ٥٢ مليار دولار، وقد فتح صندوق النقد الدولي خزائنه للجزائر فأفرط العسكر في الاستدانة حتى أصبحت ثروة الجزائر الطبيعية المتمثلة في النفط والغاز الآن مرهونة لعدة عقود.

أما مصر فقد وافقت في يوليو ١٩٩٤ على شروط صندوق النقد المجحفة وغير المنطقية والتي من أبرزها عدم قدرة مصر على حماية صناعاتها الوطنية، كذلك القبول بمبدأ تحقيق تخفيض سعر الجنيه مقابل الدولار والإسراع ببرنامج الخصخصة، ذلك البرنامج الذي أشار كثير من المحللين الاقتصاديين إلى أنه سوف يؤدى إلى بيع المؤسسات الوطنية المصرية بثمن بَخْس، كذلك طلب الصندوق وضع احتياطات البنك المركزي المصرى تحت رقابة الصندوق، وهذا يعتبر -في رأى كثير من المراقبين- مساسًا بسيادة السلطات النقدية المصرية، كذلك طلب الصندوق إطلاق مد يده في سوق الصرف المصرية، وقد بلغ عدد دول منطقة الشرق الأوسط والدول الإفريقية التي أصبح صندوق النقد يتدخل الآن بشكل مباشر في شئونها العامة أكثر من خمسين دولة معظمها من الدول الإسلامية.

أما أخطر أساليب الابتزاز التي أصبح يمارسها صندوق النقد الدولي الآن مع الدول الإسلامية ليست فرض الخصخصة أو التحكم في سعر صرف العملات وأسعار السلع الضرورية والتوجهات السياسية للدول المدينة، وإنما وصل الأمر إلى درجة الابتزاز العلني لعقائد المسلمين وتوجهاتهم ومساعيهم لتحري الحلال والحرام في شئون حياتهم، وقد تمثلت أكبر صور هذا الابتزاز في الزيارة التي قام بها وفد من الصندوق إلى صنعاء في نهاية مايو وأوائل يونيو الماضيين حيث وضع الوفد توصيتين مهمتين إلى الحكومة اليمنية، وذلك في مقابل منحها مساعدات تبلغ قيمتها ۲۸۰ مليون دولار على مدى اثني عشر شهرًا، أما التوصية الأولى: فهي كما جاءت على لسان خبير اقتصادي يعني ونشرتها وكالة الأنباء الفرنسية تتمثل في «الحد من نفوذ التيار الإسلامي داخل المؤسسات الحكومية» أما التوصية الثانية: فهي «إلغاء قرار إنشاء البنك الإسلامي» الذي كانت الحكومة اليمنية قد وافقت مبدئيًا على إنشائه في شهر إبريل الماضي.

وقد أبدى بعض المراقبين تعجبهم من وضوح هذه التوصيات التي ربما تكون تمهيدًا لأن يطلب الصندوق من الدول الإسلامية المدينة له والتي تسمح بنظام مصرفي إسلامي، وقيام بنوك إسلامية على أرضها أن تغلق هذه البنوك مستقبلًا، كما فرض على بعض هذه الدول من قبل أن تصفي شركات توظيف الأموال وإلا حُرِمَت من بركات الصندوق.. ولا زال في المستقبل مجال لمزيد من الابتزاز.

أحمد منصور

(1 ) مدیر مرکز دراسات تنمية المغرب العربي، مونتريال، كندا.

(2 ) تريزا هايتر «إمبرالية المساعدات الخارجية» ترجمة مجدي نصيف - دار ابن رشد - بیروت ۱۹۸۹م.

 (3 )Mohsin Khan, "the Macroeconomic Effects Of Fund Supported Adjustment Programs. Essays in International Finance, No 184, September 1991, Princeton, P. 47.

(4 ) Cf Banque Mondiale, World Debat Tables 1993-94, Vol. 1 Washington .15Dc,December 1993.

(5 ) كالصين وتايوان وكوريا الجنوبية وماليزيا بالإضافة طبعًا إلى اليابان، حيث إن كل هذه الدول تَمُر بمرحلة انتعاش اقتصادي وتقني مستمر منذ عقدين ونيف، وقد بلغ معدل النمو السنوي في ماليزيا أكثر من 8% طوال العقد الأخير

(6 ) معدل العجز السنوي في ميزانية المدفوعات الأمريكية يقارب 300 مليار دولار، وذلك بالرغم من الجهود المبذولة منذ مدة لتقليصه، ويقارب حجم ديون الحكومة الفيدرالية الأمريكية ٤٠٠٠ مليار دولار.

الرابط المختصر :