; رمضان ليس لهذا.. كثرة النوم | مجلة المجتمع

العنوان رمضان ليس لهذا.. كثرة النوم

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007

مشاهدات 65

نشر في العدد 1770

نشر في الصفحة 38

السبت 22-سبتمبر-2007

مع كل إشراقة شمس، تدب الحياة في الكون من حولنا، ويقوم الناس للسعي على معاشهم وتحصيل أرزاقهم التي كتبها الله تعالى لهم، فقد عرف الناس أن الرزق بيد الله تعالى، وأنه لا يأتي دون سعي أو تحصيل، فالسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، لذا فهم يجدون في طلبه بشتى الطرق، ما بين مقتصد ومفرط.

إيمان مغازي الشرقاوي (*)

فمنهم من هداه الله تعالى فلا يطلبه بمعصية أو محرم بل بالطرق المشروعة المباحة فيهتدي إلى الخير ويرزقه الله رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا، ومنهم من يتهاون في تحري حلاله من حرامه؛ فلا يبالي أمن طيب أو خبيث جاء فيمحق الله بركته، وإن بدا رأي العين كثيرًا!

 وهناك صنف ثالث يظن أن الرزق سيأتيه دون سعي منه، وسيطلبه دون طلب له، وسيلحقه من غير عمل أو كد فينام مع النائمين، ولا يسلك سبيل العاملين، ويتمنى على الله الأماني! لكنه في نهاية يومه

يخيب ظنه ويضيع أمله ويفوت رجاؤه، كيف وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (الملك:15).

إن هذا الصنف الثالث المتواكل يذكرنا بمن طلب الجنّة بلا عمل، وتمنى رضا ربه ومولاه وقد أغضبه، وأراد الحصول على أوسع الأرزاق والخير وقد توانى وكسل في تحصيلها، وحين فتحت أسواق تلك الجنات، وجاءت مواسمها المربحة، وهبت رياحها الطيبة لم يتعرض لها ولم يسعَ لنيل رزقه وحظه من نعيمها، بل كان مع الكسالى والنائمين، فتأنى وتمنى، وقصّر وسوّف وتلكأ وتأخر، وبدد وقته، وأتلف صحته، وأضاع عمره، ففاته أجود ما فيها من الخيرات، إذ إن طاعة الله رزق، ومحبته رزق، ورضاه رزق، وحب الخير رزق، والجنة كذلك رزق؛ بل هي الرزق كله، ولا تُنال إلا برحمة الله تعالى التي يكتبها للمؤمنين المتقين العاملين، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (الأعراف:156)، والإيمان كما قال النبي ﷺ: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» (أبو داود).

 وقتك عمرك.. فلا تقتل نفسك!!

يقول ابن القيم الجوزية-رحمه الله- (۱): «وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته».

إن كل ساعة تمر علينا هي محسوبة من أعمارنا، لذلك فكل الناس يندمون ويتحسرون على ضياعها ولكن بعد فوات أوان الانتفاع بها، حتى أهل الجنة أنفسهم يتمنون المزيد من العمل الصالح، ويتحسرون على ساعة خير فاتتهم، كما قال ﷺ: «ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها» (الطبراني).

وقد فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- ذلك، وتعاونوا على استغلال أوقاتهم وتواصوا بحفظه، فكان معاذ – رضي الله عنه- يقول للرجل من إخوانه: «اجلس بنا نؤمن ساعة».. فيجلسان يذكران الله تعالى ويحمدانه، وكان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبًا من القِدر إذا استجمعت غليانًا».

 إن من قتل وقته بتبذيره فيما لا يفيد كقاتل نفسه بلا آلة! وذابحها بغير سكين! ومضيعه كمضيع نفسه، وهل هو إلا ساعات وأنفاس معدودات يفنى بفنائها، ويموت بموتها، وينقضي بانقضائها؟!

 فاحذر أيها الصائم أن تكون قاتلًا لنفسك بهذه الطريقة السهلة الميسرة فتهلك وتكون من الخاسرين.

كلمات صادقة طيبة

إنها كلمات طيبات تساعد على سلوك طريق السعي والعمل الجاد المخلص، كما أنها دعوة لاغتنام الأوقات، جاءتنا على لسان من عاشوا عصر النبوة، وتعلموا على يد خير البرية نبينا محمد ﷺ، فمنه أخذوا وعلى طريقه ساروا فوصلوا.

فها هو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه- يقول (۲): «أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم! فمن استطاع منكم أن يقضي الأجل وهو في عمل لله عز وجل فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل. إن قومًا جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم الله عز وجل أن تكونوا أمثالهم ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (الحشر:19).

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأصحابه: «هلموا نزدد إيمانًا» فيذكرون الله تعالى.

أما ابن مسعود رضي الله عنه فيقول (۳): «إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن يزرع شرًّا يوشك أن يحــصـــد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع».

ويبين أبو الدرداء رضي الله عنه علامة الخيرية فيقول (4): «إن خيركم الذي يقول لصاحبه: اذهب بنا نصوم قبل أن نموت، وإن شركم الذي يقول لصاحبه: اذهب بنا نأكل ونشرب ونلهو قبل أن نموت».

سوق الجنة.. والتجارة الرابحة

وفي شهر رمضان تكون التجارة الرابحة بين العبد وربه، ويكون بيع المؤمن فيها رابحًا ونصيبه وافيًا، حيث تضاعف حسناته وتربو أعماله، فعلى الصائمين أن يعرفوا فضيلة هذا الشهر المبارك وأن يغتنموا لحظاته وساعاته، وهذا ما يفعله المؤمن الكيس الفطن.

وبعض الصائمين لا يدرك ذلك الفضل فيأتي عليه النهار كله وهو نائم، خشية التعب من الصيام أو الإحساس بالجوع، ومنهم من يأخذ إجازته من العمل في شهر رمضان لا ليصوم ويتهجد، أو يعتمر ويذكر الله كثيرًا، بل للنوم الطويل والراحة الزائدة، ومشاهدة المسلسلات التي تبث في الشهر الفضيل، أو لمتابعة الفوازير المنسوبة إليه. أما علم هؤلاء أن الجنة سوقها كبير يحتاج لوقت طويل من السعي والسير للوصول إلى بابه، كما أنه يحتاج إلى التبكير والإسراع في الذهاب إليه، ومن ثم التجول في أروقته ونيل ما تشتهي النفس من خيراته! ولن يتحقق هذا إلا بعد دفع الثمن المطلوب.. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (التوبة:111).

 وأنى لنائم أو غافل أو كسول أن ينال نصبيه من هذا الخير وقد ترك البكور والسعي إليه ونسي أن فيه بركة ورزقًا حسنًا بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (الترمذي). لكنه حول نهاره ليلًا وجعل ليله نهارًا، ففاته سوق الجنة!.. ولا يخفى عن ذي لب ما يترتب على ذلك من تضييع للعبادات المطلوبة من الصائم نهارًا كالصلاة في وقتها وقراءة القرآن، وتدارس العلم، وبر الوالدين، ورعاية الأهل، وطلب الرزق، والسعي في حوائج الناس.

کُسالی نائمون.. قعود يلعبون

ويجهل بعض الشباب حكمة شهر رمضان، وثمرة صيامه، فيهدرون أوقاتًا طويلة في الألعاب الإلكترونية، ويكثرون من السهر أمام شاشات الفضائيات وشبكات الإنترنت، فيضيع جهدهم ووقتهم هباء، وهم أمل هذه الأمة وحاضرها ومستقبلها.

وفي هؤلاء وأمثالهم يقول الحسن البصري (٥): «عجبًا لقوم أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم وهم قعود يلعبون»!

وكان من الأفضل لهذا الصائم أن يستيقظ كعادته مبكرًا، ويستعين بنوم القيلولة على الصيام وقيام الليل. وينام أيضًا مبكرًا ليتيسر له الاستيقاظ في ثلث الليل الأخير للصلاة والدعاء والسحور، وينتهز الفرصة في أيام رمضان؛ فيجد فيها ويتزود منها وألا يكون نؤومًا كسولًا، حتى لو اضطر إلى ترك بعض المباحات والأعمال والعادات التي كان يمارسها قبل حلول الشهر، فإن رمضان ليس لهذا!

------------------------------

الهوامش

(۱) الوقت عمار أو دمار - جاسم المطوع - ص 101.

(۲) حياة الصحابة- العلامة الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي - ص ٤٣٦.

 (3) المصدر السابق نفسه - ص ٤٥٠.

 (٤) المصدر السابق نفسه - ص ٢٥٣.

 (٥) الوقت عمار أو دمار - ص ۱۰۵.

الرابط المختصر :