العنوان حل للقضية يصب في صالح الهند
الكاتب أليف الدين الترابي
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1467
نشر في الصفحة 36
السبت 08-سبتمبر-2001
- إذا كان الحل السلمي الفوري للقضية الكشميرية في مصلحة الشعب الكشميري وباكستان.. فإنه كذلك من مصلحة الهند.
- اضطرت الهند ولا تزال إلى إنفاق مليارات الدولارات سنويًّا لمواصلة احتلال كشمير، على حساب رفاهية الشعب الهندي.
- الحل الجهادي لن يكون في صالح الشعب الهندي، لأنه سيسير بالهند على نفس طريق الاتحاد السوفيتي ...طريق التفكك والتمزق.
تعلقت آمال بعض المراقبين بالقمة الثنائية الهندية الباكستانية التي عقدت في مدينة أغراء في يوليو الماضي ممن كانوا يأملون في أن تكون المحادثات خطوة أولى في الوصول إلى حل سلمي للقضية الكشميرية التي تمثل جوهر النزاع بين الهند وباكستان، ووسيلة لبداية عهد جديد في منطقة جنوب آسيا يسوده الأمن والسلام، لكن خابت الآمال ويزيد المرء أسفًا أن الطرفين اتفقا على أكثر بنود مسودة الإعلان المشترك لاتخاذ خطوات إيجابية لحل القضية الكشميرية، إلا أن تعنت بعض المتشددين داخل الحكومة الهندية حال في المرحلة الأخيرة دون ظهور البيان المشترك.
أما ادعاء وزير الخارجية الهندي جسونت سينج بأن إصرار الرئيس الباكستاني برويز مشرف في المرحلة الأخيرة على ضرورة الاعتراف بالقضية الكشميرية كجوهر للصراع وأساس للخلاف بين البلدين هو الذي أدى إلى فشل المفاوضات؛ فلا يقوم- أي هذا الادعاء- على أي أساس عقلي أو منطقي، لأن ما قاله الرئيس مشرف هو حقيقة لا يمكن رفضها، كما لا يجد أي متابع غرابة في ذلك لأن الجنرال مشرف دأب على تكرار هذا الأمر في كل مناسبة بعد أن قبل دعوة فأجباني لزيارة الهند.
فكيف استساغ وزير الخارجية الهندي إذن أن يرجع مسؤولية فشل المفاوضات إلى إصرار الرئيس الباكستاني على الاعتراف بالنزاع حول كشمير كأساس للصراع وضرورة أخذ خطوات عملية لحله؟ وعلى نفس الطراز جاء ادعاء رئيس الوزراء الهندي بأن فشل المحادثات كان بسبب عدم موافقة باكستان على إيقاف الإرهاب الآتي من وراء الحدود، ومرد ذلك إلى أن الهند تسمي الأمور بغير حقائقها.. فالحركة الجهادية في رأيها إرهاب مستورد فيما كان الرئيس مشرف يؤكد أن ما تعتبره الهند إرهابًا هو جهاد ونضال مشروع للحصول على حق تقرير المصير.
ولكن رغم فشل جولة محادثات «أغراء» فإن بريقًا من الأمل ما زال يلوح في الأفق في إمكان التوصل إلى حل سلمي للقضية الكشميرية وذلك فيما أعلنه الطرفان عن عزمهما مواصلة المحادثات، وقد يتحول هذا الأمل إلى واقع ملموس إذا تراجعت الهند عن إصرارها على أن قضية كشمير مسألة داخلية خاصة بها واعترفت بالحقائق الثابتة في ذلك الصدد:
- والحقيقة الأولى التي يثبتها التاريخ هي أن القضية الكشميرية تمثل جوهر ولب النزاع بين الهند وباكستان منذ إنشاء الدولتين الجارتين قبل أكثر من نصف قرن، وهي التي تحكم مستوى العلاقات بينهما حيث أصبحت السبب الرئيس للخلاف والعداء المستمرين بين البلدين، بل أدت إلى وقوع ثلاثة حروب بينهما وهما الآن على شفا الحرب الرابعة.
أما الخلافات الأخرى بين البلدين فكلها أعراض لهذا الخلاف الجوهري بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بل إن مجرد التفكير في حل الخلافات الهامشية دون حل القضية الجوهرية والأساسية، أمر ينافي العقل السليم والمنطق على حد سواء.
- والحقيقة الثانية التي لا يمكن رفضها تاريخيًّا هي أن القضية الكشميرية برزت إلى سطح الأحداث كمشكلة نتيجة للتعنت الهندي، ولذلك لا يمكن حلها سلميًّا إلا إذا كانت الهند جادة ومخلصة، ولا يخفى على من يعرف تاريخ القضية أنها نشأت عام ١٩٤٧م حينما قامت القوات الهندية باجتياح كشمير مخالفة بذلك قرار تقسيم شبه القارة الهندية الذي كان ينص على انضمام ولاية كشمير إلى باكستان، ومخالفة لإرادة الشعب الكشميري المسلم الذي اتخذ قراره بالانضمام إلى باكستان.
وقد بررت الهند ضمها للولاية بقوة السلاح بوثيقة مزورة، ولكن الشعب الكشميري لم يقبل ذلك الاحتلال ورفع راية الجهاد لتحرير أرضه وتمكن من تحرير ثلث الولاية، ولو استمر في جهاده لحررها كاملة، غير أن الهند بادرت إلى رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي الذي قام بإصدار العديد من القرارات التي نصت على حق الشعب الكشميري في استفتاء حر ونزيه يقرر مصيره من خلاله.
ومن الحيل الهندية أنها وافقت على هذه القرارات الدولية وتعهدت مرارًا وتكرارًا بتطبيقها ولكنها لم تقم بأي خطوات عملية في ذلك الصدد، ثم تراجعت بعد ذلك عن تعهداتها دون مبرر ثم وصل الأمر الآن إلى أن صارت لا تعترف بوجود القضية أصلًا.
فإذا كانت الهند جادة في المفاوضات فإن عليها أن تعترف بالحقيقة الساطعة وهي أنها المسؤولة عن بداية النزاع وهي المسؤولة أيضًا عن حله سلميًّا، كما أنها أيضًا ستكون المسؤولة عن أي نتائج سيؤدي إليها الحل العسكري للقضية.
- وهناك حقيقة أخرى ثالثة نتمنى من الهند حكومة وشعبًا أن تدركها وهي أن الحل السلمي الفوري للقضية الكشميرية في صالح الهند نفسها أكثر من غيرها.
فمما لا شك فيه أن الحل العاجل للقضية في مصلحة شعوب المنطقة كلها وكافة أطراف القضية الشعب الكشميري وباكستان والهند وذلك لأن الجميع قد تأثر- ولا يزال- بتبعات القضية منذ أكثر من نصف قرن، ولكن نصيب الهند حكومة وشعبًا أكثر بكثير من غيرها.
لصالح الشعب الكشميري:
فالشعب الكشميري الذي هو طرف أساسي في القضية لا يزال يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من نصف قرن ولا يزال يعاني من مضاعفات وويلات الاحتلال وأضراره، ويواصل الجهود والجهاد للتخلص منه ويقدم التضحيات تلو التضحيات في ذلك الصدد، فمثلًا عندما قامت القوات الهندية باجتياح الولاية عام ١٩٤٧م قتلت نصف مليون مسلم في إقليم جامو وحده، وقامت بإجبار عدد مماثل على الهجرة إلى كشمير الحرة وباكستان بالإضافة إلى جرائمالاغتصاب التي تعرضت لها الآلاف من النساء المسلمات، وعلى نفس المنوال أيضًا وبعد انطلاق الحركة الجهادية المباركة عام ١٩٩٠م واصل الشعب الكشميري تقديم التضحيات الضخمة للحصول على حقه في تقرير مصيره فبلغ عدد الشهداء أكثر من ٨٠ ألف شهيد وفاق عدد الجرحى المائة ألف، وبلغ عدد النساء اللائي اغتصبن جماعيًّا عشرات الآلاف، كما تعرضت بنية الاقتصاد الكشميري للدمار.
ومن أجل ما سبق عرضه فإن الحل السلمي الفوري للقضية يكون في صالح الشعب الكشميري.
ولصالح باكستان:
وهكذا أيضًا بالنسبة لباكستان فقد تأثرت ولا تزال تتأثر بويلات الاحتلال الهندي لولاية جامو وكشمير المسلمة التي هي جزء لا يتجزأ من الأراضي الباكستانية وفقًا لقرار التقسيم. وهذا الأمر قد أدى إلى نشوء عداوة مستمرة بين الجارتين الهند وباكستان، دخلتا بسببها ثلاثة حروب كبرى في أعوام ١٩٤٨م، ١٩٦٥م. و۱۹۷۱م حتى إن الحرب الأخيرة قد أدت إلى فصل باكستان الشرقية «بنجلاديش» عن الوطن الأم وهي طوال هذه الفترة قد اضطرت وما تزال مضطرة إلى تخصيص نسبة ليست بالقليلة من ميزانيتها للدفاع وذلك على حساب رفاهية الشعب الباكستاني وازدهاره، فلا شك أن الحل السلمي الفوري للقضية الكشميرية سيكون فيصالح باكستان.
ولصالح الهند:
ولكن ورغم ما تم عرضه بإسهاب فإن الحل السلمي الفوري للقضية الكشميرية هو في صالح الهند ذاتها التي هي الطرف الثالث في القضية والأكثر حساسية من الأطراف الأخرى. فبعدما قامت الهند باحتلالها لولاية جامو
وكشمير عام ١٩٤٧م، اضطرت ولا تزال إلى صرف مليارات الدولارات سنويًّا للمحافظة على احتلالها للولاية، من خلال أساليب الإغراء والترغيب من ناحية، وأساليب القهر والترهيب من ناحية ثانية وهذه النفقات الباهظة ارتفعت إلى أضعاف مضاعفة خلال الانتفاضة الجهادية الحالية، حتى بلغت المصروفات اليومية للحكومة الهندية في الولاية المحتلة ٨٠٠ مليون روبية «ما يعادل ۲۰۰ مليون دولار»، ورغم ذلك لم يرضخ الشعب الكشميري للاحتلال ولا ليوم واحد ولا يزال يواصل نضاله سلميًّا أحيانًا وعسكريًّا أحيانًا أخرى ولم تتمكن الهند بكل جبروتها من القضاء على حركة التحرير والمقاومة رغم استخدامها كافة أساليب القهر والترهيب حينًا والإغراء والترغيب حينًا آخر.
وفوق ما ذكرنا فإن الهند بإنفاقها الضخم لمواصلة الاحتلال لم تكسب شيئًا، بل خسرت كثيرًا ولا تزال تخسر كما أنها أوقعت نفسها في عداوة مستمرة مع باكستان وهو ما جعلها تزيد دائمًا في ميزانية الدفاع.
وهكذا اضطرت الهند ولا تزال إلى إنفاق مليارات الدولارات سنويًّا لمواصلة احتلالها غير الشرعي للولاية على حساب رفاهية الشعب الهندي وازدهاره، حيث إن ٧٠% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر وعشرات الملايين لا مأوى لهم إلا الشوارع وتحت الجسور حيث ينامون ويأكلون بل ويتكاثرون.
وعلاوة على الخسائر المالية التي تتكبدها الميزانية الهندية فإن التورط المستمر لأكثر من ثلثي القوات الهندية في كشمير « ۸۰۰ ألف جندي» قد أدى إلى انتشار الأمراض النفسية المختلفة بين أغلبية الجنود حتى إن أكثر 70% من منهم اليوم يعانون من ذلك.
والنسبة في زيادة مستمرة. وإذا لم توافق الهند على الحل الفوري السلمي للقضية فلن يظل هناك أي خيار أمام الشعب الكشميري إلا أن يواصل جهاده حتى التحرير، وسوف يتحقق ذلك قريبًا- إن شاء الله- وللحقيقة نقول: إن الحل الجهادي أو العسكري لن يكون في صالح الشعب الهندي قط لأنه سيسير بالهند في نفس طريق الاتحاد السوفييتي.. طريق التفكك والتمزق.
ولذلك نكرر القول: إن الحل السلمي الفوري للقضية الكشميرية هو في صالح الهند أكثر من غيرها، فهل في الهند من رجل عاقل يدرك هذه الحقيقة قبل فوات الأوان، ويقوم بالمبادرة لإنقاذ بلاده من التهلكة وشعبه من التشرذم؟!.
وأخيرًا فإن الحل السلمي فوق أنه في صالح شعوب المنطقة، فهو أيضًا في صالح المجتمع الدولي، لأن تأخر الحل السلمي للنزاع يزيد من مخاطر نشوب نزاع نووي لن يصيب ضرره الهند وباكستان فقط بل يتعدى إلى دول المعمورة، ومن أجل ذلك فإن الحل السلمي الفوري للنزاع حول كشمير ضروري لاستقرار منطقة جنوب آسيا، بل لاستقرار الأمن والسلام في العالم أجمع وعليه نناشد المجتمع الدولي والدول الكبرى خاصة الضغط على الهند لإجبارها على المبادرة لحل القضية الكشميرية قبل فوات الأوان.