; كلام .. ندفع ثمنه من حسناتنا! | مجلة المجتمع

العنوان كلام .. ندفع ثمنه من حسناتنا!

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008

مشاهدات 70

نشر في العدد 1813

نشر في الصفحة 48

السبت 02-أغسطس-2008

  • الإمام أحمد كان يئن في مرضه فتذكر أن كل شيء يكتب حتى الأنين فلم يئن حتى مات!
  •  لا بد أن ندرك جيدًا الحكمة التي من أجلها صنع الهاتف
  •  أما يستحيي المعاكسون عبر الهواتف من نظر الله إليهم؟!

 «عفوًا .. لا تستطيع التحدث الآن؛ فقد نفد رصيدك.. رصيدك الحالي لا يمكنك من إتمام المكالمة..» إنها رسالة صوتية لكل من تحدث في هاتفه المحمول دون أن يشحنه بالحد الأدنى من النقود التي تصله بمن يريد التحدث إليهم، وتفتح له بوابة الاتصال بهم، وليس هذا بالأمر المستغرب أو الجديد، وكثيرًا ما نسمعه على هواتفنا المحمولة ودون أن نفكر في مضمون هذه الرسالة، وكأننا مسيرون، نضع في هاتفنا رصيدًا آخر من النقود قد يكون أكثر من ذي قبل إن لم يكن مثله.

وإذا أعملنا عقولنا في تلك الكلمات البسيطة التي حوتها هذه الرسالة الصوتية المعتادة لخرجنا منها بالدرس الكبير والفائدة العظيمة، فكيف ذلك؟ 

هل فكرت يومًا ماذا تفعل لو قال لك أحد: إن عليك إذا أردت الحديث مع صديق لك، وقبل أن تتكلم أن تدفع ثمنًا لكلامك الذي تنطق به وكلما تكلمت أكثر ستدفع أكثر؟ وماذا تفعل لو عد عليك بعضهم الحروف التي تتكون منها كلماتك أتراك ستتكلم هكذا رأسًا دون تفكير، أم ستتريث وتتدبر أمرك، وتختار أولى الكلمات بالنطق وأهمها في الإيضاح، لتصل إلى غرضك من أقصر طريق؟! وماذا لو كان هناك من يجلس ويستمع إلى مكالماتك -دون أن تراه وأنت لا تدري- لينظر ماذا تقول؟ وماذا ستفعل؟ وكيف تفكر؟ وأي شيء تنوي، ومن هم أصدقاؤك، و.. و... أيسرك هذا؟

  • فاتورة الهاتف

لقد اعتدنا أن نستقبل فاتورة الهاتف باهظة التكاليف خاصة مع تعدد أشكاله الآن، وها هي وقد سلمها لك ساعي البريد في رسالة خطية وحان أوان تسديدها . لكني أراك الآن تحملق في محتواها وقد تملكتك الدهشة حين علمت ما تحمله أليست هي فاتورة الهاتف لمدة ثلاثة أشهر مضت؟! لماذا تتمتم وأنت تنظر في الورقة أليست هي هي بعينها، وقد سجل فيها رقم هاتفك وبعض مكالماتك الداخلية والدولية؟ ماذا تقول؟ ولم أنت فاغر فاك هكذا. مستغربًا منها، ومعلقًا عليها .. يا للهول؟!

أكل هذا نغرمه بسبب كلامنا! إنه كلام في الهواء أكثره لغو من القول وسقطه وربما ثرثرة للتسلية وقتل الوقت، وقطع السآمة والملل وقليله القليل هو المختصر المفيد !

لكنها بضع مئات من الجنيهات أو الدنانير لا بد وأن أدفعها لسداد تلك الفاتورة، وإلا قطعوا خط الهاتف علينا ... بدأت أشك في نفسي.. أنحن حقًا في بيتنا أنا وزوجتي وأهلي في حاجة ملحة لكل هذه الاتصالات؟! إن كل مكالمة فيها تربو على نصف الساعة أهذه هي حاجتنا الحقيقية للهاتف أم أن ذلك من متطلبات العصر وقد أسيء استعماله حبًا للظهور وشغلًا للفراغ وطلبًا للمتعة الزائفة، وإضاعة للمال الذي سنسأل عنه؟

أفاق من كل هذا حين تذكر قول النبي ﷺ: «إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (رواه البخاري). فأيقن في نفسه أنه وأهله قد وقعوا في هذه الفخاخ الثلاثة من فخاخ إبليس، وتمنى لو أمسك لسانه واستغنى عن بعض المكالمات وأطعم بثمنها عشرات اليتامى والأرامل والمساكين.

  • إساءة الاستخدام

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بإلحاح هو : لماذا يسيء بعضنا استخدام النعم التي سخرها الله تعالى لنفع عباده لا لضرهم ويسرها لسعادتهم لا لشقائهم وهل يليق بنا أن نغفل الجوانب الإيجابية الكثيرة التي أحاط ربنا بها نعمه فلا نستثمرها، أو نكون ممن غض طرفه عن رؤيتها فتصير علينا نقمة لا نعمة، كمن استخدم نعمة اليد في البطش والسلب والظلم، أو رجله في السعي إلى الحرام، أو أساء إلى عقله فطاش بشرب المسكرات وإدمان المخدرات، ولم يحفظ عينيه عن النظر إلى العورات والتطلع إلى الحرمات، وسعى للنقائص بإطلاق لسانه فيما لا يفيد.

وللأسف، فإن الكثير من هذه المنكرات يشارك الهاتف في صنعها بسبب سوء استخدامه، وعدم ترشيده، وتجاهل الحكمة التي من أجلها صنع.

وقد حدث بالفعل أن هاتف شاب امرأة على هاتفها المحمول، وفي كل مرة يطلب منها اسمًا مختلفًا يريده، ولقد شمت أختنا من طريقته السمجة رائحة الخيانة، فما كان منها إلا أن أهدته بضع كلمات لن تضره إن كان تقيًا، لكن علها تردعه أو تهديه: إذ قالت له ناصحة تذكر يا أخي -هداك الله- أنك قد لا يأتي عليك بعد الآن صباح، بل ربما تبيت في قبرك هذه الليلة، من يدري فالأعمار بيد الله، فاتق الله، ولم يعد صاحبنا للاتصال بها مرة أخرى بعد أن أغرقها من قبل بوابل من الرنات فلعله بفضل الله قد تاب وأناب!!

وشاب آخر غيره يتصل: فتجيبه أختنا يا أخي ليس هذا هو الهاتف الذي تريده فيغضب من كلمة أخي فهو لا يريد أخوة منها بل يريد شيئًا آخر، فأين هو من قول رسول الله ﷺ: «زنى اللسان الكلام» (رواه ابن حبان) حيث أسند الزنى إلى اللسان: لأنه يلتذ بالكلام الحرام، كما يلتذ الفرج بالوطء الحرام، ويأثم بهذا كما يأثم بذاك.

وأين رجولة الشباب وغيرته على أخواته، وأين ذوده عن نساء أمته. بل أين مروءة الرجال وغيرتهم على الحرمات والأعراض؟ وهل سيفخر بذلك يوم القيامة أمام رسول الله ويقول له: ها أنا قد حفظت الأمانة يا رسول الله، كما أمرتني بها أم يعض أصابع الندم على ما فرط فيه وفات ؟!

  • كلام بالفلوس.. وكلام بالحسنات !

إن المتفكر في لغة الكلام ونعمة البيان يرى النعمة عظيمة لا يوفيها شكر، أو يكفيها عرفان، لكن جهد المقل أن يستخدمها كما أراد معطيها، وإلا كان أخذها لا يعرف من أصول الأدب فقط إلا العنوان، وإن كان المتكلم سيدفع فاتورة هاتفه وثمن كلامه بالجنيهات أو الريالات، أو الدولارات أو الدراهم، أو الدنانير، فإنه أيضًا لا بد دافع لها كذلك بالحسنات!

 والفرق بينهما واضح وكبير فأنت تتكلم في الدنيا أي كلام من خير أو شر، فتدفع للكل ثمنًا واحدًا بالجنيهات مثلًا دون التفرقة في كلامك بين الغث منه والسمين، وبين الطيب والخبيث، أو بين الحق والباطل، وفي نظرك لا غبن في ذلك؛ لأنه كما تظن ثمن للوقت الذي استغرقته في الكلام، أما في الحقيقة فإنك إما فائز، وإما مغبون فكلامك قبل أن يُسجل عليك في فاتورة الهاتف قد سجل لك في صحيفتك وقبل أن تطلع عليه هيئة الاتصالات اطلع عليه خالقك، فعلم سرك وعلانيتك، وبعد أن تتلفظ به تكتبه لك أو عليك حفظتك الموكلون بإحكام الرقابة الشديدة عليك والوقوف دومًا بين يديك، والاطلاع على ما تتحدث به خفية عن عيون الناس.

وبعيدًا عن رقابة الأهل والآباء، أو الأزواج والأصدقاء، فأنت مكشوف الغطاء لا تستطيع أن تستتر إلا بستر الله تعالى الحليم الستير، أما تستحيي بعد ذلك من نظر الله تعالى إليك؟! أتريد أن تدفع فاتورة كلامك مما كسبت يمينك من حسنات لينفد رصيدك أيضًا منها؟! لقد حذر من ذلك رسول الله ﷺ حين قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا یا رسول الله من لا درهم له ولا متاع فقال رسول الله ﷺ: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار» (رواه الترمذي).

  • لم يئن حتى مات

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18) قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله : أكلت .. شربت.. ذهبت.. جئت رأيت.. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد : ۳۹)، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات يرحمه الله.

وعن علقمة عن بلال بن الحارث المزني رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:« إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى. ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» (رواه أحمد). فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث ..

الرابط المختصر :