; كلمة ضرورية حول تركيا | مجلة المجتمع

العنوان كلمة ضرورية حول تركيا

الكاتب مصطفي محمد الطحان

تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003

مشاهدات 103

نشر في العدد 1535

نشر في الصفحة 34

السبت 18-يناير-2003

ملفات ثقيلة ما زالت تنتظر حكومة العدالة والتنمية..الانهيار الاقتصادي... الحجاب.. مدارس الأئمة والخطباء المغلقة والعلاقة مع الكيان الصهيوني

يعد الأستاذ مصطفى الطحان أحد الخبراء الإسلاميين القلائل في القضايا التركية، وبشكل خاص ما يتعلق منها بالحركة الإسلامية التي عايشها عن قرب لفترة طويلة. بعد طول صمت، منذ انتخابات نوفمبر الماضي جاء هذا المقال:

قبل الانتخابات البرلمانية التركية التي أجريت في 3 نوفمبر ۲۰۰۲م، التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية، بزعامة رجب طيب أردوغان.. قبل هذا التاريخ بعدة سنوات عندما بدأ رئيس بلدية إسطنبول طيب أردوغان يحدث نفسه، ثم يحدث أقرب الأصدقاء إليه برغبته في إنشاء حزب جديد.. يجمع فيه بين الديمقراطية، والعلمانية الأتاتوركية، بين التدين الشخصي الذي مكانه المسجد والشعائر التعبدية ولا زيادة على ذلك وبين قدوة معاصرة هو الرئيس تورجوت أوزال.. الذي أسهم خلال رئاسته في تكريس هذه المعاني العلمانية.. والانفتاح الاقتصادي الذي تسبب في انهيار الاقتصاد لاحقاً.. لم يكن عدواً للدين ولكنه كان فاسداً.. وأصبح حزبه فيما بعد مركزاً للفساد في البلاد.

لقد وظف أردوغان وهو شخصية جذابة مؤثرة النجاحات الكبيرة التي حققها في بلدية إسطنبول في بروزه كشخصية ناجحة على صعيد تركيا كلها.. كان يستفيد من مواصفاته الشخصية.. ومن مركزه المتقدم في حزب الرفاه... ومن تفاهماته الكثيرة مع معظم مراكز القوة في البلاد التي أغدقت عليه الأحلام فقد كان من مصلحتها تحطيم أربكان.

منذ تلك الانتخابات التي جرت يوم ۳/۱۱/۲۰۰۲م والكثيرون يلحون علي أن أقول شيئاً أو أن أكتب مقالاً حول الأوضاع الأخيرة في تركيا[1] واستجابة لهؤلاء كان هذا المقال. 

1- يمكننا أن نقول إن المنتصر الأول في هذه الانتخابات هو الاتجاه الإسلامي.. والشارع الإسلامي الذي صوت للهوية الإسلامية، وأعرض عن كل هوية أخرى طرحتها الأحزاب أو الزعامات الأخرى. فقد عانى هذا الشارع الصامت من إرهاب الآخرين أغلقوا مدارسه الدينية.. منعوا الطالبات المحجبات من الدراسة في خطة لتجهيل المرأة المسلمة.. حلوا الأحزاب الإسلامية.. وضعوا الشركات الاقتصادية الإسلامية في القائمة السوداء.. طردوا من الجيش جميع الضباط الذين يشتبه في حبهم للإسلام.. هذا الشارع المسلم الصامت أجاب على التحدي باختيار حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية.

ومن الأمور التي تلفت النظر أن النسبة التي حصل عليها الحزب هي ٣٤ من الأصوات، وهي النسبة نفسها التي حصل عليها حزب الرفاه بعد تسلمه السلطة عام ١٩٩٦م، في إحدى الجولات الانتخابية الفرعية.. والتي خشيت منها الأحزاب العلمانية والقوى المسيطرة فقالت: اليوم وليس غداً... وكانت أحداث ۲۸ فبراير ۱۹۹۷م التي أنهت حزب الرفاه وأنهت حكومته.

2- ومن دلالات هذه الانتخابات أن جميع الأحزاب العلمانية الفاسدة سقطت.. وإذا كانت في الدورة السابقة تضافرت جهود داخلية وخارجية في إنجاحها- مثل المؤامراة الأمريكية- الأوروبية- الإسرائيلية في القبض على أوجلان الزعيم اليساري الانفصالي الكردي.. قبضوا عليه قبيل الانتخابات فارتفعت أسهم اليسار يومها.. والحزب القومي الذي كان الخصم العنيد للحركة الكردية فإن الرياح الأمريكية اليوم في اتجاه آخر.. في اتجاه حكومة أغلبية شكلها إسلامي.. تفتح قواعد الطيران وموانئ البحار أمام القوات الأمريكية. وتسمح بمشاركة الجيش التركي في المعركة المنتظرة.. ولهذا فإن من يتصورون أن فوز هذا الحزب شكل ضربة للمؤسسة العسكرية واهمون... ويكفي أن نعلم أن رئيس الأركان حلمي أوزكوك صرح من واشنطن بعد إعلان نتائج الانتخابات بأن الشعب قال كلمته ويجب على الجميع أن يقبلوا بالنتائج.

وفتح الرؤساء ابتداء من بوش إلى زعماء أوروبا جميعاً الأبواب أمام قيادات الحزب لزيارة بلدانهم. في الوقت الذي لم يستقبل واحد منهم رئيس الوزراء نجم الدين أربكان.

3- ومع سقوط الأحزاب الفاسدة.. سقطت الرموز السياسية ومعها القيم التي عانى منها الشعب أشد المعاناة.. سقط اليسار الأمريكاني المتحالف مع القوة الباطشة التي يمثلها حزب الشعب.. وسقط صندوق النقد الدولي الذي بعث بأحد رجاله كمال درويش، لإصلاح الاقتصاد المنهار.. وسقطت الادعاءات المعادية للإسلام التي روجوا لها خلال أكثر من نصف قرن.

سألت الأستاذ أربكان يوم جاء كمال درويش من أمريكا لإصلاح الاقتصاد المنهار: هل يمكنه فعل ذلك؟

قال: كيف يفعل وهو سبب الانهيار؟

4- في الوقت الحاضر هناك ملفات ساخنة تهم المواطن التركي الذي انسلخ عن الأحزاب الفاسدة. وعن الرموز الفاسدة.. وصوت لحزب العدالة والتنمية.. ينتظر معالجتها اليوم قبل الغد:

- ينتظر مدارس الأئمة والخطباء والمدارس القرآنية التي أغلقت بالجملة.. أن تفتح أبوابها وتستقبل طلابها.

- وتنتظر الفتاة المسلمة ومعها أسرتها أن تسمح لها أن تدخل المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة والمعاهد والكليات ومراكز العمل، بحجابها.. الذي جلست في بيتها من أجله.

- وينتظر الشعب المنهك اقتصادياً الذي ارتفعت فيه- في عهد حكومات الفساد- قيمة الدولار من ١٥٠ ألف ليرة إلى 1.7 مليون ليرة. ونزلت قيمة الناتج القومي من ١٩٤ مليار دولار في عهد أربكان (۱۹۹۷) إلى ١٤٨ مليار دولار في عهد حكومات الفساد. وارتفع عدد العاطلين من 1.3 مليون إلى 2.3 مليون، وأصبح ٥٥% من الشعب التركي تحت مستوى الفقر.. وهبط متوسط الدخل القومي إلى أقل من ۱۸۰ دولاراً في الشهر، وأغلقت ٤٢٠ ألف مؤسسة اقتصادية أبوابها، وارتفع الدين الخارجي الذي جعلت حكومة أربكان سداده من أولى واجباتها من ١١٤ مليار دولار عام ۱۹۹۷م إلى ٣٠٥ مليارات دولار.

وإذا كان مجمل الدخل القومي ١٤٨ مليار دولار فإن فوائد الديون الحالية هي ١٢٠,٥ مليار دولار، أي أن جميع القروض التي يعطيها صندوق النقد الدولي (الأمريكي) مجرد وصفات لإراحة الأغنياء وفئران الجبنة السياسيين في الداخل ولسداد فوائد القروض من البنوك الأمريكية في الخارج، وأن الـ۲۱ بنكا التي أفلست كانت نتيجة لعمليات النهب التي كان لرجال السلطة نصيب الأسد فيها والتي كلفت خزانة الدولة في حدود ٣٠ مليار دولار.

- وينتظر الشعب أن تقف الحكومة موقفاً صلباً من الحرب ضد العراق.. ومن يتابع المظاهرات التي تخرج كل يوم في المدن التركية يدرك كم تعبت تركيا وشعبها المنهك من هذه التبعية الذليلة.. التي خسرت فيها قرابة ٥٠ بليون دولار من إغلاق الحدود مع العراق في المرحلة الأولى.. مقابل بعض الفتات من صندوق النقد الدولي يسترجعونه مع الفوائد المركبة مضاعفاً.. والله وحده يعلم كم ستخسر تركيا في الحرب القادمة كذلك. هذا بالإضافة إلى خطر قيام دولة كردية في شمال العراق.. ومخاطر الهجرة المنتظرة من العراق إلى تركيا عندما تقوم الحرب.

التصريحات متناقضة حول هذا الموضوع... يقولون شيئاً وما يجري على الأرض شيء آخر... ولا نستبعد التحليل الذي ذكره المعلق الكردي إذ قال: هل يمكن للساسة الجدد في أنقرة أن يضمنوا لأمريكا مساعدة عسكرية من هذا القبيل؟ الأرجح (نعم) لأن أردوغان وجول لا يعارضان ذلك ما دامت الأثمان مضمونة، والثمن الأكبر الذي يتطلع إليه الرجلان قد لا يتعلق بمساعدات اقتصادية ومالية قدر تعلقه بضمان دعم أمريكي لمسيرة حزب العدالة والتنمية في مسألتين أساسيتين: إحداهما الإسهام الإيجابي في إقناع مؤسسة الجيش التركي بالانسحاب التدريجي من الحياة السياسية.[2]

البداية التي ركز عليها حزب العدالة والتنمية بعد نجاحه الساحق.. هي عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.. وهي مطلب تركي قديم قدم التجربة العلمانية القصد منه البحث عن هوية جديدة بدلاً من الهوية الإسلامية.

كان الإسلاميون يعارضون فكرة الانضمام... ولكنهم تحولوا عن هذا الرفض إلى القبول.. بل والسعي الحثيث لتحقيق ذلك.. فقد وجدوا في هذا الانضمام مخرجاً محتملاً من الظروف الصعبة التي يواجهونها.

جال رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية على العواصم الأوروبية يحضها على قبول طلب بلاده، وحاول إقناع زعماء أوروبا بأن انتصار حزبه في الانتخابات يشير إلى بداية جديدة في تركيا، فهناك توافق واسع بين رجال الأعمال الأتراك واتحادات العمال ومنظمات المجتمع المدني على ضرورة المضي في الإصلاحات الاقتصادية والسياسية استعداداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يضاف إلى ذلك أن الحكومة الجديدة ألغت حال الطوارئ في بعض مناطق الأكراد ومنحت مزيداً من الحرية للأتراك من أصل كردي أما إذا رفض الاتحاد الأوروبي الطلب التركي فستعود القوى الوطنية إلى الظهور وتصبح أهداف أردوغان الإصلاحية أصعب منالاً.

أردوغان يدرك أن تركيا تسبح ضد التيار وأن هناك موقفاً رافضاً لدخول تركيا.. عبر عنه مؤخراً الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان، فقد صرح لصحيفة لوموند الفرنسية أن تركيا ليست بلداً أوروبياً. إنها دولة قريبة من أوروبا، دولة مهمة وفيها نخبة أصيلة، لكنها ليست أوروبية، فعاصمتها ليست في أوروبا، و ٩٥% من سكانها يعيشون خارج أوروبا، وإن قبولها يعني نهاية الاتحاد الأوروبي.

أما على الجانب الألماني فقد صرح رئيس وزراء بافاريا ادموند شتويبر بأن قبول تركيا سيكون بداية النهاية لمشروع توحيد أوروبا سياسياً، إن لتركيا خلفية ثقافية وتاريخية مختلفة.

وهذا الموقف ذكره معظم المفكرين الأوروبيين كما ذكره الكاتب الأمريكي جراهام فولر في كتابه «الإسلام في الغرب» فقال: إن في أوروبا حالياً ٩٢ مليون مسلم بمن فيهم سكان آسيا الوسطى. وماذا ستكون النتيجة لو انضم إليهم ٧٠ مليوناً آخرين في تركيا؟

- الملف التركي الإسرائيلي.. من الملفات الثقيلة الوطأة على مزاج الشعب التركي.. وهو ليس مجرد ملف صفقات أسلحة يشتريها الجيش من الترسانة الإسرائيلية. ولكنه ملف استراتيجي ترعاه العلاقات الأمريكية- الصهيونية.. فأمريكا تعتبر هذا المثلث ركيزة النفوذ الأمريكي في المنطقة.. وهو منطلق الحرب ضد العراق فكيف سيتصرف الحزب الجديد مع هذا الملف؟

في أول تعليق من تل أبيب، قال الرئيس الصهيوني موشيه كتساف إنه ليس قلقاً من صعود حزب العدالة إلى الحكم لأن المصالح الوطنية للدولتين تقرر أن تبقى العلاقات بينهما جيدة.

وتابع أن تركيا كانت دائماً دولة إسلامية ورغم ذلك كانت علاقاتنا طيبة، مضيفاً أنه يحترم ما قررته الديمقراطية التركية.

وكتبت صحيفة (هآرتس) أن قادة الأجهزة الأمنية في إسرائيل سيقومون قريباً بتقويم الأوضاع والانعكاسات المتوقعة على العلاقات الأمنية مع بلادهم، مشيرة إلى أن الاختبار الأول لها سيكون منتصف الشهر المقبل (ديسمبر الماضي) موعد إجراء مناورات عسكرية إسرائيلية- تركية- أمريكية مشتركة في المياه الإقليمية الإسرائيل، متوقعة ألا تتراجع أنقرة عن المشاركة فيها[3] (وقد أجريت المناورات بالفعل).

هل تغير قادة حزب العدالة؟

النقطة المهمة التي تدور على ألسنة الإسلاميين والعلمانيين في تركيا وخارجها هي: هل تغير أردوغان وعبد الله جول؟

العهد قريب بهما وهما أقرب مساعدي نجم الدين أربكان.. ولكن زعيم الحزب يصرح باستمرار: إنه تخلى عن أفكاره السابقة حين كان عضواً قيادياً في حزب الرفاه الذي تزعمه نجم الدين أربكان، أما نائبه عبد الله جول، فإنه حين سئل عما إذا كانت لديهم أجندة إسلامية، حاول أن يدفع التهمة وقال إنهم ليسوا إسلاميين، لكنهم أعضاء في حزب أوروبي محافظ، وغاية ما يمكن أن يوصفوا به أنهم ديمقراطيون مسلمون على غرار الديمقراطيين المسيحيين الذين لهم أحزابهم في الأقطار الأوروبية الأخرى.

يقول فهمي هويدي:

الأمر أعقد بكثير مما يبدو على السطح، والكلام الدبلوماسي الرقيق الذي صدر عن قادة الحزب ورئيس الأركان يخفي أزمة مكتومة، لا يعرف متى يمكن أن تفصح عن نفسها، ذلك أنه لأول مرة منذ عقدين من الزمان على الأقل تتولى السلطة في تركيا حكومة قوية تتمتع بتأييد شعبي جارف، فضلاً عن أنها ليست خارجة من عباءة الأتاتوركية[4].

والأمر كذلك.. فالكلام الذي يقال عن اعتدال أردوغان، وعن رغبته في التقارب مع العسكر.. وعن تفاهماته مع أركان العلمانية في الداخل.. ومع الأمريكان وحلفائهم في المنطقة في الخارج.. كل ذلك قيل مثله عن حكومة الرفاه وعن شخصية أربكان التي تعتبر مثالاً يحتذى في البراجماتية.. ومع ذلك فقد سعت أمريكا لإسقاطه لثلاثة أسباب:

- فهو الذي أنشأ مجموعة الثمانية الاقتصادية الإسلامية وما تمثله من خطر على الغرب.

- وهو الذي حسن الاقتصاد.. وما يمثل ذلك من الاستغناء عن وصفات صندوق النقد الدولي.

- وهو أصولي في آخر المطاف[5].

هل معنى ذلك أن التاريخ يعيد نفسه؟

- لا نعتقد أن قبول التعاون مع إسرائيل باعتباره تعاوناً استراتيجياً كما صرح رئيس الوزراء الجديد..

- ولا استقبال بوش لرئيس الحزب في البيت الأبيض. 

- ولا القول بأن قضية الحجاب لا تمثل سبباً للتوتر.

- ولا التنازلات التي قدمت لليونانيين في قبرص. كل ذلك وغيره لن يغير في تقديرنا من نظرة العسكر لحزب ذي جذور إسلامية يحكم تركيا.

ولن يغير من موقف أوروبا الذي عبرت عنه إحدى الكنائس في شمال إيطاليا التي قرعت أجراسها تحذيراً من الإسلام الذي يحكم في تركيا.

الزلزال التركي.. أبعاده وآثاره.. والدروس المستفادة

د. عصام العريان

لن تتوقف آثار الزلزال الذي حدث في تركيا بعد الانتخابات التي أسفرت عن فوز حزب العدالة والتنمية، لن تتوقف على تركيا فحسب، بل ستتعداها إلى بلاد كثيرة، وستؤثر على مستقبل المنطقة (الشرق الأدنى والأوسط)، والعالم الإسلامي، كما على علاقة أوروبا بالعالم الإسلامي، وعلى مستقبل الحركات الإسلامية.

فقد فاز حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب أردوغان المحروم سياسياً من الترشح أو تولي مناصب سياسية، ورئيس بلدية إسطنبول سابقاً، والتلميذ النجيب للخوجة أربكان بأغلبية مطلقة في البرلمان، كادت توصله إلى نسبة الثلثين من المقاعد، وبها يستطيع توجيه دفة السياسة بتفويض شعبي هائل لم يحدث في تركيا منذ عقود، حزب العدالة أحد جناحين تفرعا عن حزب «الرفاه» و«الفضيلة»، وينتمي إلى الحركة الإسلامية، وما زالت الميديا تصفه بـ«الإسلامي»، بينما يصر قادته على وصفه بـ«المحافظ» ذي التوجهات الإسلامية.

عوامل كثيرة تضافرت على تحقيق الإنجاز الذي أطاح برموز السياسة التركية وكانت مرونة الفريق الذي قاده أردوغان أهم أسباب النجاح وستمتحن تلك المرونة نفسها بجانب الامتحانات الأخرى الخطيرة التي سيتعرض لها الحزب، إذ سيتصدى لتدخلات المؤسسة العسكرية وسيكون تحت مقصلة المؤسسات القضائية والدستورية والعلمانية التي لن تتركه منفرداً وسيعمل على إيجاد علاقة طيبة مع مؤسسة الرئاسة، ويتولى ملفات صعبة، بل عسيرة جداً مثل: العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وتخفيف الاحتقان الداخلي مع الانتماءات الإسلامية، ومحاربة الفساد المتفشي في القطاعات كلها، والسعي إلى وقف تدهور الاقتصاد ومعالجة الملف الكردي الذي تضغط أوروبا لإنهائه، وكذلك الملف القبرصي، حيث سينضم الجناح اليوناني إلى الاتحاد الأوروبي.

مرونة أردوغان وعبد الله جول تبدت في نسج فكر جديد غريب على الاتجاهات الإسلامية هو التعايش أكثر وأكثر مع النظام العلماني، والبعد عن الملاسنات اللفظية التي تسببت سابقاً في حرمان رجب من حقوقه السياسية، وهذا يحرم العلمانيين الفاشلين من ذريعة تتخذها للحرب عليه، أهم من ذلك كله هو اكتساب تأييد قوى في الغرب وأمريكا في مواجهة المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية الفاسدة التي مارست حملة تخويف شديدة ضد كل ما هو إسلامي، وهذه تجربة تستحق أن تروى وأن تدرس من جانب الحركات الإسلامية لبيان هل هناك إمكانية لحوار مع الغرب؟ أم أن هذه كانت خصوصية تركية؟

تجربة الزعيم أربكان رئيس الوزراء الأسبق تستحق الدراسة أيضاً، فرجب هو التلميذ الأبرز له، وقد بنى على تجربة ربع قرن لأستاذه ولم يبدأ من فراغ، ورغم كل ما تتميز به تركيا من خصوصيات إلا أن بزوغ نجم الحركة الإسلامية فيها بفرعيها الكبيرين السياسي أربكان، والصوفي «النورسي» ثم ما حققته خلال نصف قرن أو يزيد من الإبقاء على المد الإسلامي والعاطفة الدينية والتوجه الإسلامي الذي تم ترجمته سياسياً في انتخابات ۲۰۰۲م هي تجربة ثرية بالدروس والعبر.

فها هو الإسلام يعود بقوة إلى بلد حاول الغرب أن يقدمه نموذجاً علمانياً صرفاً وحاول مصطفى كمال أن يحدثه على النمط الغربي وعلى العلمانية التي تعادي الدين، تلك العلمانية التي رفضت بإصرار قبول غطاء رأس النائبة مروة قاوقجي، بل نزعت عنها جنسيتها في تشنج عجیب كان بداية النهاية لهذا الأسلوب، فعاد الإسلاميون بقوة بعد أن أبدوا مرونة كبيرة فاقت تصور العلمانيين الذين ما زالوا يشككون في نوايا الحزب الجديد الحزب الذي يتصدى لمهام ثقيلة سيكون أكثر قدرة على ترتيب أولوياته وسيكون وفياً للجماهير التي انتخبته وفوضته، وهي ليست كلها إسلامية أو ملتزمة، ولن يدخل في معارك صغيرة، بل سيحمي حقوق الشعب في ممارسة عباداته وحياته في ظل علمانية لا تحارب الحجاب ولا تحرم الفتيات من الدراسة والعمل بحجة التستر والتحجب والتعبير السياسي عبر اللباس، والذي لا تفهمه المؤسسات العسكرية والعلمانية أن هذا تعبير عن هوية تركيا ذاتها، وليس عن حزب سياسي أو اتجاه ما فتركيا إسلامية، وستظل إسلامية، وهذا ما يجعل الاتحاد الأوروبي حتى اليوم يتحفظ على قبولها عضواً كامل العضوية فيه، بينما رحب حلف الأطلنطي بها في ظل حاجته إليها سابقاً لمواجهة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، وترغب أمريكا أن تضمها لحملتها ضد الإرهاب أو على الأقل تقدم منها نموذجاً إسلامياً علمانياً ديمقراطياً ضد النموذج الإيراني المحافظ أو الجزائري العنيف أو الطالباني المنغلق... إلخ، نموذج يحافظ على علاقات جيدة مع أمريكا والغرب ويقدم ديمقراطية شبه مكتملة، ويحقق إنجازاً اقتصادياً، وتحتاج أمريكا إلى طهارة وعفة واقتدار وكفاءة الإسلاميين للخروج من المأزق الذي وصلت إليه تركيا.

وهذه إحدى خطط أمريكا التي تريد احتواء المد الإسلامي الجارف الذي ظهر جلياً مع عملية التحول نحو الديمقراطية في المغرب والبحرين وباكستان وإندونيسيا وسيظهر تباعاً في بقية البلاد، فهي تريد إسلاماً مسالماً لا يتصدى للهيمنة الأمريكية بل يمكن أن يتحالف معها أو على الأقل يكون محايداً.

على الحركات الإسلامية- خاصة تلك التي تؤمن بالتعددية والديمقراطية- أن تفتح ملف العلاقة مع الغرب على أرضية الندية والتكافؤ والحوار لا القتال والصدام، وأن تستفيد من نموذجي إيران التصادمي وتركيا «التعايشي»، آخذة في الاعتبار تجارب القرن الماضي كله في البلاد العربية بين احتلال عسكري واستقلال زائف لم يحقق الآمال الوطنية، وكيف أدار الاتجاه القومي هذا الملف الخطير في تحالفات مع المعسكر الشرقي نكاية في المعسكر الغربي، فكانت النتيجة ذلك التخلف الخطير الذي وصلنا إليه وأصبح الأمل بسببه معلقاً في نفوس الناس في التيار الإسلامي كمخلص ومنقذ لا بسبب كفاءته التي لم تختبر بل بسبب فشل الآخرين!

وعلى الحركات الإسلامية أن تفكر جيداً في مراحل انتقالية من الوضع الحالي إلى الوضع الإسلامي التام الذي يحقق الآمال الإسلامية في الحضارة والتقدم والوحدة والتأثير في العالم، وهذا ما دعا الأستاذ البنا- رحمه الله- مؤسس الإخوان المسلمين للأخذ بسنة التدرج في الخطوات، وعند حديثه عن مراحل العمل المطلوبة مع الأخ العامل قال إنها تبدأ بإصلاح نفسه، ثم تكوين بيت مسلم، ثم إرشاد المجتمع، وهذه واجبات على كل فرد مسلم، ثم يأتي العمل الجماعي المنظم الذي يبدأ بتحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، ثم إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، ثم إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية مروراً بتقريب الثقافات والتعاون الاقتصادي والتقارب السياسي حتى تتوحد الشعوب الإسلامية تمهيداً لإعادة الخلافة الإسلامية في صورة عصرية، وتنتهي تلك المراحل بأستاذية العالم عبر تقديم النموذج الحضاري الإسلامي.

كثير من الواهمين أو الحالمين من أبناء الحركات الإسلامية لا يعقل أو يتصور التأقلم مع سنة التدرج، فيتخيل إمكان الانتقال الفوري من الحال المأساوي الذي وصلت إليه الأمة، إلى الحال المثالي الذي يحلم به، لذلك تهدر طاقاته فيما لا طائل وراءه، وعليهم دراسة ما يحدث في تركيا ومقارنته بما حدث ويحدث في بلاد أخرى.

وإذا أتينا إلى المقارنة، فإننا أمام نموذجين على أبواب العالم العربي: الإيراني والتركي، الأول ترسخ عبر شعبية هائلة ولا يزال يتطور ويتأقلم مع الأوضاع الإقليمية والدولية، والثاني ما زال في بداية التجربة، إذ أتى عبر ممارسة ديمقراطية تميزت بالمعاناة الشديدة (تم حل أربعة أحزاب إسلامية تركية: السلامة- النظام الوطني- الرفاه- الفضيلة)، وتمرس بإدارة البلاد في حكومات ائتلافية منذ السبعينيات واستطاع أن يغير وجه تركيا ويحافظ على هويتها الإسلامية رغم كل القوانين والقهر وانتهاك حقوق الإنسان والحرمان السياسي.

وعند المقارنة بين النموذجين، سنجد مجالات متسعة للمقارنة حول العلاقة مع الغرب والتسامح مع المخالفين والتقدم الاقتصادي والمعرفة... و..... و.... إلخ، ولكن الأهم هو إمكانية تجاوز العقدة التاريخية التي نتجت من الصدام بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وقد نجح أربكان من قبل في تحقيق إنجازين كبيرين في تلك العلاقة بارتباط اقتصادي قيمته عشرون مليار دولار عبر شراء تركيا الغاز الإيراني، ووجود البلدين في منظمة الدول الثماني الإسلامية، وأمام الحكومة الجديدة فرصة طيبة لإحياء تلك العلاقة من جديد كما أن أمام إيران فرصة للتحرر من الخوف من تركيا لبناء علاقة جيدة معها، يمكن استثمارها في آسيا الوسطى وجمهورياتها الإسلامية.

كما يمكن الاستفادة من الطرق التي أدت إلى تأييد أمريكا لتولي حزب العدالة والتنمية الحكم على عكس رغبة العسكر والعلمانيين.. هل هي رغبة في احتواء المد الإسلامي؟ أم هو يأس من العلمانيين؟ أم هي خطة لتقديم نموذج جديد؟ وهل يمكن أن تسلك إيران الدولة خطة ما لتحييد أمريكا وعدم استعدائها ضدها، هذا العداء الذي أدى إلى تخصيص عشرات الملايين من الدولارات الأمريكية لتقويض النظام الإيراني؟

وتحاول أمريكا أن تتبنى تحالفاً ثلاثياً يجمعها مع تركيا والكيان الصهيوني، عبر المؤسسة العسكرية، فهل سيستطيع أردوغان أن يفصم عرى هذا التحالف أم يقف عاجزاً مثل أستاذه أربكان إزاء هذا الملف؟ الوضع يختلف؛ فالعدالة معه ثلثا مقاعد البرلمان، ويستطيع المناورة والمساومة بقوة التفويض الشعبي، وهذا ملف شائك ينظر العالم العربي كله إلى أداء العدالة والتنمية فيه على الأقل فليتوقف الأمر عند تلك الحدود، وليبدأ العد التنازلي للعلاقة الآثمة مع هذا الكيان العنصري.

وسيأتي بعد ذلك ملفات العلاقة مع سوريا، وملف المياه وغيرها مما يزيد من توجه الحزب وتركيا نحو العرب في علاقة عادلة تتجاوز الآثام التاريخية التي سببتها حكومة الاتحاد والترقي، أو الدولة العثمانية في حال تخلفها، واستبدادها السياسي، ولن يجد الحزب أفضل من الإسلام لبناء تلك العلاقة على أسس وطيدة راسخة وعادلة.

وسيعتمد ذلك أيضاً على ما يقدمه العرب الرسميون والشعبيون لتركيا لتشجيعها على بناء تلك العلاقة السليمة.

سيكون تحدياً كبيراً أمام العدالة والتنمية أن يصيبه الغرور، فيسارع إلى إحداث تغييرات دستورية جذرية تمس جوهر النظام الدستوري، لا مانع من إلغاء القيود على الحريات، خاصة فيما يتعلق بالحرمان السياسي الذي حرم أردوغان من حقوقه، كما يحرر أربكان ليستطيع دخول البرلمان مستقلاً ويحرر الأحزاب الكردية وتكتمل صورة الديمقراطية في تركيا الإسلامية.

بعد المغرب وباكستان جاءت البحرين وتركيا لتثبت أن التوجه مع الانتخابات الحرة، فإن إرادة الشعوب الإسلامية تتجه نحو الإسلام وتختار الانحياز إلى الخيار الحضاري الإسلامي، وعلى الدول العربية أن تقرأ التجارب بعناية، فليس من الحكمة الاستمرار في سياسة العناد، وليس من العقل الوقوف في وجه إرادة الشعوب، وستتوالى دروس الزلزال التركي وتوابعه.

 

[1] كتب الدكتور عبدالله النفيسي مقالاً في جريدة الوطن الكويتية (۲۰۰۲/۱۱/۲۳) بعنوان النجدة النجدة يا مصطفى.

 

[2]  الحياة اللندنية (۲۰۰۲/۱۲/۲۳).

 

[3] 15/۱۱/2000.

 

[4] التجديد المغربية (١٤/١١/٢٠٠٢).

 

[5]  يراجع فصل تركيا في كتاب أمريكا والإسلام السياسي فواز جرجس ص . ٢٢٥).

الرابط المختصر :