الثلاثاء 23-ديسمبر-1975
في ليلة الخميس الموافق ۳۰ ذي القعدة طلع علينا التلفزيون بالحلقة الثانية من «الجريمة والعقاب»، وطرحت في الندوة بعض الآراء التي يتوجب علينا إلقاء الضوء عليها بحكم المسؤولية الملقاة على كل واحد منا تجاه المجتمع الذي يعيش فيـه انطلاقًا من قول الرسول الأعظـم صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وفيما يلي بعض ما ورد في هذه الحلقة مع الرد عليها:
ا- القانون والبيئة: تكلم مقدم البرنامج في البداية فقال ما مضمونه ومعناه: «إن ما يكون ملائمًا لبيئتنا من القوانين قد لا يكون ملائمًا لغيرنا والعكس صحيح» وبعد أن أنهى المقدم كلامه وجه السؤال إلى أحد المشتركين في الحلقة وهو المحامي «خالد» الذي أيد المقدم بما ذهب إليه، وأضاف قائلًا ما معناه: «ليس هناك شيء اسمه مستورد ومن يقل ذلك فهو مذنب والقانون المعمول به في البلاد هو القانون «النابليوني» وقد أخذت به بعض البلاد العربية، ثم نص على الذين ينادون بالأخذ بالإسلام، وقال ما مضمونه: إن الشريعة هي أحدى المصادر التي أعتمد عليها القانون النابليوني فإذن لا يوجد هناك شيء يقال له مستورد، حيث ان الشريعة وجودة ضمن القانون آنف الذكر.
وردنا على ما تقدم من الكلام هو:
أ- أود أن أضع بين يدي الأستاذ المحامي سؤالًا بسيطا وهو: - هل يحق للإنسان أن يشرع للإنسان؟
أم أن التشريع حق منحصر بخالق الإنسان؟! إن جواب الإسلام على هذا السؤال واضح صریح محدد لا لبس فيه ولا غموض، يقول الكتاب الخالد: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (سورة يوسف: 40) ويقول كذلك: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة المائدة:44)
فحق التشريع والتقنين والحكم إذن لله تعالى وحده بنص كتاب الله، وليس لأحد كائنًا من كان أن يتصدى لهذا الحق وإلا فهو معتد على حق الله. وهذا أمر أولى بنا أن نضعه في الاعتبار ونحن نتحدث أو نكتب في هذا الميدان المهم وإذا كان يحق للإنسان أن يشرع ويقنن للناس من دون الله فما هو معنى إرسال الرسل وإنزال الكتب؟ أليس ذلك عبثًا لا يليق بالخالق الحكيم.
ب- أن من يتبع إنسانًا تصدى - للتشريع والتقنين من دون الله مشرك بربه، لأنه أشرك غيره في الطاعة والانقياد والاستسلام في الوقت الذي أمر فيه أن يعبد الله وحده مخلصًا ويسلم إليه قياده ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
جـ- إن حكم الله تعالى المفروض على العباد والأخذ به عن رضا واستسلام ملائم لكل بيئة وزمان فالإسلام خاتم الأديان، وقد روعي فيه هذا الجانب من حيث الكمال والشمول والخلود وليس هو كالقوانين الوضعية حتى يقاس بمقياسها وينظر إليه بمنظارها.
د- إنه لا خيار للإنسان المؤمن بين حكم الإسلام الذي يمثل كلمة الله الأخيرة للبشرية وبين حكم غيره من النظم الوضعية، وإنما لا بد له بحكم كونه مؤمنًا أن يأخذ بتشريعات دينه حتى إذا كانت ضد رغباته وأهوائه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
هـ- إن المشرع سبحانه وتعالى يريد منا أن نأخذ بشريعته كاملة غير منقوصة وغير مبعضة ولا مجزأة وإلا فهو التحايل وهو الهوى وهو الجهل. إن الإسلام يشبه الطائرة فأنت إذا أخذت بجزء مهم أو أجزاء منها لا يمكنها أن تطير وتحلق في السماء أي لا يمكن أن تقوم بوظيفتها المحددة لها وكذلك الدين إذا طرحت منه أجزاء وأخذت بأخرى لا يمكن أن يفعل فعله ويؤدي دوره
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ومن هنا يظهر لنا مكان القول الذي أطلقه المحامي «خالد» الذي يقول:
«ليس هناك شيء اسمه مستورد ومن قال بذلك فهو مذنب، لأن القانون المعمول به في البلاد مأخوذ من القانون النابليوني، وهذا الأخير يتضمن بعض أحكام الشريعــة الإسلامية المقدسة!!
ومن هو المذنب إذن: من يقول بأخذ الإسلام كلًا موحدًا غير مبعض واعتماده في الحياة أم من يقول
بالأخذ بالقانون الوضعي المستمد من القانون النابليوني الذي لا يرتضيه الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.