; كلمة إلى الدعاة الاستغناء والعطاء في ممارسه الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان كلمة إلى الدعاة الاستغناء والعطاء في ممارسه الدعوة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997

مشاهدات 99

نشر في العدد 1239

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 25-فبراير-1997

  • ليس العطاء محصورًا في المال، بل هو أوسع من ذلك إذ يشمل كل عون يقدمه الداعية للمدعوين

شعار عظيم رفعه على طريق الدعوة الرسل والأنبياء عندما تكرر في خطابهم لأقوامهم ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: 145)، والرجل المؤمن في (يس) عندما دعا قومه لاتباع المرسلين علل لهم ذلك بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (يس: 21)، والدعاة سائرون على منهج الأنبياء فلا ينتظرون من أحد عطاء، ولا يرقبون من إنسان مكرمة، وأنى يكون ذلك؟ كلا إنهم لا تنشغل عقولهم بمثل هذا التفكير لأنها مشغولة بالرجاء في قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يوسف: 57)، ولا تتعلق قلوبهم بشيء من حطام الدنيا وعطايا الناس؛ لأنها متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) إنهم يرغبون في نوع آخر من الأجر غير ممنون ولا مقطوع: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (الانشقاق: 25) ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ( هود: 108) .

إن صورة الداعية لا تجمل ولا تكمل إلا باستغنائه عما في أيدي الناس، وما من شيء يذهب أثر الدعوة ويمحو عزة الداعية مثل سؤال الناس أو انتظار عطائهم، إنه حينئذ لا يكون داعية، بل يصبح تاجرًا فاجرًا يتاجر بالدين، يشابه فعل اليهود ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (آل عمران: 77)، وبهذا السلوك يكون الداعية ممن يصدون عن دين الله كما بين الله جل وعلا في قوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ﴾ (التوبة: 9)، وذلك من أعظم البلاء، ولذا ينبغي أن يتعفف الداعية عما في أيدي الناس؛ ليظل عزيزًا مرفوع الرأس، قادرًا على أن يقول ما يريد، وأن يبلغ ما يلزم إبلاغه دون أن يحمل منة في عنقه لأحد تجعله مغلول اليد أو مغلول اللسان، ويقدر ما يستطيع الداعية أن يحقق لنفسه من العفة والورع بقدر ما يكتسب من تقدير وقدرة وإمكانية (مع الله ٧٤).

نعم لابد أن يميز الدعاة زهدهم في زخارف الدنيا، وفضول العيش ونهامة المادة، ومرض التكاثر، فإنهم لا يستطيعون أن يؤثروا فيمن يخاطبونهم، ويحملوهم على إيثار الدين على الدنيا، والآجلة على العاجلة، وتلبية نداء الضمير والإيمان على نداء المعدة والنفس والشهوات، وذلك لأن الناس ما زالوا ولا يزالون مفطورين على الإجلال لشيء لا يجدونه عندهم، فإذا رأى الناس علماء ودعاة لا يقلون عنهم في حب المادة، والجري وراءها. والتنافس في الوظائف والمناصب، والإكثار من الثراء والرخاء والتوسع في المطاعم والمشارب وخفض العيش ولين الحياة؛ فإنهم لا يرون لهم فضلًا عليهم، وحقًا في الدعوة إلى الله، وإيثار الآخرة على الدنيا، والتمرد على الشهوات والتماسك أمام المغريات، وقد قيل: فاقد الشيء لا يعطيه، هذا هو سمت أهل العلم والإيمان، ذكره الله جل وعلا لنا في قصة قارون يوم خرج على قومه في زينته، فتاقت إلى حاله ودنياه نفوس الضعفاء؛ لأن قلوبهم خواء، وجاء الجواب حاسمًا من أهل العلم والإيمان؛ لأن في قلوبهم غناء ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (القصص: 80 ). 

اكتمال شخصية الداعية

وتكتمل شخصية الداعية ويعظم تأثيره إذا ضم إلى الاستغناء العطاء، وما الدعوة إلا عطاء دائم يبذل فيه الداعية من مشاعره ومن وقته ومن ماله ومن جاهه ومن قوته ومن حيلته؛ حتى يبلغ الغاية ببذل نفسه وإعطاء روحه جهادًا في سبيل الله وتضحية من جل الدعوة إلى الله ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92)، والتاريخ يشهد أن الدعاة إذا اغتنت قلوبهم بالمعاني الإيمانية، واستغنت عن المتع الدنيوية استسهلوا الصعب غير مستثقلين، وركبوا الأخطار غير عابئين، وواجهوا الأخطار غير خائفين، لا تثنيهم رهبة ولا تستميلهم رغبة.

 أمثلة رائعة

 وانظر إلى ربعي بن عامر رضي الله عنه يوم قدم إلى أبهة الملك بما فيها من متاع الدنيا وزخارفها، فوطئ الطنافس بأقدامه، وخرقها برمحه، واستغنى واستعلى بإيمانه، وقال قولته المشهورة التي ما تزال تدوي في سمع الزمان: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. ويوم أسر عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه قال له ملك الروم: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين (محمد صلي الله عليه وسلم) طرفة عين؟، قال: إذن أقتلك، قال أنت وذاك؟ إنها المواقف التي ترجمها الزبير شعرًا عاصفًا رائعًا فقال:

 خذوا كل دنياكم واتركوا *** فؤادي حرًا وحيدًا غريبًا

 فإني أعظمكم دولة *** وإن خلتموني طريدًا سليبًا

وصاغها الرافعي الأديب في قاموس الحكمة في كلمات في غاية القوة فقال: (إذا رمتك المطامع بالحاجة التي لا تقدر عليها، رميتها من نفسك بالاستغناء الذي تقدر عليه، وتكررت بعد جيل الصحابة مرات ومرات، جددها أئمة الدعاة من الثقات الأثبات، فهذا عيسى بن يونس حدث الأمين والمأمون، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها، فظن أنه استقلها أي رآها قليلة، فأمر له بعشرين ألفًا، فقال عيسى: لا ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله ﷺ، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهبًا إلى السقف، فانصرفا من عنده. 

وفي وقت اشتداد الأزمة إبان فتنة خلق القرآن دعي عفان بن مسلم للمحنة، فلما حضر عرض عليه القول، فأبى أن يجيب، فقيل له: يحبس عنك عطاؤك، وكان يعطى في كل شهر ألف درهم، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22)، لما رجع إلى داره عزله نساؤه ومن في داره، قال الراوي: وكان في داره نحو أربعين إنسانًا. وليس الأمر مقتصرًا على الاستغناء عما في أيدي الأمراء، بل هو كذلك بالنسبة للتعامل مع المدعوين والتلاميذ، فقد وجه بعض مشايخ مرو إلى علي بن حجر بشيء من السكر والأرز وثوب فرد عليهم بقصيدة قال فيها: 

جاءني عنك مرسل بكلام *** فيه بعض الإيحاش والاحشام

فتعجبت ثم قلت تعالى *** ربنا ذا من الأمور العظام

خاب سعيي لئن شريت خلاقي *** بعد تسعين حجة بحطام

أنا بالصبر واحتمالي لإخواني *** أرجي بحلول دار السلام

 والذي سميته يزري بمثلي ***عند أهل العقول والأحلام

وأهدى أصحاب الحديث الأوزاعي هدية فلما اجتمعوا عنده، قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلت هديتكم ولم أحدثكم، وإن شئتم حدثتكم ورددت هديتكم.

وجمع الشيخ عاطف أفندي بين الموقفين من أصحاب السلطان ومع عامة الناس، فقد دعي إلى طعام الإفطار في رمضان مع السلطان وحيد الدين، وتقدم السلطان بهدية للشيخ تقديرًا له ورجاه أن يقبلها فاعتذر قائلًا: استسمحكم ألا تعودوني على تلقي الإحسان، وذات يوم أهداه فراش متقاعد ممن يحبونه ويجلونه بعضًا من الحلوى صنعها خصيصًا للشيخ، فاعتذر منه، وقال له: سامحني لأنني لم أستطع قبول هديتك، سامحني فإن مهنتي والقضية التي أعمل لها حساسة للدرجة التي لا أستطيع معها تحمل مثقال وطأة المنفعة المادية.

أهمية العطاء

وبقدر أهمية الاستغناء تأتي أهمية العطاء الذي له أثره الأبلغ في النفوس لملامسته لمصالحهم وقضائه لحاجاتهم، وقد كان الرسول الكريم. كما قال أنس - ما سئل رسول الله (صلي الله عليه وسلم) علي الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاء رجل، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: يا قوم، أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. 

وهذا صفوان بن أمية رضي الله عنه يقول: لقد أعطاني النبي ﷺ وإنه لأبغض الناس إلي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. 

وأبو بكر خرج من ماله كله بذلًا في سبيل الله، ونصرة لدين الله. وعمر أنفق في هذا السبيل شطر ماله، وعثمان جهز جيش العسرة وكان رائدًا للمنفقين، وكذا كان عطاؤهم لدعوتهم، ومثله عطاؤهم للناس عظيمًا تقوى به الدعوة ويتألف به المدعوون.

تنوع العطاء

وليس العطاء محصورًا في المال، بل هو أوسع من ذلك؛ إذ يشمل كل عون يقدمه الداعية للمدعوين، وكل معروف يسديه لهم، فقد يعطيه من وقته أو جهده أو فكره؛ بل حتى من بشاشة وجهه وحسن استقباله وميدان العطاء بالنسبة للداعية فسيح، وأثره كبير، فينبغي أن يكون فيه مسابقًا ومنافسًا، ومحققًا لما أوصى به الإمام البنا الداعية بقوله: إن تكون عظيم النشاط مدربًا على الخدمات العامة، تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس، فتعود المريض وتساعد المحتاج، وتحمل الضعيف وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة، و تبادر دائمًا إلى الخيرات ،والدعاة ينبغي أن يحرصوا على الخدمات العامة ويخصصوا لها من أفرادهم وجهودهم ما يلائمها، فلابد أن يكونوا هم العاملين في الهيئات الإغاثية، ومشاركين في اللجان الخيرية، والمشاريع الصحية ونحو ذلك، ليكونوا أكثر صلة بالناس وأشد قربًا منهم، وليحوزوا من خلال الخدمة والعطاء استجابة المدعوين وتأثرهم، وإضافة إلى أنهم بذلك يبرزون صورة وعملية الشمولية وتكامل الإسلام، ولصدق وخيرية الدعاة، ولقد أشارت خديجة رضي الله عنها إلى أثر الخدمة العامة والعطاء الدائم عندما نزل الوحي، وقال الرسول الكريم ﷺ: لقد خشيت على نفسي، فقالت له: والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فيا سبحان الله، تأمل هذه الصورة المتنوعة من العطاء، وقد تحلى بها الرسول ﷺ قبل بعثته، فكيف إذن كان بعدها؟ 

الرابط المختصر :