; كلينتون في جولته «التاريخية».. إفريقيا من الاستعمار الأوروبي إلى الاستعمار الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان كلينتون في جولته «التاريخية».. إفريقيا من الاستعمار الأوروبي إلى الاستعمار الأمريكي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1295

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-أبريل-1998

▪ أوغندا تقوم بدور «إسرائيل» الإفريقية لمواجهة السودان وتنفيذ المخططات الأمريكية في منطقة البحيرات العظمى

▪ جنوب إفريقيا وحدها أعلنت صراحة اعتراضها على السياسات الأمريكية في إفريقيا

بعد عشرين سنة من زيارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر إلى كل من لاجوس ومنروفيا خلال شهر مارس ۱۹۷۸م، يقوم كلينتون بأول جولة له في إفريقيا زار خلالها ست دول إفريقية لمدة أحد عشر يومًا بداية من الاثنين 23 /3، ولهذه الزيارة أبعاد سياسية داخلية وأبعاد استراتيجية ذات علاقة بالتنافس الأمريكي- الأوروبي- الأسيوي على القارة السمراء التي تتهيأ للدخول في مرحلة جديدة من الاستعمار المقنع تمت الهيمنة الأمريكية في إطار ما يسمى بالعولمة وفرض القطبية الأحادية على شعوب تعيش مخاضًا قاسيًا من أجل الانعتاق من كل أشكال الهيمنة والتبعية، ومن أجل استعادة هويتها الثقافية والحضارية التي طمست بفعل الاستعمار القديم وأتباعه.

وتتزامن هذه الجولة الإفريقية مع صعوبات داخلية يعيشها الرئيس الأمريكي كلينتون وبخاصة فيما يتعلق بملف أو مسلسل الفضائح اللاأخلاقية والتي أفقدته جانبًا من الهالة السياسية على مستوى الرأي العام العالمي كرئيس لأقوى دولة في العالم، فتكون هذه الجولة نوعًا من تحويل الرأي العام عن مثل هذه القضايا المزعجة للصورة التي تريد أن تظهر بها السياسة الأمريكية.

وقد سبق أن استغلت الإدارة الأمريكية أزمة لجنة التفتيش الدولية في العراق لإدخال العالم في أجواء نفسية وسياسية متوترة عبر التهديد بإعلان حرب جديدة ضد العراق في قمة تفاعل أزمة «مونيكاجيت» اللا أخلاقية.

▪ اللوبي الإفريقي في أمريكا

لكن هذه الأزمة ليست سوى عامل ثانوي في الاهتمام الأمريكي بالقارة السمراء- الذي تزايد في السنوات الأخيرة-، ويمكن القول بأن «اللوبي الإفريقي» داخل أمريكا كثف نشاطه في اتجاه تفعيل الاهتمام الأمريكي بهذه القارة المهمشة، وتعتبر الأقلية السوداء في أمريكا ذات وزن كبير على المستوى السياسي، حيث وقفت في المحطات الانتخابية إلى جانب الديمقراطيين وصوتت لهم وقامت بتأييد الرئيس كلينتون في حملته للانتخابات الرئاسية، وفي المقابل يبدي هذا الأخير اهتمامًا خاصًا بهذه الجالية الضخمة التي بدأ السياسيون يعملون لها ألف حساب، ويحاولون الاقتراب من مشاغلها من أجل كسب أصواتها ومواقفها، وتكفي الإشارة إلى بروز رموز سياسية من داخل هذه الجالية وإلى المظاهرة المليونية التي نادت إلى تنظيمها « أمة الإسلام» بقيادة لويس فرخان.

وفي زيارة كلينتون إلى إفريقيا نوع من الاعتراف بجميل هؤلاء السود واعتذار عن حقبة الرق التي بقيت آثارها السلبية إلى اليوم.

وفي هذا الإطار، يتضمن برنامج جولة كلينتون الإفريقية زيارة إلى قلعة جزيرة جوري السنغالية التي شهدت ترحيل ملايين من الأفارقة عبر المحيط الأطلسي ليباعوا كعبيد، وكانت هیلاري قد زارت هذه القلعة المعروفة باسم بوابة اللا عودة خلال مارس الماضي هي وابنتها وفي هذا السلوك رغبة مصالحة تاريخية مع السود في أمريكا.

واللوبي الإفريقي له وجوهه المعروفة في أمريكا مثل فرنسون جوردون- الصديق الشخصي لكلينتون- وقد حرص جوردون على حضور «منتدى أديس» للاستثمار والتجارة في إفريقيا الذي عقد يومي ۸ و۹ مارس بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

وقال خلال هذا المنتدى: «إذا كانت دول آسيا حققت في الثمانينيات نهضة اقتصادية جعلت منها نمورًا اقتصادية فنحن نتطلع إلى بروز الأسود الإفريقية في القرن الحادي والعشرين».

ويتزامن الاهتمام الأمريكي المتصاعد بإفريقيا بديناميكية إفريقية داخلية لبناء أسس نهضة سياسية واقتصادية جديدة تقوم على تقديم الأولويات للحلول الإفريقية للقارة، ويدخل منتدى أديس لجلب الاستثمارات واجتماع كمبالا عاصمة «أوغندا» من قبله في الإطار نفسه، وقد أشار كماليستو مادافو -نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة إفريقيا- إلى أن ناتج القارة الإفريقية تجاوز منذ ثلاث سنوات نسبة 4% فيما بلغ النمو السكاني حدود 3 % وذلك للمرة الأولى منذ جيل.

أما على الصعيد السياسي، فتوجد مؤشرات لصحوة سياسية تقوم على مشاريع ويأخذ بعضها الصفة الحضارية حسب «واضعيها»، وتكونت نويات المراكز قوى تعبر عن استقلالية غير مطمئنة للقوى الكبرى التي تريد الحفاظ على مصالحها في إفريقيا وخارجها، وقد برزت في السنوات الأخيرة تجارب سياسية في كل من جنوب إفريقيا والسودان على سبيل المثال لها خصوصياتها المنطلقة من الواقع الثقافي والحضاري والتي ولدت فيه، ومثل هذه التجارب قابلة للاتساع في ظل موجة التحرر التي هبت على أفريقيا منذ سنوات.

فالمؤشرات الدالة على بداية نهضة اقتصادية وسياسية في القارة السمراء لا يمكن أن تغفل عنها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة التي تعمل على فرض نمط اقتصاد السوق في إطار ما يسمى بالعولمة، وكان لا بد من التفكير في زيارة الرئيس الأمريكي لهذه القارة لتجسيد الاهتمام الأمريكي، وتكريس العلاقات مع دول عديدة وهذا ما دعت إليه الجمعية الأمريكية بمدينة نيويورك في اجتماعها يوم ١٣ مارس من العام الماضي للتداول حول اهتمامات ومصالح الولايات المتحدة في إفريقيا.

▪ استهداف السودان

ومن الملاحظ أن كلينتون اختار بلدانًا من جنوب الصحراء أي أنه لم يدخل في برنامج زيارته إحدى دول شمال إفريقيا، وهذا يمثل في حد ذاته توجهًا للسياسة الأمريكية الجديدة التي تريد التركيز على منطقة البحيرات الكبرى والتي تمثل حزامًا أمام انتشار التأثير العربي- الإسلامي في وسط وجنوب إفريقيا، كما تركز على دولة جنوب إفريقيا ذات الحجم والوزن الكبيرين كقوة صامدة في القارة، أما السنغال فهي البلد المسلم الإفريقي الذي يقع جنوب الشمال الإفريقي العربي وهي أحد الأقطاب الإفريقية الواعدة وأحد المراكز الأساسية للفرانكفونية في القارة الإفريقية.

وخلال زيارته إلى غانا ألقى كلينتون خطابًا في ساحة الاستقلال تحدث فيه عن شراكة جديدة مع إفريقيا وقال في خطابه أن الأوان لوضع إفريقيا جديدة على خريطتنا «إنه ينبغي الدفاع عن الديمقراطية، وكان ينبغي القيام بهذه الزيارة منذ زمن طويل»، وأضاف حلمي أن يتذكر أحفادكم وأحفادي بعد مرور قرن بأن ذلك شكل انطلاقة لنهضة إفريقية، ومن غانا انتقل إلى أوغندا، وهذه المحطة لها أهمية استراتيجية باعتبار ما تحتله من أهمية مواجهة النظام السوداني.

إن تعزيز العلاقات الأمريكية بدول منطقة البحيرات الكبرى والقرن الإفريقي يدخل في استراتيجية محاصرة السودان، بل والسعي لتدمير كيانه عبر تقسيمه، فلا غرابة أن تتحدث الأوساط السودانية عن مؤامرة» وراء جولة كلينتون الإفريقية، الأمر الذي يفسر الإجراءات الأمنية المشددة في كمبالا عاصمة أوغندا وحراسة رئيسها موسيفيني من طرف وكالة المخابرات الأمريكية، وتحولت أوغندا إلى (إسرائيل) الإفريقية وقد حضر كلينتون خلال زيارته إلى هذا البلد قمة إقليمية لرؤساء أفارقة لبلدان تحيط بالسودان، وتناولت القمة ثلاثة مواضيع رئيسية السودان والأمن في منطقة البحيرات والإصلاحات الاقتصادية، وفيما يتعلق بالسودان هناك تأكيد من طرف كلينتون لتصريحات وزيرة خارجيته مادلين أولبرايت خلال زيارتها لكمبالا العام الماضي الداعية للإطاحة بنظام البشير سلمًا أو بالقوة، وتحدثت أنباء واردة من أوغندا عن لقاءات بين مسؤولين أمريكيين في الطاقم المصاحب لكلينتون وجون جارانج قائد التمرد ضد السودان الذي سيستفيد من المساعدات العسكرية الأمريكية للبلدان المجاورة للسودان والحاضرة في قمة كمبالا وذلك بشكل مباشر أو عن طريق الكيان الذي سيتم تشكيله تحت اسم القوات الإفريقية لحفظ السلام في القارة بدعم من أمريكا وفرنسا وبريطانيا حسبما جاء في المبادرة التي تقدمت بها هذه البلدان الثلاثة في القمة الإفريقية في هراري العام الماضي، بل والتي سعت إلى تنفيذها قبل موافقة منظمة الوحدة الإفريقية عليها.

أما فيما يتعلق بملف الأمن في منطقة البحيرات الكبرى، فهناك رغبة لدى واشنطن بإزالة الفضيحة التي تلاحقها مثل بلدان غربية أخرى بالبقاء في موقع المتفرج، بل المشعل لنار الفتنة في المجازر التي حصلت في رواندا عام ١٩٩٤م، ولأسباب أمنية تضمن برنامج جولة كلينتون الإفريقية زيارة إلى رواندا لساعات دون الخروج من مطار كيغالي للبروز بمظهر المهتم بشؤون هذا البلد الذي شهد أكبر مجزرة عرفها العالم في نهاية القرن العشرين.

▪ الاستثمار ومنافسة أوروبا وآسيا

وأما الملف الاقتصادي، فهو من الأبعاد الأساسية في جولة كلينتون، فإفريقيا تضم ۷۰۰ مليون نسمة في ٥٧ دولة، والثروات البشرية والطبيعية الإفريقية كانت دائمًا محل أطماع القوى الخارجية وكان الكونجرس الأمريكي قد أقر في الحادي عشر من مارس الماضي قانونًا يهدف إلى توسيع الشراكة الاقتصادية مع إفريقيا وإلغاء الرسوم الجمركية على المنتوجات الإفريقية.

كان كلينتون خلال زيارته إلى إفريقيا داعية لتعاون اقتصادي ولفتح الباب أمام الاستثمارات الأمريكية، وقد صحبه وقد يضم ۸۰۰ شخص منهم عدد كبير من رجال الأعمال، وصرح مسؤول أمريكي بأن الهدف الرئيسي من الجولة هو أن يعرف كلينتون من الرؤساء الأفارقة نظرتهم للمستقبل والتي تشمل تصورهم للتنمية الاقتصادية والنمو وتصور كيفية معالجتهم للصراعات والمجازر الفعلية وسط إفريقيا، وبالطبع، فإن مثل هذه التصريحات تخفي الأهداف الحقيقية في المجال الاقتصادي الاستثماري في قارة واعدة، وفرض نمط العولمة القائم على اقتصاد السوق من أجل الحفاظ على المصالح الأمريكية في ظل منافسة متصاعدة.

وقد ورد في تقرير أمريكي حول نمو فرص الاستثمار في إفريقيا أن الولايات المتحدة مقصرة في الاهتمام بقارة شاسعة مثل إفريقيا تضم 10% من سكان العالم وثروة طبيعية لم يتم استغلالها بعد بالشكل المطلوب، وتحدث التقرير عن العلاقات التجارية الأمريكية- الإفريقية فأكد أن المبادلات التجارية بين الطرفين لا تتجاوز نسبة 6.7% وتتقدمها بذلك اليابان 7.2% ثم الاتحاد الأوروبي 30% أما على مستوى الاستثمارات الأجنبية في إفريقيا فإن فرنسا وبريطانيا احتكرتا 60% منها منذ مطلع التسعينيات.

وتأتي هذه الجولة ليس من باب تدارك النقص والتقصير في التعامل التجاري بين الولايات المتحدة وبلدان إفريقيا فحسب، وإنما تجاوز هذا السقف ومنافسة الأطراف الغربية الأخرى، وهذا الزحف الأمريكي نحو قارة ذات ديناميكية داخلية سريعة هو شكل جديد من الاستعمار، والمحتل الجديد يتحدث بخطاب حقوق الإنسان والديمقراطية والشراكة التي تعني الندية في التعامل.

ولكن مثل هذا الخطاب ومثل هذه السياسات الملتوية لم تعد تنطلي خلفياتها الاستعمارية على شعوب القارة، ولعل محطة جنوب إفريقيا تمثل دليلًا على مؤشرات النهضة من أجل الانعتاق من ربقة الهيمنة البيضاء على القارة السمراء التي عانت وما زالت تعاني من الاستعمار الخفي.

ففي الوقت الذي حرص كلينتون على التعبير عن أمله في أن تكون جنوب إفريقيا الشريك الأول لواشنطن في إفريقيا، عبر رئيس جنوب إفريقيا بكل وضوح عن رغبته في بقاء إفريقيا بعيدة عن الوصاية الأمريكية وهيمنة القوى الخارجية، كما عبر نائبة رئيس جنوب إفريقيا عن تحفظه على القانون الأمريكي الهادف إلى تطوير العلاقات الاقتصادية الأمريكية مع القارة الإفريقية وانتقد منطق الليبرالية التجارية التي تنادي به واشنطن واعتبره غير مناسب ومجحف بالنسبة للدول الفقيرة المرتبطة بالمساعدات الخارجية.

▪ صراع الكبار على النفوذ في القارة السوداء

▪ مخاوف مصرية- سودانية من جولة كلينتون لإفريقيا وتقارب بين البلدين لمواجهة التهديدات المتوقعة

ليست فرنسا وحدها التي تشعر بالقلق إزاء الاندفاعة الأمريكية النشطة نحو القارة الإفريقية، فالسودان ومصر لديهما القدر نفسه من القلق والمخاوف المبررة والواقعية، وقد أشارت مصادر سياسية إلى أن الرئيس السوداني عمر البشير وجه خلال الأيام الماضية رسالة إلى الرئيس المصري حسني مبارك تناول فيها قلق السودان من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة نحو إفريقيا، والتي رأى أنها تستهدف مصر والسودان أمنيًا واقتصاديًا.

وإذا كانت فرنسا- التي يرى الكثيرون أنها المتضرر الأكبر من الاندفاعة الأمريكية نحو القارة السمراء الغنية- قد أثرت إخفاء مخاوفها من محاولات الاختراق الأمريكي لمنطقة كانت فيما مضى حكرًا على النفوذ الفرنسي سياسيًا واقتصاديًا، فإن كلًا من مصر والسودان تعاملت بصورة مختلفة.

فقد أكد مسؤولون في الخارجية المصرية أن القاهرة تتابع عن كثب وباهتمام بالغ جولة كلينتون في القارة الإفريقية، وأنها تدرك الأبعاد الحقيقية التي تقف وراء هذه التحركات.

وأضافت هذه المصادر أن مصر بدأت تحركًا دبلوماسيًا مضادًا سبق جولة كلينتون، حيث قام وزير الخارجية عمرو موسى قبل أيام من وصول كلينتون لإفريقيا، بزيارة سبع دول إفريقية الجولة جاءت بهدف تفعيل وتعزيز العلاقات المصرية مع دول القارة والسعي لمواجهة التدخلات الخارجية في الشؤون الإفريقية، وأشارت المصادر إلى أن التحرك المصري جاء بعد وصول معلومات فرنسية حول خطط أمريكا للتدخل في إعادة ترتيب الأوضاع في القارة.

▪ شعور مشترك بالخطر

وعلى صعيد آخر، فسره كثير من المراقبين على أنه شعور مشترك بالخطر الذي يتهدد البلدين تشهد العلاقات المصرية- السودانية تحركات نشطة لإعادة الدفء وإزالة أسباب التوتر.

وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان، أشار إلى أن هناك قوى لها مصلحة في عدم. استقرار العلاقات بين مصر والسودان، لأن وجود علاقات مستقرة بين البلدين من شأنه أن يخدم أمن السودان ومصر والأمن القومي العربي، وهو ما لا تريده بعض القوى الإقليمية والدولية التي تستهدف تخريب العلاقة بين البلدين، وأضاف عثمان أن مصر والسودان توصلنا إلى قناعة بأن هناك من يستهدف وحدة السودان وأمنه وأمن المنطقة ككل، وكانت تصريحات وزير الخارجية السوداني هذه قد وردت خلال زيارته لمصر، والتي تزامنت مع جولة كلينتون في إفريقيا.

المخاوف السودانية من جولة كلينتون في المنطقة تنبع من النوايا الأمريكية المعلنة بالعمل ضد التوجه الإسلامي الذي يتبناه النظام السوداني والذي تشعر الإدارة الأمريكية نحوه بكثير من القلق والخشية من أن يتوسع ويشكل خطرًا مستقبليًا في المنطقة الإفريقية، وكان السودان قد اتهم الإدارة الأمريكية بدعم وتحريض الدول المجاورة على تهديد الأمن السوداني، وكذلك بدعم الانفصاليين الجنوبيين بزعامة جون جارانج وبخاصة وأن وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أعلنت صراحة في وقت سابق خلال زيارتها لأوغندا، عزم الإدارة الأمريكية على دعم جون جارانج وإسقاط النظام السوداني، سواء كان ذلك بالوسائل السلمية أم العسكرية.

وتقول المصادر السياسية السودانية إن الإدارة الأمريكية باتت تعتمد أوغندا كنقطة ارتكاز في سياستها العدوانية ضد السودان، وهو ما دفعها لإيلاء أهمية أكبر المحطة أوغندا في جولة كلينتون وتقول هذه المصادر إن يوري موسيفيني رئيس أوغندا أبدى حماسًا لتنفيذ السياسات الأمريكية في منطقة البحيرات العظمى، وترى أنه لعب الدور الرئيسي في تمكين الأقلية التونسية التي تتمتع بعلاقات قوية مع واشنطن من السيطرة على الحكم في رواندا ويوروندي وزائير بدعم من المخابرات الأمريكية، وقد أعلن موسيفيني أنه يدعم حركة جون جارانج في سعيها للانفصال بجنوب السودان وتأسيس دولة خاصة عاصمتها جوبا، وكانت الإدارة الأمريكية قد قامت بإرسال خبراء ووفود عسكرية لعدد من الدول الإفريقية، في مقدمتها أوغندا، من أجل تدريب قوات هذه الدول وتشكيل نواة لقوة تدخل سريع في المنطقة الإفريقية لفض المنازعات، وربما اعتبرت مصر الفكرة الأمريكية التشكيل قوة التدخل السريع محاولة لبسط النفوذ الأمريكي في إفريقيا ومحاصرة النفوذ المصري والسوداني في القارة وتهديد الأمن المصري السوداني، سواء كان ذلك من خلال تشكيل قوى إقليمية عسكرية معادية، أو استغلال ورقة المياه في الضغط على مصر والسودان، حيث تسيطر على منابع النيل دول إفريقية لا تخفي عداءها للوجود العربي الإسلامي في إفريقيا، وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسات أمريكية تشرف على تنفيذ عدة مشاريع تقيمها إثيوبيا على منابع نهر النيل.

وعودة إلى الصراع الأمريكي- الفرنسي على النفوذ في إفريقيا، فقد رجحت الأوساط السياسية المتابعة شعور فرنسا بالكثير من عدم الارتياح الدخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة نفوذها في إفريقيا، وبخاصة أن ٨٠٪ من الاستثمارات في إفريقيا فرنسية بعض المراقبين عزا مشاعر عدم القلق التي حاولت فرنسا إبداءها إزاء جولة كلينتون في إفريقيا إلى عدم رغبتها بالظهور بمظهر الضعيف الخائف من التحرك الأمريكي الذي بدا قبل سنوات من جولة كلينتون التي سعت الإدارة الأمريكية إلى إحاطتها بكثير من البهرجة الإعلامية المفتعلة، بل إن تصريحات كلينتون نفسه في عواصم الدول الإفريقية التي زارها (غانا، أوغندا، رواندا، جنوب إفريقيا بوتسوانا والسنغال) هدفت إلى إعطاء أبعاد كبيرة من الاهتمام بالجولة.

وقد جاء اصطحاب كلينتون لنصف أعضاء إدارته وعدة مئات من الاقتصاديين والصحفيين والحرس الخاص لإضفاء أجواء خاصة على الجولة ولا يمكن بالطبع إغفال أهمية الجانب الاقتصادي في جولة كلينتون، وإن كان مراقبون قد رأوا أنه يأتي في المقام الثاني بعد الاعتبار السياسي.

وفي تحرك موازٍ حمل الكثير من الدلالات، كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك في موسكو يسعى لإنشاء نوع من التحالف الجديد بين فرنسا وروسيا وألمانيا، في محاولة على ما يبدو لتشكيل قوة ذات وزن في مواجهة توسيع النفوذ الأمريكي في إفريقيا، وكانت الأجواء قد توترت بين فرنسا والولايات المتحدة عقب تصريحات استفزازية أطلقها قبل عامين وزير الخارجية الأمريكي السابق وارن كريستوفر، أكد فيها أن الولايات المتحدة راغبة بالتدخل في كل الدول الإفريقية، وكما يبدو فإن صراع الكبار على النفوذ في مناطق العالم الثالث مرشح للتصاعد خلال السنوات القادمة، وإن كانت لم تظهر حتى اللحظة مؤشرات قوية على تراجع الانفراد الأمريكي في رسم الكثير من معالم الخارطة الدولية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل