العنوان مشاهداتي في كوبا.... اشتراكية كوبا.. قوامها الجنس والخمر والموسيقى
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 10-فبراير-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1738
نشر في الصفحة 30
السبت 10-فبراير-2007
فشل كاسترو في بلورة مشروع مجتمع متكامل.. فالفقر مدقع والتميز الطبقي واقع والبعد الإيماني منعدم
على الرغم من قرب المسافة بين هافانا وأمريكا إلا أنها ظلت في وحل الاشتراكية وبمنأى عن الأمركة
كانت رحلة طويلة للغاية بين العاصمة الإسبانية مدريد والعاصمة الكوبية هافانا عبر الخطوط الإسبانية إيبريا التي تحتكر الرحلات إلى كوبا من أوروبا، وكأن هذا الاحتكار هو امتداد للاستعمار الإسباني للعديد من الدول اللاتينية، ومثلما ترك الاستعمار الفرنسي أقوى البصمات الثقافية واللغوية على العديد من الدول الإفريقية التي كان جاثمًا على صدرها، فإن الاستعمار الإسباني صاغ منحنيات اللغة وتضاريس الثقافة في أمريكا الجنوبية التي باتت جزءًا من المنظومة الثقافية الإسبانية. وعلى الرغم من أن بين كوبا وإسبانيا المحيط الأطلسي، إلا أن التأثير الثقافي لم تحد تموجاته الأمواج المتلاطمة في المحيط الأطلسي.
قبل قيامي برحلة صحفية إلى هافانا كان يتملكني فضول الصحفي للتعرف على كوبا. كنت مصرًا على الغوص في تفاصيل الجغرافيا القريبة قيد بحر من الولايات المتحدة الأمريكية ولكنها ظلت في وحل الاشتراكية وبمنأى عن الأمركة والرأسمالية وفكر آدم سميت، وكثيرًا ما كان الجيوبوليتيكيون يقولون إن الأيديولوجيا تؤثر على الجغرافيا القريبة.
وعندما كنت أقوم بجولة في شوارع هافانا قال لي السائق الكوبي باللغة الإسبانية إن الكوبيين الذين فروا بالزوارق إلى شواطئ فلوريدا الأمريكية عبروا من هذا الشاطئ فأدركت كم هي المسافة قريبة بين أمريكا وكوبا، غير أن هافانا لم تتأثر برأسمالية أمريكا ولا بالثقافة الأمريكية. ورغم مئات الإذاعات الموجهة إلى كوبا فقد ظلت كوبا كاسترو على اشتراكيتها ويساريتها. ولم يؤثر سقوط الدب الأحمر الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق على كوبا التي ظل فكر لينين وستالين وغيفارا وسيمون دي بوليفار الثائر الأمريكي الجنوبي معششًا فيها حتى اليوم!
كل شيء في كوبا يذكر بالحقب الاشتراكية والزمن الأحمر حيث التواضع في البناء والمكان، وكان واضحًا للعيان أن مطار هافانا الدولي مطار اشتراكي من الدرجة الأولى، فلا يرقى هذا المطار إلى مستوى المطارات العالمية بل كان متواضعًا بسيطًا. كل شيء في هافانا يذكرك بالتاريخ أو بالقدم، وكأن قطار كوبا الزمني لم يتحرك إلى الأمام، فالسيارات من عهد الستينيات والبنايات مازالت على قدمها. وأغلب الناس في كوبا حفاة أو أشباه حفاة. لقد اتضح أن فيدل كاسترو حاكم كوبا المريض لم يقدم للناس سوى التنظير ودروس الاشتراكية والمساواة، وكانت أغلب الفنادق متواضعة وفقيرة وقد تفتقد إلى الماء، والبغاء منتشر في الشوارع والأزقة والفنادق، فأدركت ساعتها أن اشتراكية فيدل كاسترو الخالية من أي بعد روحي قوامها ثلاثة أبعاد الجنس والخمر والموسيقى.
لقد كان الشباب الكوبي متلهفًا على الجنس وهي البضاعة التي يقبل على شرائها السائحون الغربيون في كوبا، فالفقر المدقع وارتفاع درجة الحرارة وغياب البعد الإيماني والروحي أفضى إلى انتشار الدعارة، والشباب الكوبي يقبل على الخمر إلى حد الثمالة، وقلما يصادف الإنسان شخصًا مستيقظًا، في ليالي هافانا، فالموسيقى الصاخبة وموسيقى التانغو الممزوجة بالعهر والخمر تكاد تكون سمة فارقة لهافانا التي تنام دائمًا عليهم.
إلحاد كاسترو
ويعتبر كاسترو نفسه ملحدًا ولم يمارس الطقوس الدينية المسيحية منذ نعومة أظافره وقد أقصته البابوية في الفاتيكان عن المذهب الكاثوليكي في ٣ يناير ١٩٦٢ لارتداد كاسترو عن الكاثوليكية. وقد تحسنت علاقة كاسترو بالبابوية في مطلع التسعينيات من القرن العشرين عندما أعطى شيئًا من الحرية للممارسات الدينية في كوبا، بل ولم يمانع في انضمام الكاثوليك إلى الحزب الكوبي الشيوعي.
والفراغ الروحي بين للغاية في شوارع هافانا، حيث لم تتمكن شيوعية فيدل كاسترو من بلورة مشروع مجتمع متكامل، فالفقر عارم، فيما الطبقة الحاكمة والمقربون من فيدل كاسترو ينعمون بامتيازات كبيرة للغاية لكن من هو فيدل كاسترو الذي تعتبره أمريكا العدو اللدود لها؟
ترعرع فيدل كاسترو في كنف والديه المهاجرين من إسبانيا والذين يعدون من المزارعين الأثرياء، وقد تلقى تعليمه في المدرسة التحضيرية، وفي عام ١٩٤٥ التحق بجامعة هافانا، حيث درس القانون وتخرج منها عام ١٩٥٠ ثم عمل كمحام في مكتب محاماة صغير، وكان لديه طموح في الوصول إلى البرلمان الكوبي، إلا إن الانقلاب الذي قاده فولغينسيو باتيستا عمل على إلغاء الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها. وكردة فعل احتجاجية، شكل كاسترو قوة قتالية وهاجم إحدى الثكنات العسكرية وأسفر هذا الهجوم عن سقوط ۸۰ من أتباعه وإلقاء القبض على كاسترو، وقد حكمت المحكمة عليه بالسجن ١٥ عامًا وأطلق سراحه في عفو عام في مايو ۱۹۵۵ واختفى بعدها في المنفى بين المكسيك والولايات المتحدة.
وأبحر كاسترو ورفاقه من المكسيك إلى كوبا وسميت مجموعته بحركة الـ ٢٦ يوليو وأعرب كاسترو عن تبنيه فكر الرئيس الأمريكي توماس جيفيرسون والرئيس إبراهام لينكولن فيما يتعلق بنظام العمل ورأس المال ورفضه لتأميم أي من الصناعات المحلية.
حرب العصابات
تحرك كاسترو عسكريًا مع حفنة من الرجال في ٢ ديسمبر ١٩٥٦ واستطاع ١٢ من مجموع الـ ٨٠ رجل الانسحاب إلى الجبال وعمل على ترتيب صفوفه وشن حرب عصابات من الجبال على الحكومة الكوبية. وبتأييد شعبي وانضمام رجال القوات المسلحة الكوبية إلى صفوفه استطاع أن يشكل ضغطًا على حكومة هافانا، مما اضطر رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى الهرب من العاصمة في ١ يناير ١٩٥٩ واستحوذ كاسترو وأعوانه على العاصمة هافانا.
وقد سارعت الولايات المتحدة بالاعتراف بالحكومة الكوبية الجديدة وكان كاسترو رئيسًا للحكومة آنذاك، ولكن ما لبثت أن بدأت العلاقات الأمريكية الكوبية بالتدهور عندما قامت كوبا بتأميم الشركات الأمريكية وتحديدًا، شركة «الفواكه المتحدة». وفي أبريل من ١٩٥٩ زار الرئيس كاسترو الولايات المتحدة والتقى مع نائب الرئيس ريتشارد نيكسون وتذرع الرئيس الأمريكي -لعدم استطاعته اللقاء مع كاسترو -بارتباطه بلعبة الجولف، وقد طلب الرئيس الأمريكي من نائبه التحقق من انتماء كاسترو السياسي ومدى ميوله الجانب المعسكر الشرقي، وخلص نائب الرئيس نيكسون إلى أن كاسترو شخص بسيط وليس بالضرورة يميل إلى الشيوعية. وفي فبراير عام ١٩٦٠ اشترت كويا النقط من الاتحاد السوفييتي ورفضت الولايات المتحدة المالكة لمصافي تكرير النفط في كوبا التعامل مع النفط السوفييتي فقام كاسترو بتأميم المصافي الأمريكية، مما جعل العلاقات الأمريكية الكوبية في أسوأ حال ونتيجة القطيعة الأمريكية اتجه كاسترو صوب الاتحاد السوفييتي، ووقع على شتى أنواع المعاهدات مع الاتحاد السوفييتي وبدأت المساعدات المالية واللوجستية السوفييتية تنهال على كوبا.
واستنادًا إلى مذكرات الرئيس السوفييتي خوروشوف فقد رأي الاتحاد السوفييتي أن يقوم على نشر صواريخ بالستية لتحول دون محاولة الولايات المتحدة غزو جزيرة كوبا. وفي ١٥ أكتوبر ١٩٦٢ اكتشفت طائرات التجسس الأمريكية منصات الصواريخ السوفييتية في كوبا، ورأت تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة نتيجة المسافة القصيرة التي تفصل بين كويا والولايات المتحدة «۹۰ ميلًا» وقامت عندها البحرية الأمريكية بتشكيل خط بحري يعمل على تفتيش السفن المتجهة إلى كوبا.
حرب الخنازير
ومنذ ما يعرف بحرب الخنازير مازال العداء سيد الموقف بين واشنطن وكوبا، وقد اعترف ضباط سابقون في المخابرات الأمريكية في مذكراتهم بأنهم خططوا وحاولوا اغتيال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو العقائدي إلى النخاع ولكنهم لم ينجحوا في ذلك، وتراقب الإدارة الأمريكية عن كتب التطورات المتعلقة بصحة الرئيس الكوبي وتعتبر أن خروجه من المشهد السياسي الكوبي عن طريق الموت الطبيعي سيمكن أمريكا من وضع يدها على كوبا ونشر «الدمقرطة» فيها بتعبير بعض الرسميين الأمريكيين، ويراهن الخبراء الأمريكيون على أن موت فيدل كاسترو سيؤدي إلى انتهاء الشيوعية في كوبا : باعتبار أن المعادلة السياسية في كوبا تقول إن فيدل كاسترو هو النظام السياسي في كوبا والنظام السياسي هو فيدل كاسترو، ولذلك تترقب تطورات المشهد السياسي الكوبي بعد كاسترو علها تعوض في كوبا ما فقدته في فنزويلا ونظيراتها الثائرات على الأمركة الزاحفة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل