العنوان كيسنجر والمسألة البوسنية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993
مشاهدات 88
نشر في العدد 1054
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 22-يونيو-1993
رؤية كيسنجر لحرب البوسنة
واشنطن- المجتمع
يرى كيسنجر أن الحرب الدائرة
في البوسنة والهرسك هي حرب أهلية، ولا تنطوي على تهديد للأمن القومي الأمريكي إذا
تمت محاصرتها في نطاق البوسنة، ومنع انتشارها لمناطق البلقان الأخرى. ومن هنا فلا
يرى كيسنجر أن هناك أي مبرر قوي للولايات المتحدة بأن تتدخل عسكريًا لغرض حل سياسي
معين في القتال الدائر، لكن هنري كيسنجر يذهب في رأيه لأبعد من ذلك، حيث يرد على
القائلين بأن المذابح التي ترتكب في البوسنة ينبغي إيقافها عن طريق التدخل العسكري
الغربي.
يقول كيسنجر في جريدة التايمز في عدد 17 مايو 93 إن وحشية الحرب
الدائرة الآن لا يمكن مقارنتها بمذابح النازيين لليهود، حيث حاول الألمان القضاء
على أقلية مسالمة لأسباب عنصرية. أما البوسنة فهي حرب أهلية تأتي في مجتمع تمزقه
العداوة العرقية منذ مئات السنين، فالكروات والصربيون والمسلمون لم يعيشوا بسلام
إلا في ظل حكم أجنبي، أو تحت حراب الشيوعية في أيام يوغسلافيا. وما عدا ذلك فليس
للبوسنة- برأي كيسنجر- هوية ثقافية مميزة.
فهناك الكروات الكاثوليك وهناك الصرب التابعون لكنيسة الروم
الأرثوذكس، وهناك كذلك المسلمون وهم عرق سلافي تحول من المسيحية للإسلام أيام
الحكم التركي، وبذلك يراهم المسيحيون في المنطقة على أنهم شيوعيون بدلوا جلودهم.
اعتراضات كيسنجر على التدخل الدولي
يرى كيسنجر أن أكبر خطأ ارتكبه المجتمع الدولي، هو عندما تسرع
بالاعتراف بدولة البوسنة وهي- برأي كيسنجر- لا تملك مقومات الدولة، ومع أن كيسنجر
لا يرى أن هناك مصلحة أمريكية في التدخل لإنقاذ الدولة ذات الأغلبية المسلمة، إلا
أنه يرى أن هناك مصلحة أمريكية في وقف انتشار الحرب، وذلك أولًا بوقف إطلاق النار
على الخطوط القائمة حاليًا، ثم البدء بمفاوضات لحل النزاع سلميًا.
والحل السلمي برأي كيسنجر لن يتحقق إذا ما افترض أن خطة فانس- أوين
التي لقيت قبولًا لدى الدول الغربية منذ بداية عملها- وذلك لأنها مرفوضة من قبل
جميع أطراف النزاع، وأولهم كان المسلمون، ويرى كيسنجر أن المسلمين لم يقبلوا
بالخطة مؤخرًا إيمانًا بها، ولكن لكي يضمنوا التأييد الأمريكي لهم في معركتهم ضد
الصرب، ومن هنا فلا يرى هناك من مصلحة للتمسك بخطة فانس- أوين، بل لا يرى كيسنجر
أي داع أصلًا للتمسك بدولة موحدة للبوسنة والهرسك.
مخاطر التدخل العسكري الأمريكي
ومن هنا فيرى كيسنجر أنه حتى ولو فرض أن التدخل العسكري أمر لا بد منه
فينبغي ألا يهدف لأكثر من فرض لوقف إطلاق النار على الحدود القائمة على الأرض
حاليًا. ويذهب كيسنجر للقول بأن أي هدف يتعدى ذلك سيعني الدخول الأمريكي كطرف في
الحرب، ويجر لوضع شبيه بفيتنام، حيث تورط الأمريكان في حرب لم يستطيعوا الخروج
منها إلا بعد كلفة بشرية وعسكرية وسياسية فائقة. ويرى كيسنجر خطرًا محدقًا من وقوف
أمريكا لجانب المسلمين، لأن معنى ذلك أن تقف روسيا إلى جانب إخوتها في الدين
الصربيين.
الحل النهائي المقترح
وأخيرًا يضع كيسنجر خطوطًا لحل نهائي مقترح قد يلقى آذانًا صاغية عند
الأطراف المتنازعة إذا ما تم وقف إطلاق النار، ويتضمن هذا الحل إقامة دولة صغيرة
للمسلمين «ويحتمل أن يمنحوا فيها ممرًا للبحر» والسماح للكروات والصرب بالانضمام
إلى أقطارهم الأم كرواتيا وصربيا، ويعلق كيسنجر على هذه الفكرة، مستبقًا أي انتقاد
لها فيقول: هذا التصور قد يراه البعض على أنه يكافئ العدوان لكن لا يمكن دفع
الصربيين والكروات ليعيشوا تحت دولة واحدة مع المسلمين إلا بقوة عظمى خارجيةـ وإذا
تم فرض مثل هذه الدولة فلن يمر وقت طويل قبل أن يعود الصربيون والكروات للقتال من
أجل أن يحكموا أنفسهم ذاتيًا.
ولذلك إذا ما أصررنا «الأمريكان» على بوسنة واحدة فسنقع في فخ حرب
أهلية بشعة متصاعدة بشكل لا يمكن التنبؤ به.