; كيسنجر يعود إلى دائرة الأحداث | مجلة المجتمع

العنوان كيسنجر يعود إلى دائرة الأحداث

الكاتب عبد الحق بوقلقول

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 904

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 14-فبراير-1989

· كيسنجر: الاستشارات السياسية يشكل كثير من زعماء العالم بعض زبائنها.

· كيسنجر: لا بد من تجويع الفلسطينيين حتى يصبحوا أكثر استعدادًا لقبول وضعهم النهائي وحتى يمكنهم قبول تسوية واعتراف بإسرائيل.

· يجب أن تتحول المناطق التي ستتنازل عنها إسرائيل إلى مناطق منزوعة السلاح وأن تشارك إسرائيل في إجراءات مراقبتها.

بعد أن ترك منصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة افتتح كيسنجر مؤسسة استشارية هي أشهر مؤسسة من نوعها في العالم.. تقوم هذه المؤسسة بتحليل المخاطر السياسية التي قد تتعرض لها الاستثمارات على المستوى الدولي، وتبلغ قيمة الاستشارة الواحدة ربع مليون دولار، ويضاف إلى الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسة «الاستشارات السياسية التي يشكل كثير من زعماء العالم بعض زبائنها». ما زال كيسنجر- رغم تركه المنصب الرسمي- يتمتع بامتيازات رؤساء الدول في الخارج محاطًا بحرسه الخاص ومظاهر السلطة، أما في داخل الولايات المتحدة فهو وزير الخارجية الوحيد الذي له خط مباشر مع المكتب الرئاسي حتى بعد مغادرته منصبه.

تعتبر المؤسسة التي يديرها كيسنجر مدرسة سمسرة على المستوى الدولي. يقول رئيس مجلس إدارة فيات«إن ما يقدمه لنا كيسنجر لا يقتصر على التحليل الجيوبوليتيكي «السياسي الجغرافي» وإنما يساعدنا على الاتصال المباشر بكبار المسؤولين في الحكومات حول العالم، أي إن كيسنجر يوظف بعض خبراته السياسية مقابل عوائد مالية ضخمة، وفي نفس الوقت كان يعد تلامذته في تلك المدرسة للانقضاض على الإدارة الأمريكية واحتلال المناصب الحساسة والمؤثرة فيها، وذلك عندما تشعر الصهيونية العالمية أنها في أزمة سياسية كما هو الحال الآن في إسرائيل، حيث تتعرض كل الأسس الصهيونية التي وضعها كيسنجر حول قضية الشرق الأوسط للخطر.

لا شك أن كيسنجر نجح في تدشين الإدارة الأمريكية الجديدة وتزويدها بأول دفعة من خريجي مدرسته المعروفين بتأييدهم القوى لإسرائيل، وكان أسعد الناس بهؤلاء التلاميذ جورج بوش نفسه الذي لم يُخفِ ميوله الصهيونية يومًا ما... ولذلك عهد إليهم بالمناصب الحساسة حتى تطمئن إسرائيل والصهيونية العالمية بأن شيئًا ما لن يتغير في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، وأن ما سيراه كيسنجر حول أي عمل يتعلق بقضية فلسطين سيأخذ طريقه دون معارضة من خلال تلامذته الذين زرعهم في الإدارة الأمريكية.

يمثل أحد هؤلاء لورنس إيغلبرغر نائب وزیر الخارجية الذي كان يعمل قبل هذا المنصب مدير مكتب مؤسسة كيسنجر «للسمسرة الدولية» كما شغل برینت سكوكروفت مستشار الأمن القومي الحالي في إدارة بوش منصبًا مهمًّا في مؤسسة كيسنجر الاستشارية، أما وزير الخارجية الجديد فيعتبر أرضًا خصبة وأداة طيعة لتنفيذ السياسة الصهيونية التي نذر کسينجر نفسه ومؤسساته لها... لماذا؟ لأن الوزير الأمريكي الجديد ليس له الخبرة الواسعة في السياسة الدولية التي يتمتع بها كيسنجر وتلامذته سوى قناعته الشخصية وميله نحو الأسلوب البراغماتي النفعي المضمون النتائج، وهذا سيجعله صيدًا سمينًا لكيسنجر الذي تقوم فلسفته السياسية على هذا الأساس... وبهذا يعتبر وزير الخارجية الأمريكي الجديد زبونًا مهمًّا في مؤسسة كيسنجر، إن لم يكن تلميذًا نجيبًا على أقل تقدير، أما البقية الباقية من مسؤولي الخارجية الأمريكية مثل دنيس روس مدير قسم تخطيط السياسة في الخارجية وريتشارد هاس المسؤول عن قسم الشرق الأوسط بالإضافة إلى مساعديهم، فيعتبرون امتدادًا للمدرسة الكيسينجرية التي لن تأتي بجديد لقضية الشرق الأوسط.

· الانتفاضة وسياسة القمع

الشيء الذي لم يتوقعه فيلسوف الصهيونية هو الانتفاضة، عندما صرح في السبعينيات بقوله «إن المسألة الفلسطينية لا يمكن حلها الآن... إنه لا بد من تجويع الفلسطينيين أكثر حتى يصبحوا أكثر استعدادًا لقبول وضعهم النهائي والاتفاق عليه، وحتى يمكنهم قبول تسوية واعتراف بإسرائيل».

وهكذا خُطط لتجويع فلسطين وحصار المخيمات وتشريد الآمنين ولكن شعبنا المسلم هناك لم تزده المؤامرة إلا صمودًا في الانتفاضة... وردًّا على الحملة الإعلامية التي فضحت الممارسات الصهيونية القمعية على المستوى الدولي تقدم كيسنجر بتوصيات إلى الحكومة الإسرائيلية بعد أن أجازتها الإدارة الأمريكية برئاسة ريغان مفادها «إنه يجب على إسرائيل تعزيز ممارستها ضد المتظاهرين واستعمال قوتها بقسوة وصرامة من أجل سحق عمليات العنف والإثارة، وفرض النظام في المناطق المحتلة واتخاذها قرارًا بمنع الصحافيين من دخول هذه المناطق، الأمر الذي من شأنه أن يخلق ردود فعل احتجاج دولية ولكنها ستكون مؤقتة ولفترة معينة، وفي النهاية ستتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها فضلًا عن إعراب المسؤولين الإسرائيليين عن استعدادهم للتنازل عن مساحات صغيرة فقط من المناطق المحتلة، وإصرارهم على رفض المؤتمر الدولي الذي يشكل كارثة لدولة إسرائيل ورفض العودة إلى حدود عام ١٩٦٧ التي تعتبر بمثابة توجيه ضربة قاتلة لوجودها».

ولهذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ هذه التوصيات بالحرف الواحد فيما يخص التعامل مع الانتفاضة، أما بقية التوصيات فهي الخطة التي ستجري الأحداث في المنطقة طبقًا لبنودها، وذلك- قطعًا- تحت إشراف تلامذة كيسنجر الأوفياء.

أهم ما جاء في توصياته أن على الدول العربية أن تفهم أنه لا يمكن إعادة تقسيم القدس واستحالة العودة إلى حدود سنة ١٩٦٧ والرفض المطلق للضمانات الدولية، وتحميل الأردن أو مجموعة من الدول العربية المعتدلة مسؤولية «الإدارة المدنية» وليست الدولة الفلسطينية، ويجب أن تتحول المناطق التي ستتنازل عنها إسرائيل إلى مناطق منزوعة السلاح وأن تشارك إسرائيل في إجراءات مراقبتها.

هذا ملخص التوصيات التي نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في 14/2/1988.

· البرنامج السياسي لتلامذة كيسنجر

هذه التوصيات هي البرنامج الدراسي الذي كان كيسنجر يلقنه لتلامذته في مدرسة «السمسرة الدولية»، والذين استطاعوا نتيجة تخطيط صهيوني عالمي الإمساك بخيوط السياسة الأمريكية، ولا تعكس هذه التصورات إلا الوجه المتطرف لسياسة وتطلعات ائتلاف الليكود كما أن تلامذة كيسنجر لا يلقون بالًا للمحاذير التي ينصحهم بها المقربون، بأن المصالح الأمريكية قد تتعرض للخطر إذا لم تتحرك الولايات المتحدة لحل النزاع... ويقولون مرددين خلاصة ما أقنعهم به كيسنجر إنه بعد معاهدة السلام الإسرائيلية- المصرية فإن العرب لا يملكون خيار الحرب... 

وهو القائل عشية حرب أكتوبر للعرب «إن المجتمع الدولي ينفر من تغيير الواقع ويفضل قبوله بالرغم من الظلم الذي يكون فيه عند محاولة تغييره من أجل عدل محتمل يسبب ظلمًا جديدًا، وفي الشرق الأوسط واقع إسرائيلي قائم فإما أن تقبلوه أو تغيروه» فهو لا يرى العدل والمنطق قيمًا مثالية مجردة «بل الحق والعدل مرتبطان بالقوة وبما يستحقانه في اللحظة الراهنة والأمر الواقع هو الشرعية» وهذا أيضًا مقتبس من نظرته الفلسفية في حل القضايا السياسية... ولحسن حظه وسوء حظنا أن واقعنا يُمكّن سياسته هذه من رقابنا، فخيار الحرب مفقود وحتى وحدة الكلمة ضائعة بل انتشرت الفرقة والاختلاف حول قضية فلسطين... فهذا يريد ذاك وذلك يريد تلك... ولهذا أليس من حق إسرائيل أن تعيش أيام مجدها ودلالها وتستثمر واقعنا الذي يعطيها- كما يرى كيسنجر- كل أسس الشرعية في التوسع والسيطرة؟ أحيانًا ما يهيئ العدو الظروف المناسبة لتمرير سیاسته وفرض شروطه لكننا نحن الشعوب الوحيدة- دون خلق الله جميعًا- الذين نهيئ الظروف المناسبة لأعدائنا حتى يتمكنوا من رقابنا.

· الوفاق الدولي وكيسنجر

عندما نشبت حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل عقب صحوة عربية «يراد لها أن تتكرر» وتعرض أمن إسرائيل للخطر تحرك كيسنجر وتخطى كل الإجراءات الرسمية لمجلس الشيوخ والكونجرس وتجاوز صلاحية وزارة الدفاع وكبار جنرالاتها وزود إسرائيل بأحدث الإمدادات العسكرية، ولم ينسَ حتى ملابس الجنود وتخطى أيضًا الأعراف السائدة في ذلك الحين لمفهوم الوفاق الدولي بين القطبين والعمل على تهدئة التوتر العالمي وصرخ قائلًا«إن الوفاق يجب ألّا يخلق حالة من اللامسؤولية في أي منطقة في العالم بما في ذلك الشرق الأوسط».... والآن بعد أن شارك كيسنجر في الوفاق الدولي الذي أنهى به الرئيس ريغان فترة ولايته طار إلى الاتحاد السوفياتي ليقبض ثمن هذه السمسرة من الزعيم السوفياتي غورباتشوف ولسان حاله يقول له «إنك يا غورباتشوف لن تستطيع أن تدفع لي دولارات... كما أن الروبل السوفياتي لم يعد له قيمة نقدية في السوق الدولية... 

وكل ما أريده منك أن ترفع يدك عن اليهود السوفيات وتفتح باب الهجرة أمامهم وذلك كما اتفقنا»... وفي هذا الحين يفتح غورباتشوف الباب على مصراعيه فينطلق الآلاف من اليهود من جميع التخصصات الرفيعة في الطب والهندسة والعسكرية وغيرها متجهين صوب إسرائيل وليس إلى الولايات المتحدة كما تزعم بعض أجهزة الإعلام الغربية لتخفف عنا وقع المأساة، بل الجميع يتجهون إلى المستوطنات التي تبنى دون انقطاع في أرض فلسطين.... ولهذا عاد كيسنجر الصهيوني الذي قال ذات يوم «إن العربي كالكلب اضربه وإذا عوى ارمِ إليه قطعة لحم فيسكت وهو يلتهمها بتلذذ» والذي لم يقله كيسنجر إن قطعة اللحم هذه ستقطع من جسم فلسطين وستلقى لمن يجيدون النباح ويفضلونه على الجهاد.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين