العنوان كيف تحتوي غيرة زوجتك ؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009
مشاهدات 84
نشر في العدد 1850
نشر في الصفحة 50
السبت 02-مايو-2009
من الحياة
د سمير يونس[1]
De samir yonos@hotmail.com
كيف تحتوي غيرة زوجتك؟
قد تسألك زوجتك، هل ستتزوج بأخرى إذا توفيت أنا؟ بم تجيبها إذا سألتك هذا السؤال؟ أعتقد أن كثيرًا من الأزواج سئلوا هذا السؤال.. وأنا منهم، ولم ينج منه إلا القليل، ولكن إذا كنت قد سئلت.. فهل تتذكر إجابتك؟إذ كنت عزيزي القارئ لم تتعرض لهذه المحنة، فاستعد وجهز الإجابة، كن لبقًا ولا تضطرب، احسب تمامًا كلماتك قبل أن تنطق بها، وحتى تعبيرات وجهك وتبسمك احسبها جيدًا، وكن حكيمًا وذا قدرة على احتواء زوجتك وإلا ستعرض نفسك إلى ما لا يحمد عقباه، وسوف تلام بمناسبة وغير مناسبة، وتلك طبائع النساء في الغيرة، خذ الأمر بهدوء ولا تنزعج إياك أن تتهمها بالتفاهة، واحذر أن تقول لها مازحًا أو جادًا موتي وسوف أدعو لك بالجنة، لأن رد فعلها المتوقع أن تقول لك: انظر ماذا تقول؟ إنك تتمنى موتي لتتزوج بأخرى. لقد غارت أمهات المؤمنين على رسول الله ﷺ فكيف بنسائنا؟!!
النبي ﷺ يعلمنا فن احتواء الغيرة.
روى الإمام البخاري رحمه الله أن السيدة عائشة قالت: وا رأساه فقال رسول الله: ذلك لو كان، يقصد إذا توفيت السيدة عائشة فاستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة رضي الله عنها: وا ثكلياه، إلى لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك مغرسًا ببعض أزواجك ؟؟ فقال النبي ﷺ «بل أنا وا رأساه»، (رواه البخاري).وفي رواية الإمام أحمد «فتبسم رسول الله ﷺ».وبتحليل هذا الموقف يتضح أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تشكو ألمًا في رأسها، فأخبرها النبي ﷺ أنه سيدعو لها ويستغفر لها إذا ماتت، فغارت وعاتبته، وكأنما يتمنى موتها ليستمتع بزوجة أخرى، فعالج غيرتها بأمرين: أولهما الابتسامة كما في رواية الإمام أحمد، وثانيهما برده الحكيم الهادف إلى احتواء الزوجة، وذلك ما نلمحه في قوله ﷺ: «بل أنا وا رأساه» فهو هناك يطيب نفسها، كما يقول الزوج لزوجته: أتمنى أن يجعل الله وفاتي قبل وفاتك حتى لا أتجرع الحزن لفراقك، وذلك معنى يعبرعنه الخليجيون بقولهم: «يا بعد عمري» ويعبر عنه المصريون بالعامية المصرية بقولهم: «يجعل يومي قبل يومك» ويعبر السوريون بقولهم «تقبرني».
المحمود والمذموم من الغيرة
والغيرة نوعان: محمودة، ومذمومة، والغيرة المحمودة هي الغيرة المعتدلة مادامت الزوجة أمينة وفية لزوجها.
ولذلك إذا كانت الزوجة عافانا الله غير وفية لزوجها وظهرت منها سلوكيات وتصرفات تثير الشك فغيرة الزوج هنا غيرة يحبها الله تعالى، ويكره الله عز وجل أن يغار الزوج غيرة مصحوبة بالشك والربية في زوجته التي لم تسلك سلوكًا يثير الريبة والشك.
وقد وضح رسولنا الكريم ﷺ فمن جابر ابن عنبك أن النبي ﷺ كان يقول: «من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الربية، وأما التي ببغضها الله فالغيرة في غير ريبة» (رواه أبو داود ).
فالغيرة المعتدلة تعد من توابل الحياة الزوجية، وهي أيضًا وقود الحب بين الزوجين، وهي من وسائل تغيير روتين الحياة الزوجية.
أن وجود الغيرة ما دامت معتدلة، أمر طبيعي بين أي زوجين يحب كل منهما الأخر، وذلك لإحساس كل طرف بأنه يمتلك خصوصيات لدى الطرف الآخر، لا يحق لأحد سواء أن يتملكها.
يقول القاضي عياض: «الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين».
الغيرة المتسرعة
على الزوج أن يتيقن قبل أن يغار غيرة الشك وإلا أورثه هذا الشك ندمًا وحسرات لأنه اتهام لزوجته البريئة، وعلى كلا الزوجين أن يترفع عن الهفوات والصغائر، فكم من بيوت هدمت، وأطفال شردت، بسبب أوهام وهواجس لا أصل لها، أذكر من ذلك مثلًا موقفًا يمكن وصفه به «شر البلية ما يضحك»!! حيث كتبت إلى إحدى الزوجات رسالة تقول فيها: عشت عامًا مطلقة، بعيدة عن زوجي الذي أحببته وأحبني، بسبب أمر تافه مضحك لا يتخيله أحد، ذلك أنني وجدت قصاصة ورقية صغيرة كتب عليها زوجي العبارة التالية: فرح أحمد يوم ١٥/٩/٢٠٠٥م وكان بالفعل يوم عرس صديق له اسمه أحمد، وقد قرأت العبارة بعين الغيرة، ففهمتها على أنها موعد سجله ليذكره بمقابلة قناة اسمها «فرح أحمد» فلما سألته، فرح من هذه؟ ومتى عرفتها؟ وكيف؟ ولماذا ستقابلها؟ ضخ بأسئلتي وحاول الدفاع ولم اقتنع، فتأجج الخلاف بيننا، وتطور إلى شتائم وإهانات وأسفر في النهاية عن الطلاق، وحرمان كل منا من الآخر!!
غيرة فتى
وانظر عزيز القارئ إلى هذا الموقف لتدرك أن الغيرة عندما تجاوز الحدود، قد تؤدي بالرجل إلى الهلاك وخسران الدنيا والآخرة، ومن ثم وجب التيقن والاعتدال.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كان فتي منا حديث عهد بعرس، أي كان متزوجًا حديثًا، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله بأنصاف النهار يرجع إلى أهله «زوجته»، فاستأذن يومًا فقال له رسول الله ﷺ: خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، قالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح.
أهمية التأسي برسول الله ﷺ
وعلى الزوج أن يتأسى برسول الله في صبره على طبائع المرأة، وتقدير ظروفها وأحوالها، وتوخي الحكمة، وفهم نفسية الزوجة، والوضوح والشفافية والمصارحة، وتجنب تصعيد المشكلة وتضخيمها، وإتقان فن الاحتواء، وإحسان التعامل مع المشكلات الزوجية، واعتبار حسن الظن هو الأصل وتجنب سوء الظن بالزوجة، فإذا كان الزوج متزوجًا أكثر من زوجة، فإنه يحتاج إلى مهارات أعلى في احتواء زوجاته، وعليه أن يتجنب الثناء على إحداهن أمام الأخريات، كما يجب أن يحذر المقارنة بينهن فإن ذلك بمثابة إلقاء البنزين على النار، فيزيد النار اشتعالًا، ويسبب كثيرًا من المشكلات، بل عليه أن يحافظ على مشاعر الزوجة الحاضرة، وعلى إحساسها، وأن يتجنب ما يثير غيرتها.
مواقف تربوية نبوية لاحتواء الغيرة
ولعل من المفيد لنا معشر الأزواج الرجال، في هذا السياق، أن نتأمل تصرفات النبي ﷺ في تلك المواقف، فهي تعلمنا كيف نحتوي زوجاتنا ونتعامل مع الغيرة التي هي صفة طبيعية في نفوسهن.
غيرة ميمونة رضي الله عنها
روى ابن سعد عن ميمونة رضي الله عنها، أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة من عندي، فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له فقال: «أقسمت عليك أن تفتحي» فقلت له: تذهب إلى بعض نسائك في ليلتي؟ قال ما فعلت: ولكن وجدت حقنًا من
بولي» (سبل الهدى والرشاد ١١/١٤٧).
تأمل أيها القارئ العزيز هذا الموقف، إنه ليؤكد حكمة رسولنا الكريم ﷺ، وحلمه على الزوجة، فلو أن زوجة أحدنا صنعت ذلك معه، وكان بريئًا.. لاتهمها بأنها تسيء الظن فيه، وكيف تتهمه بشيء لم يفعله، وأنه صاحب حق ويجب أن يثار لكرامته، لكنه ﷺ عالج الموقف بحكمة ووضوح، ورد عليها بهدوء قائلًا:« ما فعلت» ونفى التهمة، ثم استخدم أسلوب الحوار الهادئ والمناقشة للحفاظ على العلاقة، فبرر غيابه بقوله «ولكن وجدت حقنًا من بولي» فيا لحكمة رسول الله ﷺ!! وما أحلمه وما أعد له !!
غيرة عائشة رضي الله عنها
عن أنس رضي الله تعالي عنه قال: أهدى بعض نساء النبي ﷺ له قصعة فيها ثريد، وهو في بيت بعض نسائه، فضربت عائشة يد الخادم، فانكسرت القصعة، فجعل النبي يأخذ الثريد ويرده في القصعة، ويقول: «غارت أمكم»!! وفي رواية أخرى أخرجها أبو داود والنسائي أن السيدة عائشة ندمت على ذلك، وقالت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: «إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام».
غيرة حفصة رضي الله عنها
عن أنس، قال: بلغ صفية رضي الله عنها، أن حفصة رضي الله عنها، قالت بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة إني بنت يهودي، فقال رسول الله ﷺ: «إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، فقيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة».
نصائح للزوج لاحتواء الغيرة
برغم أن النجاة من أخطار الغيرة إنما هي مسؤولية الرجل والمرأة على حد سواء، إلا أن المقال خصص للزوج ومن ثم يمكن للزوج أن يحتوي غيرة زوجته إذا راعي ما يلي:
١- للأنثى نوازع نفسية، وقد تصعب السيطرة الشعورية على تلك النوازع في كثير من الأحيان، ومن ثم وجب على الرجل مراعاة ذلك.
٢- أن يحرص الزوج على تجنب إثارة غيرة زوجته، ولو كانت الزوجة مثقفة فلا يكثر من الحديث عن زميلات العمل أو الشخصيات النسائية المتميزة وخاصة الناجحات وذوات الجمال.
٣- أن يشعر زوجته بالاهتمام دائمًا، وأن يشركها في اهتماماته، لأن ذلك سيوضح لها تصرفاته، ويقوي الثقة بينهما.
٤- أن يبادر الزوج بأن يحكي لزوجته ما يحدث له خارج البيت ما دام ليس من أسرار العمل ولا يضر بأحد، كما يصارحها بما يشعرها بالأمن والثقة بالزوج، ويحكي لها عن سعادته معها، واعتزازه بأنها زوجته.
٥- أن يتجنب الزوج السلوكيات المثيرة للشك، كالحرص على قرب هاتفه منه، أو التحدث في الهاتف بصوت منخفض بعيدًا عن زوجته وأولاده، أو التكتم على أغراضه وعدم السماح للزوجة بالاقتراب منها.
٦- التحلي بالحلم والحكمة إن أظهرت الزوجة غيرتها على الزوج، واعتناق الرفق أسلوبًا في التعامل مع غيرة الزوجة.
٧- إدراك الزوج أن من حق الزوجة أن تغار عليه ما دامت الغيرة معتدلة، وحتى إن تجاوزت الزوجة في غيرتها، فعلى الزوج أن يدرك أنه قائد سفينة الحياة الزوجية المسؤول الأول عن نجاة هذه السفينة، ومن ثم يجب أن يجيد فن احتواء الزوجة وغيرتها.
٨- اعتماد المناقشة والحوار أساسًا للتفاهم بين الزوجين، وألا يعتبر الزوج نفسه فوق الاستجواب والتساؤل برغم أن من حسن خلق الزوجة ألا تتهم الزوج أو تستجوبه حتى إن شكت في سلوكه، وإنما العلاج الأفضل في ذلك هو أسلوب النبي ﷺ غير المباشر المتجسد في «ما بال أقوام».
٩- الإكثار من التضرع إلى الله تعالى والدعاء عند حدوث بوادر أزمة بسبب الغيرة، وترديد قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74)
[1] أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل