; كيف تستعد بيوتنا لاستقبال رمضان ؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تستعد بيوتنا لاستقبال رمضان ؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2011

نشر في الصفحة 56

السبت 14-يوليو-2012

من شيم الصقر التحليق في أعالي الفضاء، حتى لا يكون في مرمى الصياد ولكي لا تطاله شبكة الصياد ومن ثم يكون حراً مترفعاً ساميا عزيزا لا يستطيع أحد أن يصطاده أو يأسره، فإن هوت نفسه الهبوط، ونزل ليشبع هواه ولذته من مطعم أو مشرب أوقع نفسه بنفسه في منطقة الخطر، فصار صيدا سهلاً ووقع أسيرا في يد الصياد، ثم يباع في الأسواق، أو يوضع في الغلال.. فكن حراً، ولتكن همتك عالية تحلق في أعالي الفضاء، حتى تنجو بنفسك من مصيدة الشهوات. 

وإذا كانت الهمة العالية ضرورية في كل الأوقات والأحيان، لكنها أشد أهمية وضرورة في شهر رمضان، وإذا كان الفرد يحرص على رفع همته في رمضان، فإن رفعها لدى جميع أفراد أسرته في غاية الأهمية.

لماذا نهتم بالأسرة في رمضان ؟

يأتي الاهتمام بالأسرة في شهر رمضان في أولويات ولي الأمر، لثلاثة أسباب، هي:

الأول: أن الأسرة هي المحضن الأول من محاضن تربية النفوس والأرواح والأجيال والصغار والكبار، والبنين والبنات على حد سواء.

الثاني: واقع البيوت المسلمة المأساوي الموجع، وهو واقع يدمي القلوب، وتعتصر له النفوس حزنًا وألمًا.

الثالث: شهر رمضان شهر تربية وتعليم وتدريب، ومن ثم فهو فرصة ثمينة ينبغي اغتنامها واستثمارها.

كيف تستثمر الأسرة رمضان؟

ثمة عدة واجبات ينبغي لولي الأمر أن يراعيها، فإن هو قام بها وأداها استطاع أن يستثمر هذه الفرصة العظيمة، فالحياة  فرص، والفرصة إن ضاعت لن تتكرر.. فلتكن مستعداً قبل حلول شهر رمضان، ولينطق لسانك بما قاله الشاعر مخاطباً شهر رمضان فيقول:

ما أنت إلا رحمة علوية                 ***           خص الإله بها الورى وترفقا

رمضان يا طوق الهداية مرحبا        ***           يا نبع خير في الوجود تدفقا

ينبغي  أخي القارئ - أن تقف مع نفسك وقفة جادة صادقة، فلا نجعله كشهور مضت أدركناها وقصرنا فيها، ومن يدري، فربما لا يبلغ المرء رمضان آخر، فإذا نحن استثمرنا رمضان هذا العام نكون قد حولنا أعمالنا وأقوالنا من إلف العادة إلى روح العبادة، فلا نجعل صيامنا جوعا وعطشًا, ولا قيامنًا سهرًا ونصبَا.

إن رمضان ضيف عزيز سيحل بعد أيام بدارنا، نعم الضيف هو، فهو زائر كريم سيطرق بابنا بعد غياب طويل، وشوق عظيم، قلوبنا تهفو إليه، ينتظره العصاة ليتوبوا، والمتعبدون الطائعون ليضيفوا إلى رصيدهم، فيه الصيام والقيام، والأعمال الصالحات، وصفاء النفس وانشراح الصدر، والعتق من النيران وفيه القبول والرضوان، وإدخال الفرحة على اليتامى والأرامل والمحتاجين والمساكين. ومن أهم الواجبات التي إن قمنا بها استثمرنا فرص رمضان:

أولاً: أن يحسن ولي الأمر النية والإخلاص، وأن يذكر بها زوجته وأولاده باستمرار، فكم من عمل قليل يخلص فيه العبد لربه، فيعود بثمرات طيبات كثيرات وفي المقابل كم من عمل ضخم كبير لم يخلص صاحبه النية فيه لله تعالى يذهب شدى لا يسمن ولا يغني من جوع، وجعله الله هباء منثورًا، قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنشُورًا﴾ (الفرقان: 23)، ولذلك ينبغي أن نجعل هذا التوجيه الرباني دائماً نصب أعيننا، وأن تجدد به نياتنا دائما، ذلكم ما سجله القرآن الكريم في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَما أمرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذلك دين القيمة ﴾ (البينة: 5).

ثانيا: التخلص من العلائق والمعوقات

رام نقش الشوك يومًا رجل     ***      فغاب عن ناظريه المحمل

 بيت الشعر هذا عنوان لقصة كنت قد قرأتها أيام طفولتي، وجاء فيها أن مركبا في البحر جرفته الرياح وانحرفت به العواصف والأمواج العاتية، حتى وصل إلى جزيرة فاحتمى بها القبطان، ونزل كل من على السفينة، وقال لهم القبطان لا تبتعدوا عن مكانكم، فعما قليل سيتحسن الجو ونبحر مرة أخرى بأمر الله تعالى.. فنزل القوم وانتظروا إلا واحداً أعجب بالجزيرة وانبهر، وقال أستطلع قليلاً وأرجع بسرعة، فانطلق يمشي وهو معجب بالجزيرة، فدخل الشوك في قدميه فجعل يخرج الشوك ويعالجه، ثم سمع نداء القبطان على الناس بينما هو يحاول إخراج الأشواك، ووصل الناس جميعا واستقروا على ظهر المركب إلا هو لم يستطع عطله الشوك وأعاقه وهو يراهم على سطح السفينة وتحرك القبطان بمركبه ظنا منه أن الناس جميعا وصلوا إلى السفينة، ولكن صاحبنا ظل ينادي القبطان وهو يخرج الأشواك ويعالجها فلا يسمعه أحد، حتى اختفى المحمل أي السفينة عن ناظريه، وبقي وحيدا!

فكن مستعدا أخي القارئ، ولا تكن كصاحبنا تستسلم لهواك وشهواتك وما تسر به عينك وتشتهيه نفسك، فيشغلك ذلك كله عن استثمار فرصة رمضان.

 فثمة مضيعات كثيرة تسرق منا الوقت, ولكنها حسرة علينا يوم القيامة وندامة.. فقد يضيع الوقت وأنت تقلب بـ«الريموت كنترول» بصرك في تفاهات، فأوقات السهر معدودة, وفي كل دقيقة بركة وأجر إذا كانت في طاعة وعبادة.

 كما أن هناك معوقات ربما تكون حلالًا لكن الإسراف فيها يفسد العبادات، كالإسراف في المأكل والمشرب، وإهدار الوقت في أحاديث لا فائدة من ورائها ولا جدوى.

وليالي رمضان نيرة جميلة، تأتي بعد صيام النهار والانقطاع عن الأكل والشرب والشهوة فاجعله ليل العابدين لا ليل العابثين اغتنم هدوء الليل، وغياب النهار، وعلى بريق النجوم في السماء، ولمعان الكوكب الدري الغابر في الآفاق، واعلم أنه كما أن على العبد عبادة في النهار فإن عليه عبادة ليله أيضا.

قال تعالى: ﴿ومن اللَّيْلِ فَتَهجد به نافلة لك عسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُحْمُودًا﴾ ( الإسراء: 79) وقال أيضاً: ﴿وَمِنَ اللَّيْل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طويلا﴾ (الإنسان: 26)، وقال أيضاً: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هي أَشَدُ وَطْئًا وَأَقوم قيلا﴾ (المزمل:6).

فاعتصم بالله سبحانه، واعلم أن للمؤمن معوقات قد تقعد به عن الطاعة، وفعل الخير بل قد تنحرف به إلى المعاصي والتهلكة فعليك بسلاح الإيمان وسلاح الصبر على الطاعة لتقاوم هذه المعوقات، وأخطرها ما ذكره شاعرنا في قوله:

 إني بليت بأربع ما سلطوا             ***          إلا لعظم بليتي وشقائي

إبليس والدنيا ونفسي والهوى          ***         كيف الخلاص وكلهم أعدائي

ثالثاً: رفع الهمة والمبادرة:

كن وقوراً حكيماً عالي الهمة، وأقبل على ربك، واطلب معالي الأمور، وترفع عن سفاسفها وحدد لك أهدافًا سامية، وارتق بهمتك إلى العلا كما يصنع الصقر.

وليدرك العبد إنه أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضه - كما قال أبو الدرداء - هكذا تمر أيامنا سراعًا دون أن ندري، ونحن كسالى، ويقلب الله تعالى علينا الليل والنهار، وتمر الدقائق واللحظات دون ندم منا ولا عمل ولا وصل ولا أمل، كأني بك - أيها الإنسان - ستعيش ما عاش نوح، أو تعمر ما عمر هود، أو كأني بك قد طاب لك المقام، وأفنيت العمر بالخسران، فارفع همتك مع بداية رمضان، وابحث عن معروف يقربك، وتوبة تجبرك وتطهرك، هلم إلى عفو واحسان من الملك الديان، بكثرة الاستغفار والتسبيح والذكر والتهليل والصيام والقيام والركوع والسجود، وتلاوة القرآن.

رابعًا : إقامة حلقة قرآنية أسرية:

ومن آليات تنفيذ هذه الحلقة والاستعداد لها تجهيز مكان بالبيت يخصص لعقد هذه الحلقة، ويجهز هذا المكان بالأثاث اللازمة ويزود بالمصاحف والحوامل اللازمة للتلاوة وتعلق بعض اللوحات التي ترغب في تلاوة القرآن وحفظه، ويشرف على هذه الحلقة الأب أو الأم أو الأخ الأكبر، شريطة أن يكون لدى المشرف القدرة على إدارة هذه الحلقة، وأن يكون متقناً لتلاوة القرآن الكريم، جاهراً بتعليم التلاوة وأحكامها، ومعاني الآيات التي تقرأ حتى تتدبر الأسرة القرآن الكريم، كما ينبغي للمشرف أن يراعي الفروق الفردية بين أفراد الأسرة، فيؤخذ بيد المقصر الضعيف، ويشجع المجيد القوي.

وينبغي قبل بداية رمضان إعداد جدولين أحدهما لتسجيل الحفظ، والثاني لتسجيل تلاوة الورد اليومي وأقله جزء، وبوجه عام من المفيد تربويًا أن نشرك جميع أفراد الأسرة في الإعداد لرمضان، ومن ذلك تجهيز مكان الحلقة، وإعداد الجداول.

خامسًا: المسابقة الرمضانية

ويستحسن أن يعدها الأب، أو الأم، أو هما معًا، ويجهزان الجوائز لها، ويستحسن أن تكون هذه الجوائز منتقاة، وأن تكون مناسبة كما ينبغي إفهام الأولاد أن الهدف من الجوائز التنافس الشريف، لا التشاحن والتباغض وإثارة النزاعات والأحقاد، وأن تعد جوائز لكل أفراد الأسرة تتفاوت من جائزة المركز الأول، إلى ما بعده من مراكز.

سادسًا: الاستماع إلى شرائط دعوية وتربوية

وهو من الواجبات المهمة، ذلك لأن كثيراً رمضان شهر تربية وتعليم وتدريب.. وفرصة ثمينة ينبغي اغتنامها واستثمارها من الأسر قد يوجد من بين أفرادها الأجداد والكبار الذين لم يتعلموا القراءة والكتابة فتكون لهذه الشرائط أدوارها، وحبذا لو تركب سماعات في أرجاء البيت، ليتمكن الجميع من الاستماع، ولجذب الأطفال والشباب والفتيات بالبيت.

سابعًا: دورة حفظ الأحاديث

وفي ذلك فائدة لربط أفراد الأسرة بأحاديث رسول الله ، وينبغي - قبل بدء رمضان - أن يحدد ولي الأمر الأحاديث موضوع الدورة، ومصادرها، وحبذا أن يختار بعض الأحاديث التي تحث على الصيام والقيام والصدقات، أي ما ترتبط برمضان وعباداته وأن تكون مناسبة لأفراد الأسرة. 

ثامنًا: مدارسة غزوة أو أكثر

ويفضل أن تختار من الغزوات التي وقعت في شهر رمضان، وأن يكلف أحد أفراد الأسرة بإعدادها وعرضها.

تاسعًا: مدارسة فقه الصيام والقيام والعيد:

ففي شهر رمضان فرصة لتفقيه أفراد الأسرة وتثقيفهم، ويمكن تضمين البرنامج الثقافي في المنشط الفقهي، ويضاف إلى ذلك تثقيف الأسرة بسيرة النبي، وأخلاقه في

رمضان، وحياة الصحابة في رمضان وبرنامج حدث في هذا اليوم، لتذكير أفراد الأسرة بالفتوحات والانتصارات الإسلامية في شهر رمضان.

عاشرًا: إعداد المجلة الرمضانية:

 ويسهم فيها جميع أفراد الأسرة، وتعلق في مكان مناسب بالبيت، وتقسم إلى عدة أقسام وتجدد بها المقالات والأخبار المنوعة، ووقفات دينية وتربوية، وهو نشاط ينمي العمل في فريق، والتنافس الإيجابي.

حادي عشر: مناقشة قضايا الأمة المعاصرة:

وفي ذلك فرصة لربط أفراد الأسرة بقضايا أمتهم، وكشف مخططات أعداء الأمة التي تخفى على الأولاد (مثل: فلسطين، سوريا, مصر، الفقر، الأسرى المرأة.. إلخ). 

ثاني عشر: العمرة أو الاعتكاف والإعداد للعيد: 

فقيام أفراد الأسرة بعمرة معًا من الأمور المفيدة جدًا على المستويات التربوية والوجدانية والاجتماعية، فمن لم يستطع فليكن الاعتكاف بديلا ثم إعداد برنامج العيد، ويتضمن توزيع زكاة الفطر، وحضور  صلاة العيد، وزيارة الأهل والأقارب والأصدقاء وشراء الهدايا والألعاب، والاتفاق على نزهة العيد.

الرابط المختصر :