العنوان كيف نبني أسرة مستقرة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1971
مشاهدات 64
نشر في العدد 56
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 20-أبريل-1971
- الزواج في الإسلام لا بد له من استعداد نفسي وتهيؤ مادي حتى يكون قائمًا على دعائم مستقرة وأسس ثابتة لا على طيش صبياني أو نزوة حيوانية.
- أباح الإسلام للخاطب أن يرى خطيبته وأن يتعرف على طباعها ويختبر سلوكها، فقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد أصحابه أن ينظر إلى خطيبته
- شجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التقليل في المهور، واعتبر خير النساء أقلهن مهرًا.
الزواج هو الوسيلة الوحيدة لحفظ النوع الإنساني وبناء الأسرة المستقرة وإيجاد السكن النفسي والاطمئنان القلبي، فبالزواج وحده تتكامل النفس الإنسانية تكاملًا يتفق مع فطرة الله التي فطر الإنسان عليها، ومن حكمة الله -تعالى- أن جعل بين الزوجين مودة ورحمة ليتم بذلك التلاقي والتفاهم والتعاون بينهما ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم: الآية 21).
غير أن الزواج في الإسلام لا بد له من استعداد نفسي وتهيؤ مادي حتى يكون قائمًا على دعائم مستقرة وأسس ثابتة لا على طيش صبياني أو نزوة حيوانية، أما الشباب الذين لا يزالون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ولم تتهيأ نفوسهم ولا جيوبهم لبناء أسرة وتحمل مسؤوليتها فقد أمرهم الإسلام بالتريث والانتظار وأرشدهم إلى علاج نفسي وقائي يكبح جماح الشهوة ويطامن من غلوائها ويهدئ النفس ويروّضها، ذلك هو الصوم، وبه يتم الامتناع عن الطعام والشراب والنظر إلى الحرام وفي هذين سببان رئيسان لبعث الشهوة من مكمنها.
قال -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
والزواج في الإسلام وسيلة إلى غاية تلك هي تكثير النسل وحفظ النوع الإنساني من الانقراض وقد أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالزواج وشجّع عليه وبيّن أنه مكاثر بالمسلمين الأمم.
فليس من الإسلام أن يكون تحديد النسل وتقليله مذهبًا جماعيًّا ترتضيه الأمة وتُخطّط له بل تكثير النسل والتشجيع عليه هو الخطة المرضية التي دعا إليها رسول الله، لأن كثرة المسلمين أمر مطلوب لمقارعة خصوم الإسلام الذين يتربصون به الدوائر.
والزواج في الإسلام لا بد أن يمر بمراحل ثلاث، لكل مرحلة أهميتها وخطورتها ولا بد من مراعاة التوجيه الإسلامي في كل مرحلة منها ليكون الزواج ناجحًا والأسرة سعيدة، هذه المراحل هي: مرحلة الخطبة، مرحلة عقد الزواج، مرحلة الزواج وتحديد المسؤولية.
الخطبة:
لم يعتمد الإسلام في طريقة اختيار الزوجة ما تعتمده بعض المجتمعات من طرق مختلفة، منها ما يكون فيه إفراط ومنها ما يكون فيه تفريط، بل سلك طريقًا وسطًا في اختيار الزوجة يتم فيه للزوج معرفة خطيبته معرفة حقيقية تكشف له عن المزايا التي تشجعه على الزواج بها.
فأباح للخاطب أن يرى خطيبته وأن يتعرف على طباعها ويختبر سلوكها، فقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد أصحابه أن ينظر إلى خطيبته وقال له: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» كما أشار في موضع آخر إلى أن من استطاع أن يرى من خطيبته ما يدعوه إلى الزواج منها فليفعل.
فليس لأهل الفتاة إذن أن يتأذوا من طلب الرجل الخاطب رؤية ابنتهم وليس معنى رؤيتها والتحدث إليها أن يلزم الرجل بالزواج بها، فالخطاب في حل من الموافقة على الزواج أو عدمها بعد رؤيته للخطيبة والتحدث إليها.
هذا وليس لولي الفتاة أن يجبرها على الزواج بمن لا ترغب الزواج به وإلا عُد عقد النكاح القسري هذا باطلًا، فللفتاة الحق في قبول أو رفض من يتقدّم للزواج بها، إذ إنها هي التي ستعيش معه ولا بد أن يكون منها رضا بهذا الأمر ويكتفي الإسلام من الفتاة البكر بالسكوت أحيانًا. وأحيانًا أخرى بالمصارحة دليلًا على الموافقة عند استشارتها، أما العوان وهي المرأة التي سبق لها الزواج فتستأمر.
عقد القران
فإذا تم الاتفاق على الزواج من الطرفين فقد انتهت مرحلة الخطبة وبدأ الإعداد لمرحلة جديدة هي مرحلة عقد القران.
ولا يتم عقد القران إلا بإيجاب من الزوجة أو وليها بألفاظ مثل زوّجتك أو أنكحتك أو ما يفيد معناهما وبقبول من الزوج وبحضور شاهدين على هذا العقد، ويدفع مهر معين محدد يدفعه الزوج لزوجته غير أن هذا المهر يُفضّل ألا يكبر مقداره بحيث يكون سببًا في إقلاع كثير من الشباب عن الزواج أو لجوئهم إلى مجتمعات بعيدة تقل فيها المهور ويتيسر فيها الزواج.
ولقد شجّع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين على التقليل من المهور واعتبر خير النساء أقلهن مهرًا إلا أن تحديد المهر وإجبار الناس عليه أمر لم يستطعمه عمر بن الخطاب حين ردت عليه عجوز قائلة: «ليس ذلك لك يا عمر». فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيًۡٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ (النساء: 20). ومع ذلك يظل تيسير الزواج بتقليل المهور أمرًا يندب إليه الإسلام كل من أراد لهذا المجتمع الخير والصلاح.
ولقد أصبح عقد الزواج في هذه الأيام يتم بوثيقة مكتوبة وهو أمر تعارف عليه الناس ولا يتم حفظ حقوق كل من الزوج والزوجة إلا به، وقد كان الأمر في عصور الإسلام الأولى مقتصرًا على المشافهة دون حاجة إلى التسجيل، وما دام في التسجيل مصلحة فمن المستحسن اللجوء إليه حتى لا يتلاعب أحد من الزوجين بهذا العقد الإسلامي المقدس.
الزواج وتحديد المسؤولية
بعد ذلك يتم الزواج وينتقل الزوجان إلى بيت يعيشان فيه معًا فتتكون منهما أسرة لا بد لها من مسؤول يقوم على رعاية شؤونها وإدارتها والإنفاق عليها، والزوج بحكم تكوينه الجسمي واستعداده النفسي وبسبب تكليفه بالنفقة أقدر على إدارة هذه الأسرة لذلك أعطى الله -سبحانه- الرجال القوامة على النساء، وليس معنى ذلك أن الرجال أفضل من النساء أو النساء أفضل من الرجال، بل إن الأمر مجرد تنظيم للأسرة وضرورة لا بد منها حين تختلف الآراء في هذه المؤسسة المهمة فلا بد أن يكون فيها من له الرأي الأخير الذي يحسم كل خلاف.
فإذا أساء بعض الرجال استغلال هذا الحق فظلموا النساء وتعسفوا في معاملتهن فليس ذلك من الإسلام وليس لهم عليهن سبيل إذا أطعنهم، ولقد أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالنساء خيرًا وكان يقول: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» وكان -صلى الله عليه وسلم- في حاجة أهل بيته ما دام معهم يساعدهم ويؤانسهم، وما لم تكن علاقة الزوجين قائمة على هذا الأساس من المساعدة والمؤانسة فلن تكون الحياة في البيت سعيدة ولن يجد الزوج أو الزوجة فيه السكن الذي ينشدان.
أما عن الزوجة فقد حدّد لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصفات التي ننشدها فيها فقال عن الزوجة الصالحة التي يجب على المسلم أن يبحث عنها: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله -عز وجل- خير له من زوجة صالحة إذا أمرها أطاعته وإذا نظر إليها سرته وإذا أقسم عليها أبرته وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله».
والطاعة التي يشير إليها رسول الله في هذا الحديث ليست الطاعة القسرية التي لا تكون إلا بالقوة والضغط والاضطهاد، ولكنها طاعة الإنسانة الراضية المحبة التي تتوق إلى تلبية طلبات زوجها وتحب ذلك وترتاح إليه ولا تجد فيه غضاضة، وذلك كما يقول سبحانه وتعالى ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ (سورة النساء: الآية 34).
فليس القنوت مجرد الطاعة وإنما هو الطاعة الصادرة عن الرضا والمحبة.
فإذا تهيّأ للزوجين هذا التفاهم وسيطر على حياتهم هذا الحب عاشا في ظلال أسرة سعيدة وحققا الهدف الذي يرمي إليه الإسلام من تكوين الأسرة.