العنوان كيف نجيد استدعاء دعوات اللحظات الحرجة؟
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 30-مايو-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1854
نشر في الصفحة 56
السبت 30-مايو-2009
- الدعاء عبادة، وبعض الدعوات المخلصة استحالت إلى قوى مادية صنعت ما عجز عنه كثير من الناس.
- على المسلم أن يتعلم كيفية استمطار التوفيق الإلهي، وذلك بالدعاء الخاشع وحسن الظن بالله والثقة فيما عنده سبحانه.
«يا ربي يا خالقي يا مالكي، حجتي عند ندائي حاجتي، وعدتي عند دعائي فاقتي، وسلوتي عند انقطاع حيلتي، وكنزي عند عجزي، وكنزي عند عجزي.. وكنزي عند عجزي».
مناجاة رقيقة مؤثرة للإمام التركي بديع الزمان سعيد النورسي؛ أرددها دوما بينما أطالع هذه الهجمة العسكرية والإعلامية والسياسية الشرسة الساحقة الماحقة على المسلمين، وخاصة أحبابنا في غزة، وقد ضاقت بهم وبنا السبل وانقطعت بنا وبهم الحيل وهنا استبشرت خيرًا بهذا الكنز الغريب والعجيب الذي نجهله ونتجاهله، ولا نستخدمه؛ إلا عند عجزنا من الأسباب الأرضية فنضطر ونساق سوقًا إلى الإخلاص التام لله عز وجل أكثر، ونجتهد أكثر في اللجوء إليه سبحانه؛ فتنفرج عندها الغمة، ونكتشف كنز المؤمن السحري!
مقام المضطر، النقطة الحرجة:
وهي النقطة الحرجة في حياة المؤمن؛ التي تؤذن بميلاد إجابة الدعاء من الخالق القوي العزيز للمخلوق الضعيف؛ وذلك عندما يمر بهذه اللحظات ويبلغ مقام المضطر؛ الذي لا يدرك سره إلا من عايش جو هذه الآية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: 62)، «فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله، يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء، ذلك حين تضيق ،الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردًا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص. لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده، في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله، ولو كان نسيه من قبل في ساعات الرخاء، فهو وحده دون سواه، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، فيجيبه ويكشف عنه السوء، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق» (۱).[2]
كيف تكتشف كنزك السحري؟!
ولقد علمنا الحبيب -صلوات الله وسلامه عليه- وسائل استدعاء هذا اليسر الرباني والتي منها:
- أن نمتلك أملًا لا يغيب:
وأن ندرك أن أبواب الأمل في تغيير الأوضاع إلى الأحسن مفتوحة دائمًا: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1).
ويملؤنا حسن الظن بربنا: قال الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني» (۲). وأن أقداره سبحانه هي دومًا إلى خير ويسر: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7).
- أن ندرك أن مع كل عسر يسرين:
فهذا اليسر والخير القادم من القوة والكثرة بحيث لا يقف أمامه شدة أو ضيق وهو دوماً لا يفارق العسر: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5).
فالوسائل والأبواب تخضع أيضًا لسنة التداول الإلهية، وهو باب ينساه بعض الناس ويجهله أو لا يدركه بعضهم الآخر: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 1).
- الضمير تقوى الله عز وجل، ومحاسبة:
وهي أن ندرك أن بابنا إلى الفرج واليسر هو تقوى الله سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: 2)، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4).
- استشعار عجز النفس أمام العسر:
وهي الحالة التي وصل إليها كعب بن مالك مع صاحبيه رضي الله عنهم في محنتهم: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: 118).
- فن استخدام مخزون المؤمن الاستراتيجي:
وهو أن نحسن توظيف المحن إلى منح نكتشف بها كنزنا السحري وأهم محنة نحولها إلى منحة هي حسن توظيف حالة الشعور بالظلم؛ وأن نتذكر ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102).
إن من تعاسة العبد، وعثرة قدمه وسقوط مكانته ظلمه لعباد الله، وهضمه حقوقهم، وسحقه ضعيفهم، حتى قال أحد الحكماء:
خف ممن لم يجد له عليك ناصرًا إلا الله.
ولقد حفظ لنا تاريخ الأمم أمثلة في الأذهان عن عواقب الظلمة، فهذا عامر بن الطفيل يكيد للرسول ﷺ، ويحاول اغتياله فيدعو عليه ﷺ، فيبتليه الله بغدة في نحره فيموت لساعته، وهو يصرخ من الألم.
وأربد بن قيس يؤذي رسول الله ﷺ، ويسعى في تدبير قتله، فيدعو عليه، فيُنزل الله عليه صاعقة تحرقه هو وبعيره.
وقبل أن يقتل الحجاج بن يوسف الثقفي التابعي الجليل سعيد بن جبير بوقت قصير، دعا عليه سعيد وقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي. فأصاب الحجاج خراج في يده، ثمَّ انتشر في جسمه، فأخذ يخور كما يخور الثور، ثم مات في حالة مؤسفة.
واختفى سفيان الثوري خوفًا من أبي جعفر المنصور، وخرج أبو جعفر يريد الحرم المكي وسفيان داخل الحرم، فقام سفيان وأخذ بأستار الكعبة، ودعا الله عز وجل ألا يدخل أبا جعفر بيته، فمات أبو جعفر عند بئر ميمون قبل دخوله مكة.
وحمزة البسيوني كان يعذب المسلمين في سجن جمال عبد الناصر «مصر»، ويقول في كلمة له مؤذية: «أين إلهكم لأضعه في الحديد»؟ -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- فاصطدمت سيارته -وهو خارج من القاهرة إلى الإسكندرية- بشاحنة تحمل حديدًا، فدخل الحديد في جسمه من أعلى رأسه إلى أحشائه، وعَجَزَ المنقذون أن يُخرجوه إلا قطعاً، ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ (القصص: 39)، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15).
- أن نتيقن أن مع كل انسداد، فتوحات مضاعفة:
ولنتدبر أجمل نصيحة وصلت إلينا من أحد كبار المربين؛ وهي أيها السائر الحبيب، فرغ خاطرك للهم بما أمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك، فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيًا، كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقًا من طرقه فتح لك برحمته طريقًا أنفع لك منه، فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه، وهو الدم، من طريق واحد وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم، وانقطعت تلك الطريق، فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لبنا خالصًا سائغًا، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا أربعًا أكمل منها؛ طعامان وشرابان، فالطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من المياه والألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ، فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربع، لكن سبحانه فتح له -إن كان سعيدًا- طرقا ثماني، وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (۳).
- أن نجيد فن استخدام رصيدنا الإيماني:
ونقصد به أن نتعلم مهارات توظيف «القوة الدعائية»، أي تنمية سبيل استمطار التوفيق الإلهي، وذلك بالدعاء الخاشع، والثقة فيما عنده سبحانه، وحسن الظن به سبحانه.
ومن الأسرار الطيبة البعيدة لهذه القوة:
- تدبر أمره سبحانه بالدعاء، ثم تحذيره للذين يستكبرون عن التوجه لله بأن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60).
فهي دعوة للتمسك بسلاح الدعاء كجانب عبادي، والعبادة من أهم وسائل التربية الروحية.
(۲) تدبر بعض ما ورد في فضل الدعاء وأسراره، وكيف أن بعض الدعوات المخلصة قد استحالت إلى قوى مادية حركت الصخرة التي عجز ثلاثة من الرجال أن يحركوها عن باب الغار! وذلك في قصة «الثلاثة والصخرة» التي رواها الحبيب (٤).
(۳) تدبر قوله: «الدعاء هو العبادة» (٥).[3]
فلا تستهن بدعواتك
أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد، وللأمد انقضاء
فيرسلها إذا ما شاء ربي ويمسكها إذا حم القضاء
- استدعاء دعوات اللحظات الحرجة:
وهو أن نجيد استخدام هذه الدعوات الخالصة النازفة! عن ابن عباس رضي الله عنهما: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173) (٦).
وكان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل (۷).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى عليه السلام حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟!» فقلنا: بلى، يا رسول الله! قال: «قولوا اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم» (۸).[4]
-----------------------------------
الهوامش
(*) شاري الراوي
(1) في ظلال القرآن: سيد قطب ٢٠/ ٢٦٥٨.
(2) رواه مسلم.
(3) الفوائد: ابن القيم ١٠٣- ١٠٤.
(4)متفق عليه.
(5) رواه أبو داوود وحسنه الترمذي.
(6) صحيح البخاري- جزء ٤- صفحة ١٦٦٢- برقم ٤٢٨٧.
(7)صحيح البخاري- جزء ٤- صفحة ١٦٦٢- رقم ٤٢٨٨.
(8)المعجم الأوسط- ٣/ ٢٥٦- ٣٣٩٤- ومجمع الزوائد- ۱۰/ ۲۹۳- رقم ١٧٤٢٧- رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم- ورواه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب ١٠/ ٢٨٦- ١١٥٠.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل