; كيف نصوم رمضان ؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف نصوم رمضان ؟

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992

مشاهدات 53

نشر في العدد 992

نشر في الصفحة 34

الأحد 08-مارس-1992

 

اقتناص المناسبات

يخترق قائد الأمة وحبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم صفوف المصلين متجهًا إلى المنبر في صلاة الجمعة، ويرتقي أول درجة في المنبر فيقول آمين، ويرقى الأخرى فيقول آمين، ويرقى الثالثة فيقول آمين، والعيون كلها متجهة إليه، كأنها تتساءل وتسأل ماذا عسى أن يكون وراء هذا التأمين، ولولا أدب الجمعة الذي أدبهم عليه المربي الأول صلى الله عليه وسلم لما صمتوا كل هذا الوقت ينتظرون معنى لهذا التأمين، ولم يمض كثير من الوقت حتى انتصب بقامته المهيبة أمامهم قائلاً ومبينًا سبب ذلك التأمين «أتاني جبريل، فقال: يا محمد، من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده اللهُ قل آمين، فقلتُ آمين، قال: يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده اللهُ، قل: آمين، فقلتُ: آمين قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين فقلتُ: آمين..».

 هؤلاء الثلاثة الذين جاء ذكرهم في الحديث الشريف هم من أتعس الناس وأكثرهم حماقة، ذلك لأنه جاءهم فرص كبيرة في حياتهم تجعلهم في أعلى عليين لو استغلوها واقتنصوها، ولكنهم غفلوا عنها، حتى فاتت عليهم تلك الفرص ولات حين مندم. ولا شك أن رمضان من هذه الفرص العظيمة التي تأتي على الناس مرة واحدة في السنة، فيها تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين ومردة الجن، وفيها ليلة خير من ألف شهر، أي العمل فيها خير من ألف شهر في غيرها من الشهور فمن لا يقتنص كل هذه الفرص فلا شك في نقصان عقله..


يستحقون هذه الدعوة

ومثل هؤلاء يستحقون دعوة جبريل التي لا ترد ويؤكدها تأمين سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام، والخطورة في هذا الدعاء هو الإبعاد من قبل الرحمن، والذي يرعب في هذا الدعاء أنه كان مطلقًا هكذا فأبعده الله، فقد تكون شاملة للإبعاد من رحمة الله والإبعاد عن الجنة، والإبعاد عن التوفيق في الدنيا والإبعاد عن سعادة الدنيا والآخرة ومثاله عندما يشرح المدرس لطلبته في الفصل الدرس ثلاثين مرة، فيقول في نهايتها من يرسب في الامتحان بعد هذا التكرار في الشرح فلا يستحق الشفقة والمساعدة، ولله المثل الأعلى.


مدرسة الانتصار على النفس

الكثير من الناس يحسب أن الصوم هو الإمساك عن الطعام من الفجر الصادق إلى غروب الشمس فحسب، فيصوم رمضان ولا يصوم منه إلا معدته، فلسانه فاطر فاجر وأذنه فاطرة تسمع كل ما هو محرم ومكروه وعيناه فاطرتان تقع على كل ما نهى الله عن رؤيته، ويداه فاطرتان يظلم بهما ويفجر وقدماه فاطرتان لا يعصمهما عن الذهاب إلى أماكن اللهو والغفلة، ولهذه الفئة من الناس قال الرسول صلى الله عليه وسلم «رب قائم حظه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش».«2» وقال في الحديث الآخر منبهًا للمعنى الصحيح الشامل للصيام «الصيام جنة من النار، فمن أصبح صائمًا فلا يجهل يومئذٍ. وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه وليقل: إني صائم، والذي نفس محمد بيده الخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». «3» فهو يقول «إني صائم» يذكر بها نفسه أنه ليس صائمًا فقط عن الطعام، بل إنه صوم جوارحه عن كل ما نهى الله عنه من الأذى وهو أيضًا ينبه الشاتم لهذا المعنى الجليل لعله يرتدع. فإذا كانت الجوارح بمجموعها تقوم بهذا الصوم الجماعي عن الأذى لمدة ثلاثين يومًا فأي مدرسة أعظم في التربية من مدرسة رمضان، تصنع الرجال، والقادة الذين يديرون العالم بسمو أخلاقهم الربانية.


إثارة الشعور النائم

إن المادية التي تغرق فيها حتى النخاع والانشغال الدنيوي اليومي في مجالات الدنيا يضفي غشاء من الغفلة على كثير من النفوس يحجب عنها الشعور بالآخرين... فلا تفكر إلا في إطارها وفي قوقعتها الضيقة بينما يفجر هذا الشهر في النفوس ذلك الشعور النائم عند الكثير فعندما يقرصه ألم الجوع والعطش يتذكر إخوانًا له أسرى في السجون أرغموا على صيام ما يزيد على سنة في سجون الطغاة، ويتذكر أولئك المشردين على حدود باكستان يموت الكثير منهم جوعًا وبردًا، وفي إفريقيا حيث لا يجد الكثير منهم قوت يومه، وكذا الحال في الكثير من بلاد المسلمين وأمام هذا الشعور المستيقظ، يقرر ذلك المنتبه المشاركة في التخفيف عن آلام إخوانه المسلمين إما بالمال وإما بالدعاء في جوف الليل وفي السجود وتبدأ أجزاء الجسم الكبير بالإحساس بعضها ببعض مؤذنة بعودة العافية للمارد الجبار، ولكن ليت هذا الشعور يظل مستيقظًا!!


كلمة للموسميين

هكذا هم عباد المواسم، لا تراهم في المساجد إلا في الجمع، أو الأعياد أو رمضان ولا تراها تتحجب إلا في العمرة أو الحج أو رمضان أو عند العزاء، إن النسيانُ للحقيقة الكبرى بأن الله تعالى هو الحي الذي لا يموت، وهو رب الأشهر كلها والأيام والسنين، وأنه لم يأمر بعبادته في موسم دون موسم، وليس من روح الإسلام ذلك الترقيع، والتنكب، والمزاجية في التقرب والابتعاد، ولا يجوز أن نعبد الله من أجل غاية دنيوية زائلة، فإذا ما انقضت عدنا لما كنا عليه كما قال الشاعر: صلى وصام لأمر كان يطلبه *** فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «أوصني» فقال له «وقل آمنت بالله ثم استقم». «4» نسأل الله العظيم أن يُعزَّ الإسلام والمسلمين، ويعينهم على أنفسهم وشياطينهم ودنياهم إنه هو العزيز الحكيم.


الهوامش

«1» الطبراني بإسناد صحيح- وصححه الألباني ص ج ص 75

«2» الطبراني بإسناد صحيح «ص. ج ص 3484»

«3» النسائي بإسناد صحيح «ص ج ص 3772»

«4» حم بإسناد صحيح «ص ج ص 4271»

الرابط المختصر :