العنوان كيف نقرأ تاريخنا ونفهمه؟ (۸): تراجم المعاصرين
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2013
مشاهدات 57
نشر في العدد 2035
نشر في الصفحة 40
السبت 12-يناير-2013
* الناظر التراجم عظماء ونبلاء وفضلاء القرن ١٤ هـ / ٢٠م يجد أن كثيرًا منها لم يدون بعد أو دون وفقد أو بقي مخطوطًا
* تراجم السلف الماضين أعظم أثرًا وأجل عملًا من تراجم المعاصرين
* كتب تراجم السلف علماء كبار و حفاظ عظماء بينما لم يكتب علماء عصرنا التراجم وتركوها لطلابهم أو الأساتذة غير المتخصصين في الشريعة
* كثير ممن كتب تراجم المعاصرين نهج المنهج العلمي الجاف الذي تصبح التراجم بسببه كأنها قطعة من النثر الممل
* طرائق إيراد الترجمة عند المعاصرين تجلب الملل لقارنها بخلاف قارئ تراجم السلف الماضين فإنه يستمتع بها غاية الاستمتاع
إن تراجم المعاصرين لها مزايا وخصائص تختلف عما سبق ذكره من تراجم في جوانب وتتفق في جوانب أخرى، فمن نقاط الاتفاق التراجم المتميزة بقوتها وجلالتها لها اثرها البالغ على المطلعين عليها.
جاذبية التراجم القوية وتشويقها تشترك فيها تراجم السلف الماضين والعظماء المعاصرين.
ومن نقاط الافتراق ما يلي:
1- تراجم السلف الماضين أعظم أثرًا وأجل عملًا من تراجم المعاصرين في الجملة وإلا ففي المعاصرين من ضرب أروع الأمثلة وأجلها، وجاهد واستفرغ وسعه وبذل طاقته مع ما أحاط به من عوامل التينيس والترهيب والتشويه.
2- العناية بتراجم من مضى أعظم من العناية بتراجم المعاصرين، وهذا عجيب لأنه كان ينبغي لعلم التراجم أن يرتقي الرقي الطبيعي عبر القرون كما ترتقي سائر العلوم والفنون والناظر لتراجم عظماء ونبلاء وفضلاء القرن الرابع عشر الهجري العشرين الميلادي يجد أن كثيرًا جدًا منها لم يدون بعد أو دون وفقد أو بقي مخطوطًا، ثم إنه لا يوجد لها ديوان جامع إلى الآن يجمعها، بينما سلفنا ترجموا لعظمائهم في دواوين جامعة لكل قرن ابتداء من القرن الثامن الهجري كما تقدم في المبحث الأول.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن طرائق إيراد الترجمة عند المعاصرين تجلب الملل لقارئها بخلاف قارئ تراجم السلف الماضين فإنه يستمتع بها غاية الاستمتاع وذلك لأن أكثر من كتب تراجم المعاصرين كان ينهج المنهج العلمي الجاف الذي تصبح التراجم بسببه كأنها قطعة من النثر المحل الذي لا يكاد يؤثر في القارئ إلا قليلًا.
علماء وحفاظ
3- كتب تراجم السلف والخلف - غالبًا - علماء كبار، وحفاظ عظماء كالحافظ السبكي، الحافظ الذهبي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي، والحافظ السيوطي والإسنوي، والمرادي مفتي الشام، وعبد الحي الندوي العالم الهندي، ومحمد بن الطيب القادري المغربي، والشوكاني.. وغيرهم.
بينما لم يكتب علماء عصرنا - في الغالب - التراجم وتركوها لطلابهم، أو الأساتذة غير المتخصصين في الشريعة، وكان لهذا أثره في ضعف كثير من التراجم التي كتبت لأهل القرن الرابع عشر الهجري العشرين الميلادي. الضعف من حيث الركاكة في الصياغة والضعف من حيث الأخطاء الشرعية التي يقع فيها كاتبو تلك التراجم قد ترجم أسلافنا لبعض الضلال والمبتدعة، لكنهم نقدوا أحوالهم، ولم يعظموا أمرهم - غالبًا - أما خلال عصرنا فقد عظمهم من ترجم لهم تعظيمًا بالغًا ورفعوا من شأنهم، وليسوا على الناس أمرهم، وقد جرى هذا لجماعة كبيرة من الماركسيين والشيوعيين والقوميين والناصريين والبعثيين والعلمانيين اللادينيين، فقد ترجم لهم تلاميذهم ومحبوهم وتابعوهم تراجم مملوءة بالضلال والمروق وعظموا من شأنهم تعظيمًا لا مزيد عليه، وقد كثر هذا في الحقبة المظلمة من القرن الفائت.
أعني بها الأربعينيات الهجرية إلى نهاية القرن أو العشرينيات الميلادية إلى نهاية القرن عندما لم يكن للإسلام ولا لمنهجه ولا تشرعه كبير اعتبار عند كثير من المثقفين والمتصدرين للشأن السياسي والاجتماعي، والناظر نظرة عجلي للمكتبة التاريخية المعاصرة يعلم هذا ويجده في متناول اليد.
كان السلف والخلف يتصدرون للتراجم بلا وجل، ولا إشفاق من عواقب صنيعهم، فإن تجنبوا شيئا فإنهم يتجنبون ذكر واليهم في زمان تدوين الترجمة إن كان ممن يخشى بطشه، اما في زماننا هذا فإن كثيرا من التراجم يخشى من كتابتها الضرر. ثم إذا كتبت على وجهها فإنها لا تجد لها ناشرًا، وإن وجدت فبعض الناشرين المغمورين وهذا هو السبب في أن أكثر الشخصيات التي كانت تلي الشأن العام لم يترجم لها إلى يوم الناس هذا، أو ترجم لها لكن لم تنشر بعد، والله أعلم.
أحاط بالمترجمين في عصرنا من ذوي الاتجاهات الإسلامية من الأحوال وتغير الزمان وتبدل الأوضاع ما لم يحط بأسلافنا وقد أثر هذا أثرا بالغا في كل جوانب الترجمة تقريبا، وقد فصلت في هذا في بعض المباحث السابقة، لذلك فإن قارئ تراجم عظماء عصرنا قد تفاجته بعض الحوادث والأحوال التي ربما لا تليق بصاحب الترجمة، فإن وجد مثل ذلك فليحمله على تغير الزمان وتبدل الأوضاع والمفاهيم، وهذا يبدو واضحًا في تراجم من عاش في القرن الفائت والذي قبله.
توازن مقبول
قد كان أسلافنا يكتبون التراجم بتوازن مقبول إلى حد ما، فكانوا يوردون أخبار المغاربة والأندلسيين والمشارقة العرب والعجم على اختلاف بلدانهم فلا يكادون يغادرون منطقة إلا ويوردون من تراجم أهلها قليلًا أو كثيرا لكن الناظر إلى عصرنا يجد أن هذا التوازن مختل إلى حد كبير إذ أين هي تراجم عظماء الملايو من أهل ماليزيا وإندونيسيا وتلك البلاد خاصة في القرن الماضي وما قبله؟ و اين هي تراجم مسلمي الصين؟ واين هي تراجم مسلمي الترك في آسيا الوسطى بلاد القزق والقرغيز والتركمان والأوزيك؟
واين هي تراجم عظماء أفريقيا السوداء؟ واين هي تراجم عظماء السنة في بلاد فارس؟
فهنالك نقص كبير، بل استطيع أن أقول: إنه لا وجود اليوم لتراجم أكثر ما ذكرته من مناطق وبلاد، وإن وجدت فهي باللغة المحلية ويشوبها نقص وخلط وضعف وأقول هذا عن علم وتجربة ومعاناة، وإنا لله وإنا إليه راجعون وليت المجامع الثقافية العربية والإسلامية تضطلع بهذا العبء وتجعل على نفسها مهمة إحياء هذه التراجم والعناية بها، خاصة أن هذا من صلب عملها واهتماماتها. الكثرة الكاثرة من عظماء السلف والخلف قد وقوا حقهم في تراجم جليلة مضيئة استقرت عبر توالي السنين الطويلة.
أما المعاصرون فازعم أن كثيرًا منهم لم يوف حقه بعد من الترجمة المظهرة لفضله، والمبينة العظيم عمله، وبعضهم قد ظلم وتعدي عليه، وقلبت حسناته إلى سلسلة متتالية من السيئات في سياق من عدم الإنصاف لم يسبق له نظير: فإن عظماء السلف والخلف إذا ظلم مؤرخ ما واحدًا منهم هرع سائر المؤرخين لإنصافه، أما هؤلاء الذين ظلموا من أهل عصرنا فقل من ينصفهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فإن هذه من المصائب التي يسترجع لها، والله.
(*) داعية سعودي- المشرف على موقع التاريخ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل