; كيف وصل الإسلام إلى روسيا؟! | مجلة المجتمع

العنوان كيف وصل الإسلام إلى روسيا؟!

الكاتب عاطف عبدالحميد

تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1638

نشر في الصفحة 26

السبت 12-فبراير-2005

تقول الأسطورة التاريخية: إنّ القيصر الروسي فلاديمير جمع في عام ٩٨٨م ثلاثة من ممثلي الديانات السماوية الثلاث، ليختار إحداها ديانةً لمملكته الشابه، وأُعجب الأمير أكثر ما أُعجب بمبادئ الدين الإسلامي لولا أنه اشترط على الفقيه الذى استشاره أن يسمح له وللشعب الروسي بشرب الخمر الذي لا يمكن أن يحيوا من دونه ولما رفض الفقيه، اختار الأمير فلاديمير المسيحية التي تسمح بعض تفسيراتها بأن قليلاً من الخمر يشرح القلب.

 بعيداً عن الأسطورة يقدم رافيل بخارييف في بحثه التاريخي الرصين الإسلام في روسيا .الفصول الأربعة :مبحثاً رائداً أسماه «ربيع الإسلام في روسيا»، يستعرض وصول الإسلام إلى روسيا وبداية انتشاره فيما بين عامي ٩٣٢ و ١٢٢٩ ميلادية.

 يعرض لنا بخارييف معلوماتٍ حصل عليها من مخطوطات إسلامية نادرة في المكتبات الإسلامية في روسيا تتعرض للرحلة التي حملتْ بشارةَ الإسلام إلى تلك المنطقة النائية من العالم على حافة سيبيريا في الشرق وجبال الأورال في الغرب لتسجل لحظة ميلاد الأمة الإسلامية في روسيا. التي يصل عمرها اليوم لأكثر من أحد عشر قرناً من الزمان.

 ففي عام (۹۲۱م (۳۰۹هـ) خرجتْ من بغداد بعثة دينية سياسية بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله، إلى قلب القارة الآسيوية في مكان عرف وقتها باسم «أرض الصقالبة » تلبية لطلب ملك البلغار ويعرف باسم «الموش بن يلطوار» التعريف بالدين الإسلامي وتألفت الرحلة من حشد من العلماء والفقهاء ورجال دولة ومؤرخين وفي مقدمتهم الرجل الموسوعي أحمد بن فضلان الذي أخرج مشاهداته على طول الطريق من بغداد إلى أرض البلغار في كتاب الرسالة الذي يعد نقلةً نوعية في فن كتابة الرحلة العربية التي كانت غارقة في مفاهيم السرد فنقلتها إلى مستوى التحليل الإثنوغرافي لشعوبٍ وقبائلَ لم يكن العالم يعرف عنها شيئاً.

 غير أنّ الثابت ومن خلال مراجعتنا لتاريخ انتشار الإسلام في القارة الآسيوية  يفيد بأنّ الرحلة لم تكن أول من قدم الإسلام إلى بلغارالفولغا، فمن شأن ذلك أن يبخس حقوق التجار الذين قدّموا بسلاسة متناهية المبادئ العامة للإسلام، وأهمها تلك القائمة على الأمانة وطيب المعاملة، وقد خطّ هؤلاء التجار الطريق الطويل بين بغداد وممالك آسيا الوسطى من ناحية، وبلاد البلغار والقبائل الروسية من ناحية ثانية.

 ومما يدعم هذه الفرضية ما تقدمه دراسة« ايسولو يونوسيف» أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة بشكيريا بروسيا، والتي تشير إلى أنّ أقدم الأدلة الأركيولوجية التي تشير إلى علاقة الأراضي الإسلامية اليوم في روسيا بالحضارة الإسلامية ترجع إلى القرن الثامن الميلادي على الأقل، حيثما دلّت على ذلك الحفريات الأثرية في منطقة ليفا شوفيسكي في جمهورية بشكيريا الإسلامية. وأهمّ هذه الآثار دراهم ودنانير فضيّة وذهبية لخلفاء الدولة العباسية، بل إنّ هناك عملاتٌ عربية عُثر عليها تعود إلى القرن الثاني الميلادي. 

وهكذا، فإنّ دور سفارة بن فضلان اقتصر في واقع الأمر على توقيع الاتفاق الرسمي، بين ملك البلغار والخليفة العباسي في نقل الأفكار الإسلامية إلى النخبة الحاكمة في بلاد البلغار. 

ومع اعتناق هذه النخبة للإسلام مارس البلغار الشعائر الإسلامية مشوبةً بالأعراف والتقاليد والعادات لعقود طويلة تالية، إلى أن تسللت برشاقة الأفكار الجديدة الآتية من مدرسة بخاري (المركز المنير في قلب آسيا ) لتصلح كثيراً من الأعطاب في الفهم.

 كما يجب أن نلتفت إلى أنّ الرحلة مع ذلك لم تقدم الإسلام إلى روسيا بالمفهوم الجغرافي للإقليم الروسي عبر التاريخ! ففي ذلك التعبير المجازي مغالطة جغرافية، لأن بن فضلان قدم رسالة الإسلام إلى شعب البلغار. وينتمي البلغار إلى أتراك آسيا الوسطى، ومنها تحركوا نحو نهر الفولغا واستعمروا ضفافه، كما تحركتْ شعبة منهم إلى شرق أوروبا مع قبائل الهند في نهاية القرن الرابع الميلادي ليستقرّوا فيما هو معروف اليوم في دولة بلغاريا في جنوب شرق أوروبا، وهذه شعبة مختلفة عن بِلغار الفولغا في قلب آسيا، والتي قدم بن فضلان الإسلام إليها. 

وآخر حدودٍ لروسيا في ذلك الزمان عند جبال الأورال، وبالتالي فإن روسيا أنذاك لم تكن أكثر من مملكة مجاورة لمملكة بلغار الفولغا . واستمرت العلاقة ندية بين بلغار الفولغا المسلمين والروس الذين طمعوا في ثرواتهم وأرضهم، وظلوا يتحيّنون الفرصة من بداية القرن العاشر إلى منتصف القرن السادس عشر، إلى أن تمكن القيصر الروسي «إيفان الرهيب» من إخضاع مسلمي الفولغا فأسقط عاصمتهم كازان في ١٥٥٢م. 

بل إنّ بعض الباحثين أمثال« جالينا يمالينوفا» التي وضعت في دراستها عن تاريخ الاسلام في روسيا مبحثًا اسمتْه تتصير روسيا ، ناقشت كيف كان لدخول الإسلام إلى بلغار الفولجا آثاره السياسية الكبيرة على الخيارات المتبقية أمام الروس لاختيار عقيدة لهم، وفي عام ٩٨٨م . تدلل يمالينوفا - قام الأمير فلاديمير أمير روسيا «كييف» بإعلان المسيحية اليونانية ديانة لإمارته كتمييز لها عن المسيحية الكاثوليكية الموجودة إلى الغرب منه في كلٍّ من بولندا والمجر والدويلات الجرمانية، وعن اليهودية الخزرية في الجنوب وعن الإسلام في بلغار الفولغا والدولة الإسلامية في الجنوب الشرقي، ومع هذا استمرت العبادات الوثنية في روسيا رغم الديانة الأرثوذكسية في وقتٍ استطاع الإسلام السنيّ الحنفيّ أن يتصالح مع الأوضاع التي وجدها بين السكان، تقول يماليتنوفا: فساعده ذلك على الانتشار والقبول.

 ومع القرن السادس عشر كان الإسلام قد صار جزءاً لا يتجزأ من نمط الحياة في الفولغا وفي كل من تترستان وبشكيريا على وجه الخصوص، وبينما حدث الصِدام المسلح بين الإمارة الروسية وتترستان، يشير «أيسولو يونسوف»  إلى أنه قد حدث نوع من الاتفاق بين البشكير والقيصر الروسي - إيفان الرهيب- على دخول بشكورتوستان في مركب روسيا القيصرية مع احتفاظها بالإسلام ديناً بحيث تنجو من الدخول عنوة أو أن تجير على اعتناق المسيحية.

 ورغم احتفاظ تترستان وبشكيريا بالإسلام، إلا أن ارثوذوكسية روسيا القيصرية لم تنفك تحاول إجبار المسلمين على ترك دينهم بالترهيب تارة أو بدفع رواتب واغراءات مالية تارة أخرى، بل إنها لم تتورع خلال القرن السادس عشر عن رفع الصُّلبان محل المآذن. 

ومن الخصوصيات الأخرى التي ميّزت إسلام بشكيريا وتترستان: التعارض بين القوانين الاقتصادية للإسلام وقوانين روسيا المسيحية خاصةً فيما يتعلق منها بممتلكات الوقف التي كانت تتبع المؤسسات الدينية والتي صادرتها السلطة القيصرية دون اعتناء بالمضمون الديني للوقف، فبعد أن استولى الروس عُنوة على مدن كازان واستراخان تعرض التتار – نقتبس هنا ثانية من يونسوف – لعملية مسخ الهوية الإسلامية وصبغها بصبغة مسيحية.

 وبدأت سلسة تدمير المساجد في إقليم نهر الفولغا، وواكَب الكفاح الإسلامي رد فعلٍ من بعثة دينية سياسية بتكليف من الخليفة العباسي تلبيةً لطلب ملك البلغار للتعريف بالدين الإسلامي 

السلطة عمدت إلى سحب كافة الأراضي المسماة بالوقف وتم ضمها إلى مؤسسات مسيحية.

 ومع تطور الرأسمالية في روسيا في القرن التاسع عشر بدأ المسلمون يقتنون أراضٍ ومحالٍ ومخازنَ تجارية، ويشيّدون المساجد بجهود فردية، غير أن الشيوعية التي اجتاحت روسيا في النصف الأول من القرن العشرين سرعان ما أعادت مفاهيم القهر والتضييق وازدراء الدين فقد نظر البلاشفة إلى الدين باعتباره أفيوناً للجماهير، ومن ثم صنفته كعدو للشعوب السوفييتية، وهكذا عمل السوفييت على إجهاض المؤسسات الدينية التي تشكلت خلال الفترة الرأسمالية والتي - حسب الرؤية الشيوعية - استغل فيها الإنسان (رجل الدين) الإنسان( الرجل الكادح)

 وجاء ضرب الإسلام نتيجة خوف البلاشفة من الأفكار التي شاعت مبكراً بين مسلمي الإقليم حول الجامعة الإسلامية أو الجامعة التركية وهي أفكار كفيلة - لو تحققت- بتهديد روسيا التي كانت ما تزال تصاغ حدودها في ذلك الوقت.

 وكان انهيار الإمبراطورية العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى واختفاء الخلافة الإسلامية جنباً إلى جنب مع ظهور العلمانية في عديد من دول العالم الإسلامي في الربع الأول من القرن العشرين بمثابة الظروف التاريخية المُثلى التي ساعدتْ البلاشفة على توصيل حملتهم المُعادية للأديان إلى المناطق الإسلامية الخاضعة لحكمهم، وأنّ السعي إلى تحريك الجماهير الإسلامية الكادحة، وخلق إنسانٍ مسلمٍ سوفييتي جديد في المناطق الإسلامية لم يكن ليتأتي من دون علمنةٍ لهذا المجتمع..

 وهكذا قامت الدعاية الإلحادية بمهاجمة ما أسمته الرجعية الإسلامية التي تقف عقبةً في سبيل بناء المجتمع الشيوعي. أمّا القيم التي تم نقلها للشباب عبر الحزب الشيوعي ولجانه الشبابية، فقد سعتْ إلى إزاحة العادات والتعاليم الإسلامية عن السطح.

 والإسلام الذي تبقى بعد الهجمة الشيوعية في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات صار الإسلام المستأنس غير القادر على التكيُّف مع وحشية السياسات المعادية للدين.. والآن كيف عاش المسلمون في روسيا السوفيتية وما بعدها؟ هذا ما تنتظره في عدد قادم بإذن الله 

الرابط المختصر :