العنوان كيف يحوز الداعية فقه الدعوة (٢) : تأصيل المنهج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-يوليو-2006
مشاهدات 80
نشر في العدد 1711
نشر في الصفحة 66
السبت 22-يوليو-2006
بقلم: أ. محمد أحمد الراشد[1]
تناولنا في العدد الماضي عملية بناء العناصر الثقيلة في الدعوة إلى الله التي لا تهتز عند المحن والفتن ولا تبذل طاقاتها في غير موطنها، وتحدثنا عن أول هذه العناصر وهو توحيد الفهم.
واليوم نتناول غايتين أخريين في فقه الدعوة.
الغاية الثانية: إنشاء طبقة قيادية
فإنشاء طبقة قيادية تشارك في تحمل الأعباء التي تقود طاقات المجتمع، غاية ثانية تعدل الغاية الأولى في الأهمية؛ لأنك إن أوجدت مجموعة متجانسة. فماذا بعد هذا التجانس؟ ربيت دعاة، ثم ماذا؟
إن لم تجد لهم مكانًا لتصريف طاقاتهم ستتحول هذه الطاقة إلى ازدياد وفي مكان محصور وضيق حتى تنفجر، كالبخار المحصور الذي إن لم ترسله إلى الخارج إما أن ينفجر الإناء الذي فيه، وإما أن يذهب هدرًا إلى غير حاجة، بينما إذا جمعت هذا البخار في مكان محصور، ثم أرسلته من خلال قناة إلى محرك فإنه يولد لك طاقة فيشغل معملًا، أو يشغل قاطرة، وتكون قد كسبت هذه الطاقة التي عندك.
كثيرًا ما تكون عملية التربية ناجحة وعملية التنظيم ناجحة بحيث تكون الوحدة التنظيمية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك: ثم ماذا؟ أين تصرف طاقات هؤلاء؟
هنا تبرز هذه المسألة التي نقولها، وهي:
كيف تقود طاقات المجتمع؟ وكيف تتفنن في الوصول إلى المجتمع؟
طاقة القيادة هي من أهم العطاءات في العمل الإسلامي، ويجب أن نعلم كل داعية مسلم كيف يستطيع أن يفرض نفسه على المسلمين الآخرين غير المنتظمين المبتدئين يفرض نفسه كقائد لهم، وهنا لا نعني القيادة داخل الجماعة الواحدة وهي مقصودة أيضًا، لكن لا ندعو الأخ إلى القيادة؛ لأن فيها نوعًا من الاستشراف لأمر مكروه، ولكن أن يتعلم هذا العلم بنية أن يكون قائدًا لغيره، أو أن يتعلم هذا العلم حتى ينافس أقرانه ويغالب على قيادة مركز عال في الجماعة، فهذا من المكروه شرعًا، ولسنا ندلكم على مثل هذا الباب، ولكن المجتمع.
نعم، نقول قودوا طاقات المجتمع، فما زال الإيمان عامرًا في قلوب الناس، وما زالت الحماسة كبيرة، وفي مجتمعاتنا طاقة إسلامية كبيرة، كيف أقود هذه الطاقة إلى أن تؤدي عملها ودورها في خدمة العالم الإسلامي أجمع؟
هذا سؤال كبير الإجابة عليه تتم من خلال مخيمات الصهر التربوي؛ لأن الفن التربوي فن معقد، نعم، ففن الدعوة والتبشير وتجميع الناس فن معقد -أيها الإخوة- فن تنظيمهم وجمع خيرهم في بوتقة واحدة هو أيضًا فن معقد، ويلزم له تجريب كثير فصناعة الطاقات أو قيادة هذه الطاقات من أجل الغايات.
الغاية الثالثة: تأصيل المنهج
تأصيل المنهج -بما تطرحه دروس الدورات التربوية من آراء فقهية مستلهمة من كتب التراث- قد تعجز طاقات الداعية الفرد عن رؤيته، فحين بدأ العمل الإسلامي الحديث كان بعض الإخوة يظنون أن هذا الفن التنظيمي والتربوي هو من المبتكرات الحديثة التي أخذناها عن الغرب، ويمكن أن تسيح فيها عقولنا سياحة مطلقة، ولكن بعض الرواد من الدعاة الأوائل الذين أحنوا ظهورهم وراء الكتب، وأطالوا جلستهم مع هذه الكتب التراثية، استطاعوا أن يكشفوا لنا شيئًا كبيرًا من فقه الدعوة يكمن في كتب الفقه التي كنا نظن أنها فقط للعبادات أو للمعاملات الشرعية العادية، مما يجري من ضبط البيع وضبط الإيجار، وضبط كذا وكذا من أمور الناس العرفية، ولكن مع الصبر في هذه المطالعة والتأني الطويل من قبل بعض الدعاة كشف لنا شيء كبير من فقه الدعوة التنظيمي والتربوي بل والسياسي أيضًا.
واليوم يجد الداعية أسطرًا لابن تيمية -رحمه الله- مثلًا أو للشافعي أو لفقيه آخر من فقهاء السلف، هذه الأسطر تغني عن مجلدات في المحاورة العقلية إذا أردت إقناع المسلم بها: لأن الاحترام للإمام الشافعي أو للإمام أحمد بن حنبل أو للإمام مالك بن أنس أو ابن تيمية أو لمثل آخرين قاموا بواجبهم في هذا المجال هذا الاحترام هو الذي يختصر لك كمية القناعة التي يحتاجها الداعية المخاطب، وما زالت هناك أسطر قليلة تسمعها لهؤلاء السلف تهز السامع أكثر مما تهزه الكلمات العقلية المجردة التي يؤلفها الداعية المعاصر.
يتبع