; كيف يعامل المرضى العرب في مستشفيات باريس؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يعامل المرضى العرب في مستشفيات باريس؟

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

مشاهدات 58

نشر في العدد 1079

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

معاناة المرضى في بلاد الغربة

المرض ابتلاء في حد ذاته، أما أن تضاف إليه وحشة الغربة وقلة العناية الطبية فإنه يتحول إلى معاناة لا يدرك حجمها وثقلها إلا من يعيشها. ومن بين هؤلاء الممتحنين المرضى المسلمون الذين ترسلهم بلدانهم للعلاج بالخارج، والفكرة السائدة أنهم يتمتعون بعناية خاصة وبخدمات راقية في البلدان التي تستقبلهم، لكن الواقع يثبت وجود مفارقة بين التصورات المتأثرة برواسب الحقبة الاستعمارية والخاضعة للقاعدة «يتبع الغالب المغلوب»، وبين نوعية المعاملة التي تقدمها المؤسسات الطبية للمرضى المسلمين المبعوثين من طرف حكومات بلدانهم.

والمسؤولية بالدرجة الأولى عن هذه المعاناة تعود إلى السلطات المعنية القائمة بعملية إرسال المرضى بحكم أعمالها لمتابعة أحوالهم، والنتيجة أن المرض تحول إلى جحيم في بلاد الغربة، وأنه خارج العناية الطبية خلال العملية الجراحية - إن تمت - تمسي الإقامة في المستشفى ضربًا من الروتين الثقيل في غياب تبني حقيقي لهموم هؤلاء المرضى ومعاناتهم ومحاولة عزلهم عن الجالية الإسلامية المقيمة في البلاد الغربية.

ويستعرض هذا التحقيق صورة حية عن الواقع المؤلم لعدد من المرضى القادمين من الجزائر والمقيمين في أحد المستشفيات الفرنسية.

لا ترجمة ولا عناية طبية

الحاجة فاطمة 55 سنة من الجزائر: جئت إلى فرنسا بطلب من الأطباء الجزائريين المباشرين، وكان من المفترض وجود مساعدة اجتماعية في صحبتنا من المطار إلى المستشفى، ومنذ ذلك الوقت لم نرها إلا في مناسبة واحدة منذ حوالي شهر. ليس لي أسرة ولا أهل في فرنسا، ولا أتكلم اللغة الفرنسية، ولا أفهم ما يقوله لي الأطباء والممرضون إلا بالإشارات. وصادف أن كانت ممرضة تتكلم العربية ضمن الفريق الذي زارني في الأيام الأولى من دخولي إلى المستشفى لإجراء عملية على القلب، وفرحت عندما عرفت أنها من أصل عربي لكنها رفضت أن تقوم بعملية الترجمة متظاهرة بعدم القدرة على فهم اللغة العربية، وتبين لي فيما بعد بأنها تتكلم العربية عندما زارتنا في فرص أخرى بمفردها.

وعدم فهم الفرنسية يسبب لي أتعابًا كثيرة، فكم من مرة يطلبون مني أمرًا ما لكن أبقى عاجزة عن القيام به في انتظار وجود مريض في نفس القسم يفهم الفرنسية ويقوم بالترجمة. ومن ناحية أخرى لاحظت عدم الاهتمام بنا، في حين علمت بأن الجزائر دفعت مسبقًا ثمن إقامتنا في المستشفى بفرنسا قبل وصولنا.

فالأكل رديء للغاية ولا يقدر الإنسان أن يأكل بمجرد أن يرفع غطاء الطعام، ونقتصر بالتالي على الفواكه، وعندما نحس بالجوع نضطر إلى الأكل عملًا بالمثل القائل «كل أو مت»، ثم إنه ليس لنا خيار؛ إما أن نأكل اللحم غير المذبوح أو الأكلة على الطريقة اليهودية التي لا أستسيغها. أما من ناحية الرعاية الطبية، فإننا نبقى طوال اليوم بدون زيارة عدا الأيام الأولى من طرف الأطباء المشرفين على ملفاتنا، وتأتي الممرضة مرة أو مرتين لتجس نبضنا بشكل روتيني دون ابتسامة ودون أن تنظر في وجوهنا ثم تكتفي بعبارة «Ca va» (كل شيء على أحسن ما يرام)، والفراش يبقى على حاله عدة أيام.

والتفتت إليّ مريضة جزائرية في الثلاثينات من عمرها أجرت عملية على القلب وتقيم معها في نفس الغرفة وقالت: «انظر إلى هذه»، فلم يتم تغيير ضمادها منذ يومين. وانتهزت هذه المريضة شاحبة الوجه كلام العجوز لتقول بعد أن تنهدت: "من المفروض أن يتم تغيير الضمادة كل يوم خاصة وأنها تقع في موقع حساس تحت القلب، وأحس بألم في ذلك المكان خاصة إذا جلست"، وقد استعانت برباط في مقدمة سريرها من أجل الجلوس.

مصلحة فرنسا

وواصلت العجوز حديثها وعلامات الأسى على وجهها: "عندما أعود إلى بلادي فإني سأقول لمن يمتدح أمامي فرنسا والطب فيها والعناية الطبية بالمرضى اذهب إلى فرنسا وعش هناك فسترى بعينك. ماذا ينقصنا في الجزائر؟ لدينا أطباء ماهرون في كل الاختصاصات، لكن تعوزهم الإمكانيات، فبدل أن تأتي بنا الحكومة إلى هنا وأن تدفع أموالنا إلى فرنسا لكي تستغلنا كان من الأولى أن تعطي تلك الأموال لأطبائنا وتوجد لهم المرافق والأجهزة الطبية العصرية وتعود الفائدة علينا وعلى بلادنا".

وكان في نفس الغرفة شاب جزائري قدم أخيرًا هو الآخر من الجزائر لإجراء عملية على القلب وجاء من غرفته بنفس القسم لزيارة العجوز، وتستأنس هذه الأخيرة به لمساعدتها على التجول قليلًا داخل المستشفى لأنها لا تعرف الطريق ولا تفهم العلامات والإشارات. تدخل في الحوار بقوله: "لو يخرج كل المقيمين في هذا القسم من أصل عربي لما بقي أحد، حيث خرج الأجنبي الإيطالي الوحيد الذي أجرى العملية بنجاح وبقي المرضى من شمال أفريقيا ومن الجزائر بالخصوص، ولهذا من مصلحة فرنسا أن تتم معالجتنا في مستشفياتها".

فلولا نحن لأغلق هذا القسم وقس على ذلك بقية الأقسام في هذا المستشفى وفي كل مستشفيات فرنسا، ثم يقولون إن العرب لسنا في حاجة إليهم ولابد أن يرجعوا إلى بلدانهم. ربما يقصدون بذلك المهاجرين المقيمين بصفة دائمة، لكن لا ينطبق ذلك على المرضى وعلى من يدرون الأموال المضمونة الذين يحلون لهم أزمة البطالة ويساهمون في العجلة الاقتصادية مقابل خدمات أقل من المستوى.

 

الرابط المختصر :