العنوان كيف يواجه المسلمون المشروع اليهودي لابتلاع القدس
الكاتب عبدالستار قاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996
مشاهدات 46
نشر في العدد 1204
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 18-يونيو-1996
يصر اليهود على أن القدس بشقيها الشرقي والغربي هي عاصمة إسرائيل الأبدية، وهم يفعلون الكثير من أجل ترسيخ هذا الإصرار وتثبيته، وقد اتخذت إسرائيل والحركة الصهيونية من قبل خطوات وإجراءات عديدة في سبيل خلق واقع يتميز بطابع يهودي للمدينة، لقد ركز اليهود على القدس قبل بدء الهجرات اليهودية إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، وعملوا على زرع الاستيطان فيها، وقد زاد هذا التركيز مع ظهور الحركة الصهيونية وما رافقها من استيطان منظم، واستطاع اليهود أن يصبحوا أغلبية في القدس قبل قيام إسرائيل عام ١٩٤٨م.
نشطت الحكومة الإسرائيلية بعد حرب عام ١٩٦٧م في توحيد شطري مدينة القدس عمليًّا، واتخذت السياسات والإجراءات المناسبة لمحاصرة السكان العرب شرقي المدينة، ولإضفاء الطابع اليهودي عليها، وحسب ما نشر من إحصاءات استطاعت إسرائيل أن تحقق أغلبية سكانية في الشطر الشرقي، وهي تسعى إلى ضخ مزيد من السكان اليهود إلى المدينة مع العمل على تقليص عدد السكان العرب إن أمكن.
لم يقتصر النشاط اليهودي على تهويد المدينة فحسب، بل أقيمت حول المدينة أحزمة استيطانية تهدف إلى تهويد منطقة القدس برمتها، ضمن رؤية سياسية تقول بتوسيع مخطط المدينة؛ ليشمل مساحة تبلغ حوالي خمسمائة كم2.
لم تكن السياسات الإسرائيلية والإجراءات المختلفة كلها ناجحة، وإنما أخفقت في بعض النواحي، لكنها بصورة عامة حققت نجاحًا مقابل الكثير من التصريحات العربية والفلسطينية من الجانب الفلسطيني، كما جرت محاولات لمواجهة المشروع اليهودي، فأقيمت بعد حرب عام ١٩٦٧م بعض مشاريع الإسكان لمواجهة الإسكان اليهودي، وتم توجيه الدعم المالي المحدود لعائلات القدس وبخاصة تلك التي تسكن أو كانت تسكن داخل البلدة القديمة، وذلك من أجل تثبيتها وعدم رضوخها لإجراءات المال اليهودي الذي وجه نحو شراء المساكن العربية، وقد عمل الجانب الفلسطيني أيضًا على إقامة العديد من المؤسسات الفلسطينية العامة في الشطر الشرقي من القدس، وذلك بهدف تثبيت المدينة كمرجعية سياسية وإدارية، وبهدف المحافظة على طابعها الفلسطيني، وخلق أمر واقع يميل نحو تأييد الموقف الفلسطيني في أن الشطر الشرقي هو عاصمة فلسطين المحصورة في الضفة الغربية وساحل غزة، لكن مجمل الإجراءات الفلسطينية لم تؤد إلى نجاح فلسطيني، فهي من ناحية لم تكن كافية ولم تفِ بالغرض، وذلك لأسباب عدة منها ضعف الموقف العربي وقلة أموال الدعم، وعدم وجود سياسة فلسطينية محددة المعالم، وعدم جدية القيادة الفلسطينية في خلق واقع فلسطيني متميز في المدينة، ويبدو أن الصراع الفلسطيني من أجل القدس انحصر الآن في وجود المؤسسات الفلسطينية واستمرار عملها في المدينة، وهذا بحد ذاته لن يؤتي أية نتائج غير الضجيج الإعلامي، أما على المستوى الفعلي فإن هذه المؤسسات لن تستطيع المحافظة على المدينة حتى لو استمر تواجدها فيها بدون اتخاذ إجراءات أخرى تعمل على خلق واقع يومي متميز.
صحيح أن وجود المؤسسات يبقي على نوع من الربط بين شرقي القدس وبقية الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، لكنه لا يحقق هدفًا سياسيًّا عمليًّا في النهاية، إذا عزل عن إجراءات أخرى في ظل الأوضاع الحالية، آخذين بعين الاعتبار الإجراءات الإسرائيلية والفلسطينية، فإنه من المتوقع أن يحقق اليهود مزيدًا من الهيمنة على المدينة، وأن تحبط آمال الفلسطينيين، فالإجراءات الإسرائيلية أكثر نجاحًا؛ حيث إنها تتميز بمقومات للنجاح أفضل من تلك التي تتميز بها مقومات الإجراءات الفلسطينية، ولهذا من المفروض أن يعيد الفلسطينيون تقويم الأمور، وأن يعيدوا حساباتهم، ويراجعوا مخططاتهم.
لذا فإني أقدم في هذه الورقة مشروعًا لمواجهة المشروع اليهودي وترسيخ الأقدام العربية في القدس وضواحيها والمناطق المجاورة لها.
والمشروع عبارة عن مجموعة أفكار حول عدد من المحاور العملية التي تشكل رؤية إجمالية لما أتصور أنه يجب علينا عمله، إنه مشروع خاضع للنقاش والحوار والتعديل ومنفتح على مختلف الآراء ووجهات النظر، لكنه في نفس الوقت يصر على ضرورة وجود برنامج فلسطيني بخصوص القدس، ويستند على سياسات وآليات من شأنها المحافظة على الطابع العربي - الإسلامي للمدينة، ودحر المخططات الصهيونية بشأنها.
هذا ويتركز المشروع على عدد من المحاور المختلفة تتفاعل معًا؛ لتكون برنامجًا شاملًا، وفيما يلي تفصيل لهذه المحاور:
أولًا: المحور الأخلاقي:
لا يقابل التحدي للعام إلا تحدي مقابل على المستوى العام، وحتى يهزم المتحدون لابد من خلق قيم التحدي لدى الذين فرض عليهم الصراع، وإنجاز المتحدي لا يجابه إلا بإنجاز مضاد، وحتى يكون الطرف الذي فرض عليه الصراع ندًّا فلابد أن يكون أهلًا للمجابهة، فإذا عكس الطرف المتحدي تخلفًا في منحی هام من مناحي الحياة عن الطرف الآخر؛ فإنه سيبقى متخلفًا في معادلة الصراع، وسيبقى الميزان في النهاية مختلًا لصالح المعتدي.
عند تقويم الأمور لدى المعتدى عليه فلا بد من فحص مختلف المقومات وتقويمها وتوجيهها بطريقة تحدث تغيرًا مستمرًا في ميزان القوى بتشعباته المختلفة، وحيث إن مختلف الأجهزة والمؤسسات ونسيج العلاقات تتأثر مباشرة بالوضع الأخلاقي للأمة أو الشعب وتتميز به، فإن أولية الفحص والتقييم يجب أن تكون لهذا الوضع؛ أي لأخلاقيات الأمة أو الشعب.
فإذا كانت الأخلاق بصورة عامة في حالة جزر؛ أي في حالة تقلص، ومقتصرة في أحكامها وقيمها المعمول بها على مستويات أدنى من مستوى الأمة أو الشعب ككل، فإن هناك خللًا خطيرًا لابد من إصلاحه، بمعنى أنه إذا كان المقياس لما هو أخلاقي أو غير أخلاقي، أو لما هو مقبول من الناحية الأخلاقية وما هو غير مقبول هو مصلحة العشيرة أو الأسرة أو الفرد، فإن الوضع الأخلاقي لا يؤهله أصحابه لمواجهة تحدٍّ يواجه الجميع أو الكل، أما إذا كان الوضع الأخلاقي في مرحلة مد، ومقياس الأعمال من الناحية الأخلاقية هو مدى التزامها بالصالح العام أو بمصلحة الأمة ككل، فإن إمكانية المعتدى عليه لمواجهة العدوان تكون في درجة عالية.
* يشهد التاريخ بأن الأمم لا تهزم إلا بانحطاطها الأخلاقي فهو المقدمة الأولى لجرأة الغزاة والطامعين
يشهد التاريخ أن الأمم لا تهزم إلا بانحطاطها الأخلاقي أولًا، والذي يعتبر المقدمة الأولى لجرأة الغزاة والطامعين، أما الأمم ذات الأخلاق الملتزمة بصالح الأمة ومصلحتها ككل، فإنها تبقى صلبةً وقويةً وصعبةً على الغزاة، وتستطيع النهوض بسرعة حتى ولو تعرضت لغزو ناجح من قبل عدو يتمتع بقوة عسكرية متفوقة، بهذا المنطق البسيط نستطيع إعطاء تفسير أولي لهزيمة إمبراطوريات ودول أو صمود أخرى أو انتصار غيرها.
لا أريد الخوض هنا في مدى صلاح أخلاقنا نحن في مواجهة العدو، ولكنني أرى أننا في مرحلة جزر لا تؤهلنا بتاتًا لخوض جولات ناجحة على مدى الصراع المفروض علينا من قبل اليهود، ولهذا خسرنا كل جولاتنا عبر عشرات السنين، ولم نستطع أن نحقق شيئًا، وقررنا في النهاية أن نقبل حلًّا طرحه علينا العدو عبر تصريح بلفور عام ۱۹۱۷ م وعبر خطة ألون عام ١٩٦٧م، وما تبعها من تعديلات، وبسبب حالة الجزر المريرة التي نعيشها أطلقنا على الهزيمة صفة الإنجاز أو الانتصار.
أرى أننا نعاني من مشكلة خطيرة فيما يتعلق بأخلاق التحدي، وأرى أن كل جهودنا ستذهب سدى، وستحبط ما لم تعالج الأمور من جذورها، نحن بحاجة ماسة إلى إحداث تغيير جذري في قيمنا ومفاهيمنا لما هو أخلاقي وغير أخلاقي، وإذا لم نفعل ذلك، فإنه لن يتغير حالنا وستبقى الكلمة النهائية في حسم الأمور هي كلمة العدو.
من المطلوب أن تتوجه الجهود نحو بناء مجتمع يقوم على أخلاق يكون الصالح العام ميزانها، وإلا فإن كل الشعارات ستسقط كما سقطت كل الشعارات التي رفعناها وهتفنا لها عبر السنين... المطلوب منا بناء نسيج اجتماعي يقوم أساسًا على أخلاق الالتزام بالصالح العام، والمسؤولية عن العمل أمام الجميع، والتوازن ما بين الفردية والجماعية، وترسيخ قيم الجمال والعمل الجماعي والتعاون المتبادل والتحرر من قيود القبلية والعقلية التآمرية والتسلط والتخلف الإداري، حتى يكون هذا ممكنًا لا بد من خلق قيادة تؤمن بالتغيير، وتعمل من أجله بصورة جماعية وليس على أسس فردية، فعند تناول مسألة القدس أو مسألة أخرى تهم الشعب ككل، وإذا شئنا أن نحدث شيئًا جديدًا يؤدي إلى نجاح، فلا بد من معالجة هذا الأمر، وإلا ستبقى في دائرة التصريحات والضجيج الإعلامي والتبريرات وتحويل الوهم إلى حقيقة، والهزيمة إلى نصر.
ثانيا- المحور السكاني:
من المهم دعم التواجد السكاني العربي في القدس ومحيطها من خلال الأمور التالية:
الشطيرة السكانية الطبقية:
سياسة الضخ السكاني والامتداد الأفقي للسكان تفسد على اليهود خطتهم في حصار الفلسطينيين في جزر سكانية متباعدة
انتهج اليهود سياسة الأطواق من أجل تهويد القدس ومحاصرتها بطوق خارجي واسع شبه دائري، ويتجاوز مدينتي رام الله والبيرة، ويصل تقريبًا إلى جوار البحر الميت، ويضم مجمع عتصيون في الجنوب، وحيث إن المدن والقرى العربية قائمة الآن داخل محيط مدينة القدس المصادق عليه، والذي تصل مساحته إلى ١٠٨ كم، وخارج هذا المحيط في مختلف الاتجاهات، فإنه يمكننا دعم هذا التواجد السكاني من خلال سياسة الشطيرة الطبقية، أي من خلال ضخ سكان فلسطينيين إلى القرى والمدن القائمة، بحيث تتم المحافظة على أغلبية عربية تفسد على اليهود مخططاتهم، وأرى أنه من الممكن التركيز في عملية الضخ هذه على المفاصل التالية:
1- عناتا - حزما - جبع – مخماس: من شأن هذا المفصل أن يحاصر الامتداد اليهودي في القدس من الجهة الشمالية الشرقية، وأن يفصل سكانيًّا بين المدينة والمستوطنات المقامة في الجهة ذاتها.
2- مخيم قلنديا - كفر عقب - قلنديا – رافات: يحاصر هذا المفصل الجهة الشمالية للقدس ويشكل سدًّا أوليًّا أمام التوسع اليهودي ناحية رام الله والبيرة.
3- بيت حنينا التحتا - بير نبالا - الجيب - النبي صموئيل - بيت أكسا: من شأن هذا المفصل أن يفرض طوقًا غربي للتوسع اليهودي ومتداخلًا مع الاستيطان اليهودي في المنطقة.
4- لتدعيم المفصل رقم (۳) لا بد من فرض طوق على منطقة اللطرون، وذلك بخلق ضغط سكاني يعزز منطقتي بيت دقو - بدو وبيت عور - بيت لقبا..
5- المفصل الشرقي والذي يمتد من العيزرية حتى زعترة.
٦-المفصل الجنوبي الغربي والذي يشمل بتير - وحوسان - ووادي فكين - ونحالين.
7-المفصل الذي يحاصر مجمع عتصيون الاستيطاني، والذي يشكل شبه دائرة تمتد من أرطاس عبر وادي رحال وإلى بيت فجار والعروب ثم إلى بيت أمر وصوريف والجبعة.
8- مفصل اللد والرملة، بحيث تتبع سياسة تساعد على زيادة عدد السكان العرب في هاتين المدينتين.
يبقى السؤال: كيف يتم هذا خاصة أن أغلب هذه المناطق إن لم يكن كلها محاصر بتعليمات إسرائيلية تمنع الامتداد الأفقي، هناك سياسة إسرائيلية تقوم على محاصرة العرب ضمن قرى ومدن متفرقة، وذلك للإبقاء على الفلسطينيين على شكل جزر سكانية متباعدة ومفصولة عن بعضها بطرق إسرائيلية ومستوطنات، فماذا نفعل؟ أعتقد أن الخطوات التالية ستساعد على خلق ضغط سكاني في هذه المفاصل، بحيث يصبح الامتداد الأفقي ملحًا، وقد جربت مدينة أم الفحم هذا الأمر عبر تزايد سكانها طبيعيًّا، واستطاع سكان أم الفحم أن يفرضوا امتدادهم الأفقي على سلطات اليهود.
والضغط السكاني يتم خلقه بالطرق الآتية:
١- إقامة مؤسسات فلسطينية عامة في هذه المناطق، فبدل التركيز على مدن رام الله والبيرة وبيت لحم، والتي تشكل الآن سدًّا أمام الامتداد اليهودي، نستطيع التركيز على القرى وتسهيل سكن العاملين في المؤسسات فيها، وهذا من شأنه أن يحسن أوضاع القرى ويجعلها أكثر قدرة على استقطاب السكان من مناطق مختلفة، بحيث لا ننساق وراء التوسع العمودي الذي تشهده المدينة الآن لصالح توسع أفقي في القرى، علمًا بأن هذا يؤدي إلى تخفيض الضغط عن المدن، وتجنب المشاكل التي تنجم عن زيادة عدد سكانها عن الحد الذي نستطيع استيعابه.
2- إقامة مصالح اقتصادية في القرى كالمعامل والمصانع، وحتى ترحيل جزء من هذه المصالح من المدن إلى القرى.
3- تبني برنامج وطني للإنجاب، سبق أن طرحت هذا المشروع عام ۱۹۸۳م على اعتبار وسيلتنا الأكثر فاعلية في مواجهة الهجرة الصهيونية هي الزيادة الطبيعية، وقد قدرت في حينها أن برنامجًا يأخذ باعتباره الكم مع مراعاة نواحي الكيف سيؤدي إلى زيادة السكان العرب في فلسطين بحوالي مليون نسمة كل عشر سنوات، مع العلم أن الزيادة ستكون مركبة وليست بسيطة.
وبرنامج الإنجاب لا يساعد فقط على التفوق العربي السكاني في القدس فقط؛ بل في كل فلسطين، وهو يفسد بالتالي كل المخططات الصهيونية لتهويد فلسطين.
٤ - تشجيع الفلسطينيين من داخل فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م على السكن داخل مدينة القدس وتقديم الدعم اللازم لهم.
5 - السعي لدى الفلسطينيين من مناطق القدس ورام الله، وبيت لحم، والمقيمين خارج البلاد خاصة في الأميركتين على العودة إلى البلاد وإنشاء مساكن وبيوت لهم في قراهم ومدنهم.
ثالثا- محور مدينة القدس ذاتها:
حاول اليهود عبر السنوات ربط سكان الشطر الشرقي من القدس بالسياسة الإسرائيلية من خلال ربط مصالحهم بإسرائيل، وقد لاحظنا أن عددًا من السكان قد طاب له هذا الربط، وفضل بعضهم الهوية الإسرائيلية على الهوية الفلسطينية، هذا وقد استسلم الفلسطينيون إلى حد بعيد للإجراءات الإسرائيلية على اعتبار أن هذا واقع ليس بمقدورنا تغييره، ولهذا لم تكن هناك سياسة اقتصادية تربط مصالح السكان بصورة جذرية بوضع فلسطيني، ووصل الحد بنا عند مناقشة برامج وطنية أن نستثني القدس على اعتبار أن لها وضعًا خاصًا.
أرى أنه من الحكمة أن نراجع أنفسنا بهذا الصدد، وأن نعمل على تطوير حياة اقتصادية واجتماعية متميزة في الشطر الشرقي؛ لكي يحقق مزيدًا من الربط ما بين المواطن وفلسطينيته، وهنا أؤكد على أنني لا أعني أن كل سكان القدس قد انجرفوا وراء تيار لا يصب لصالح الشعب، لكن الإجراءات الإسرائيلية كان لها تأثير واضح، ومن شأنه أن يؤثر على معادلة الصراع بطريقة لا تخدم أهدافنا.
رابعًا- المحور العربي – الإسلامي:
مهمتنا في الحفاظ على القدس شاقة وتحتاج إلى طاقات وجهود كبيرة وأموال، المصدر الوحيد الدعم جهودنا وتمويلنا هو العرب والمسلمون، إنني أسلم بحقيقة أن حال الأنظمة العربية والإسلامية لا يبشر بخير، وأسلم بحقيقة أن الشعوب العربية والإسلامية لم تصل إلى درجة من الوعي؛ بحيث ترفدنا جوهريًا بطاقات ومال، لكن العرب والمسلمين هم الحضن الطبيعي لنا وعلينا ألا نهجره، فبعض المساعدة أفضل من لا شيء.
لا بد من دعم التواجد العربي في القدس ومواجهة الاستيطان الإسرائيلي بها عبر مشروعات اقتصادية وخطط طويلة الأجل
هذا ويعتمد الأمر إلى حد كبير علينا، فبمقدار ما نضع من جهود نستقطب دعم العرب والمسلمين من خلال التوعية الدينية، وبمقدار ما تركز على الشعوب نحصل على التأييد، أما إذا ركزنا على الأنظمة فإننا بالتأكيد نكون ضد القدس وليس أصحابها الشرعيين، وبما أن الأمر يتعلق في جزئه الأكبر بقضية دينية تهم العرب مسلمين ومسيحيين؛ فإننا سنلاقي نجاحًا متصاعدًا.
بالطبع الأموال الغربية ليست لغرض إفساد مخططات إسرائيل، وبالتالي لن تكون دعمًا لنا بقدر ما هي دعم للسياسة التي تراها إسرائيل مناسبة.
خامسًا- المحور العالمي أو الدولي:
من المفروض ألا نخلي الساحة الدولية، وأن نستمر في حشد الرأي العام العالمي لصالحنا، علمًا بأن العالم لن يكون معنا فعلًا إلا إذا كنا مع أنفسنا. وفرضنا أمرًا واقعًا يفرض احترامًا على العالم.
ملاحظات:
بعد هذه الخطوط العريضة هناك ملاحظات هامة نضعها في حسابنا منها:
۱ - مدينة القدس عبارة عن مدينة محدودة في جغرافيتها، وطاقاتها الاستيعابية محدودة مقارنة بمدن كبرى في العالم موقعها الجغرافي غير مناسب لامتدادها الأفقي بدون انقطاعات، فهي ذات طبيعة جبلية وتنفصل جبالها عن بعضها بأودية ومنخفضات وبخلايل صغيرة المساحة، وكمدينة لا أعتقد أنها قادرة على استيعاب مليون نسمة.
مدينة القدس، حسب جغرافيتها لا تستطيع إلا أن تكون مدينة صغيرة، والتمدد اليهودي فيها كان عبارة عن حشو شوه مناطقها الطبيعية ومناظرها الجميلة، وحولها إلى كوم من الحجارة أو إلى رجم، يدرك اليهود هذا الأمر، ويدركون أيضًا صعوبة التخطيط فيها وتقديم الخدمات لها، وإذا استثنينا الموقع الديني للمدينة بالنسبة لليهود والتركيز السياسي عليها، فإنها لا تشكل موقع جذب للسكان، فالحياة اليومية فيها ضمن وضعها الحالي مزعج جدًّا، وستبقى كذلك على الرغم من إصرار الحكومة الإسرائيلية على دعم ميزانية بلديتها.
الحياة في القدس غير مريحة وغير مربحة أيضًا من الناحية الاقتصادية، المدينة كلها لا تصلح کمركز نشاط صناعي وتجاري، وذلك بسبب الجغرافيا، وبسبب موقعها الداخلي وبعدها عن نقاط اقتصادية حيوية، فهي بعيدة عن البحر والمواصلات إليها بالمقارنة مع مواقع يهودية أخرى كتل أبيب وحيفا وأسدود صعبة.
فضلًا عن أن المدينة لا تنافس مواقع يهودية أخرى من حيث الاستجمام والترفيه، فهي لا تقع على بحر ولا على نهر، ولا تمتلك مقومات المواقع الاستجمامية الكبيرة القادرة على استيعاب السياح والمتنزهين الراغبين في التسلية.
هذه عوامل تثبط من الامتداد السكاني اليهودي في المدينة، ومن الممكن أن نقويها من خلال إعاقات سكانية عربية تقوى وتزدهر.
2- بالنسبة لمشروع الإنجاب فقد ارتكز المشروع لدي على استغلال فترة الخصوبة من سن ٢٢ - ٤٢ سنة، على أن يكون الفارق العمري بين كل طفل وآخر حوالي سنتين، هذا ضمن نمط من الدعم للعائلات الفقيرة، لكن الإنجاب عبارة عن سيف قاطع باتجاهين، فحتى لا نتأثر سلبيًّا علينا وضع برنامج استيعابي للأطفال من حيث رياض الأطفال والحدائق والمدارس والملاعب، وذلك وفق برنامج تربوي شامل يعد للأطفال بطريقة تتناسب مع التحدي المفروض علينا، وبالتأكيد سيكون هذا العمل مكلفًا من الناحية المالية.
3- ما دمنا نتحدث عن إحداث تغيير في الوضع الأخلاقي وعن برنامج تربوي نسير عليه، وننشئ أطفالنا عليه، فهناك جهود مكثفة مطلوبة منا على مستوى الجدل والنقاش والحوار؛ لنصل إلى برنامج يحقق الحد الأقصى من النتائج المتناسبة مع الأهداف. وإنني أرى أن البرنامج الإسلامي هو أفضل ما يناسبنا؛ سواء نظرنا إليه من الناحية التاريخية أو الدينية، أو الاجتماعية.
فالإسلام يشكل القاعدة التاريخية لنا وبدونه يمكن اختصار التاريخ العربي بعدد قليل من الصفحات، واجتماعيًّا يبقى هو الأنسب؛ لأنه جزء من تطورنا التاريخي والحضاري، وهو ليس غريبًا عنا، ولا يعبر عن تجربة خاوية، إنه جزء منا ونحن جزء منه.
إنما أرى ضرورة الأخذ بالأمور التالية عند تطبيق البرنامج الإسلامي:
أ- تنشيط حركة البحث والنقاش والحوار حول ما هو إسلامي وما هو غير إسلامي، بهدف تنقية المسلمين من التوجهات غير الإسلامية التي تمارس باسم الدين، وبهدف تعزيز روح التسامح الإسلامي.
ب- التركيز على القرآن كأساس لاستنباط مختلف الأحكام.
ج- عدم استعداء العروبة، واعتبار العروبة على أنها روابط قوم، لها وظائف اجتماعية تعزز من قوانا الداخلية، فكما أن العائلة تضم أفرادها، فإن العروبة تضم أفرادها، ولكن دون تعصب، ودون اعتبار أساسًا للحكم بين الناس.
د - الحرص على عدم التحيز ضد غير المسلمين، والتأكيد على أن المسيحيين جزء لا يتجزأ من الوطن والشعب، هم للمسلمين والمسلمون لهم دون تشنج أو حتى تفكير بتمييز، نمطهم الثقافي الخاص لهم، وهم شركاء في النمط الثقافي العام.
خلاصة القول:
لن يتحقق شيء مما سبق ما لم يتحقق نجاح على المحور الأول وهو الأخلاقي، فحتى ننجح، نحن بحاجة إلى قيادة جماعية ترتكز على مقومات أخلاقية واضحة تسعى حثيثًا نحو تطبيقها وتعميمها، بحيث يتحول الشعب إلى أسرة واحدة متحابة متكاملة متضامنة فاعلة، وإلا فسنبقى ضمن دائرة العمل السياسي المخجل الذي لم يتمخض إلا عن هزائم وتراجعات على مختلف الصعد، وحتى نحقق شيئًا ملموسًا، أرى أن مهمتنا تبدأ من إقامة قيادة ذات نمط جماعي وتفكير علمي تتبنى برنامجًا أو برامج تحدث تغييرًا جذريًّا في منهج حياتنا.
بالإضافة إلى ضرورة إحداث تغيير جذري على المستوى الأخلاقي - التربوي وعلى المستوى
القيادي ألخص الآليات بالتالي:
1- التركيز على بناء المؤسسات العامة في المفاصل السكانية المشار إليها.
2- تشجيع إقامة المصالح الاقتصادية في هذه المفاصل.
3- تبني مشروع الإنجاب الوطني.
4- تكثيف أعمال التوعية على:
أ- المستوى الفلسطيني.
ب- المستوى العربي والإسلامي، وربط قضية القدس وفلسطين بعمقها العربي والإسلامي.
5 - إعادة تشكيل البناء الاقتصادي بطريقة تقودنا نحو الاعتماد على الذات.
6- استقطاب أموال التبرعات العربية والإسلامية.
7- تشجيع أهالي محيط القدس المهاجرين على العودة إلى قراهم ومدنهم.
8- تركيز الجهود الدبلوماسية على المستويات العربية والإسلامية والعالمية.
(*) كاتب ومفكر فلسطيني، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل