; لا دعة.. بل إيجابية وهمة | مجلة المجتمع

العنوان لا دعة.. بل إيجابية وهمة

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2013

مشاهدات 77

نشر في العدد 2061

نشر في الصفحة 35

السبت 13-يوليو-2013

نعيش في زمن تحتاج فيه الأمة الإسلامية لكي تتقدم وتكون في مصاف الأمم إلى كل طاقة واعية وكل علم نافع وكل همة عالية، وكل طموح دؤوب، وكل نشاط متواصل، وكل عمل متقن مسؤول وكل بذل مستمر، وكل فرصة منتجة كما تتطلع إلى استثمار الواقع وتسخير إمكاناته، وحشد جهود الدعاة والمفكرين المخلصين لتدشين انطلاقة حضارية قادرة على مواجهة التحديات والفتن ما ظهر منها وما بطن.

 ويمثل الإسلام رافعة اجتماعية دافقة في هذا الإطار، فلا يعرف السلبية أو التكاسل أو الدعة أو الراحة أو إيثار السلامة، أو إغفال الأسباب، ولو راجعنا تاريخ الجماعة المسلمة الأولى لوجدنا أن الرسول وصحابته الكرام كانوا إيجابيين ومبادرين وأصحاب همة عالية خالطوا الناس في السراء والضراء، وصبروا على أذاهم، روى أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: »المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم«، وها هي الدعوة الإسلامية في عهدهم تنتشر في الآفاق، وتعم الديار وتصل إلينا متجاوزة الحدود والسدود والقيود، لتكون نبراسًا في حياتنا، نهتدي بها في ظلمات الفتن والمحن.

 الإيجابية نزوع نفسي واقتناع عقلي وتطلع للنجاح يترتب عليه سلوك بدني وتصرف مخلص لا يتوقف عند تنفيذ التكليفات والتوجيهات بل يتجاوزها إلىالمبادرة والعمل والإنتاج والعطاء، والإيجابية ليست فقط مجرد إتقان العمل؛ «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، روح وحيوية يصاحبان العمل فيجعلانه ممتعًا وشائقًا وبالغ التأثير في الدوائر ذات الصلة. 

إن خصيصة الإيجابية التي تفرد بها الإسلام، تجمع بين الحساسية والطمأنينة واليقظة والراحة، والتوكل والفاعلية، والخوف من الله والرجاء فيما عنده، والتواضع لله والعزة بالله والخضوع لله والاستعلاء على أعدائه سبحانه، ومن ثم فقد صنع الله بالمسلمين في هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمارة، ومن الرفعة والطهارة مما لم يسبق ولم يلحق في تاريخ بني الإنسان، وبهذه العقيدة الشاملة الإيجابية غلب المسلمون أقوياء الأرض.. ثم صمدوا لغلبة الأقوياء عليهم يوم دالت الدول، وتبدلت المقادير وذاق المسلمون بأس القوة مغلوبين مدافعين.

 ومن الإيجابية مواجهة المنكر، ومخالطة الناس، والصبر على أذاهم كما تقدم.. وهذا تصحيح لما ترامى ويترامى إلى وهم البعض أن مواجهة المنكر ومخالطة الناس، والصبر على أذاهم.. أمور لا قبل لهم بها.. ولا عليهم ما داموا - كما يقولون - صالحين في أنفسهم... منعزلين عن الناس.. وأنهم بهذا يستندون إلى قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾(المائدة:105)، وهذا فهم خاطئ استند إليه ضعاف المسؤولية؛ ليعفيهم من تبعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 ولقد صحح الخليفة الأول هذا الفهم الخاطئ، فقال فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن قيس قال: قام أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (المائدة: 105)، وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه«.. ومن هنا فإن الإيجابية المتفاعلة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر من سمات التصور الإسلامي الصحيح، روى مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان«..

 ولا شك أن تعزيز علاقة المؤمن بالله ورسوله من المسائل التي تنمي الإيجابية وعلى المسلم أن يجعل من حب الله ورسوله... وحب الإيمان.. وحب المؤمنين، ديدنا ومنهاجا في حياته ليصبح طاقة دعوية هائلة في المجتمع، روى الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: »ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»، وفي رواية أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .«

إن الذي يستطيع أن يحب هذا الحب الإيجابي صنف واحد من بني الإنسان إنه الصنف الذي خالطت قلبه بشاشة الإيمان، وترجم ذلك سلوكًا بناء، وإذا كان الإيمان وحده ينبوع الحب الإيجابي المصفى الخالد، فإن المؤمن وحده هو الذي يستطيع أن يحب هذا الحب الكبير.

وختامًا .. عجبًا لأقوام ينامون ملء جفونهم، ويأكلون ملء بطونهم، ويخلدون إلى الراحة السكون والدعة، ويبحثون عن المتعة والرفاه، وربما لا يصلون الفجر ويفرطون في الصلوات المكتوبة والنوافل وإذا صلوا جاءت ركعاتهم وسجداتهم دون روح أو خشوع، إن الدعاة الربانيون العاملون الحقيقيون يستشعرون المسؤولية والأمانة لا يعرفون إفراطا ولا تفريطا، ويعملون بكل همة وإخلاص، والله نسأل أن تكون من هؤلاء.

 

الرابط المختصر :