العنوان لا أحد مع مسلمي أوروبا الشرقية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1990
مشاهدات 138
نشر في العدد 952
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 30-يناير-1990
لقد قررت أوروبا
- منذ بداية الحرب الصليبية - أن خصمها الحضاري هو الإسلام. ولقد استقر ذلك في
وعيها منذ قرون طويلة، كما امتزج هذا القرار بضميرها منذ أن عاشت فترات من الرعب
وهي تجلي المسلمين من الشواطئ الجنوبية لأوروبا في الأندلس وصقلية، بينما المسلمون
يزحفون عليها من شرقها ويرفعون الأذان في آيا صوفيا، ويدقون أسوار فيينا.
ولقد التقت
أطماع إقطاعيي أوروبا بتطلعات رجال دينها في السيطرة على العالم الإسلامي. ولعل
تمويل محاولات «بارثلميودياز» و«هنري الملاح» للالتفاف على العالم الإسلامي
والسيطرة على الموانئ البحرية يعكس هذا التحالف.
ويوم أن نجح
الأوروبيون في وضع العالم الإسلامي بين فكيهم وتحت قبضتهم، أصبح إضعاف المسلمين
هدفًا أساسيًا في حركتهم السياسية وثابتًا من ثوابت الفكر السياسي الغربي غير
المعلن. وعندما تولى الأوروبيون زمام قيادة العالم جعلوا حضارتهم مرجعًا لتحديد
الحسن والقبيح والصواب والخطأ. وبكل وقاحة وعنجهية جاءت آدابهم وفنونهم ونتاجهم
الفكري ليؤكد عنصرية حضارتهم ويزعم تفوق الرجل الأبيض النصراني وتسخير ما بعد ذلك
لصالح هذا الرجل. وإذا كان اليهود بدهائهم ومكرهم فرضوا أنفسهم على الحضارة
الغربية ليصبحوا شركاء، فإن بقية العالم ظل مسخرًا لصالح الرجل الأبيض، وظلت خيرات
هذه الشعوب تستنزف بغير حساب. ومن الخطأ أن يظن أن الغرب غير نظرته إلى الأمم
الأخرى، كما أنه من السذاجة الاعتقاد بأن الغربيين أنهوا عهد الخصومة الحضارية
بينهم وبين الإسلام.
ولعل شعارات
العلمانية ومواثيق الأمم المتحدة والهيئات العالمية لحقوق الإنسان والجمعيات
الإنسانية والمؤسسات الأكاديمية تخدع كثيرًا من أبناء المسلمين ليظنوا أن الحضارة
الغربية حضارة علمانية لا شأن لها بالخصومات الدينية. نقول: لعل ذلك كله يخدع بعض
المسلمين، ولكن تبقى التطورات والأحداث شاهدًا مهمًا على استقرار خصومة المسلمين
في الضمير الغربي. ولعل الغرب يدرك أنه استطاع أن يخدع بعض المسلمين بعلمانيته وأن
هناك من أبناء المسلمين من يصدقه، ولكنه لا يستطيع أن يكتم حقيقة نواياه كل الوقت؛
ذلك لأن تطورات الأحداث في بعض الأحيان تفرض على الغربيين أن يخرجوا من سمتهم
العلماني المصطنع ويكشفوا عن عنصريتهم الصليبية ضد المسلمين.
ولو تتبعنا رصيد
الأحداث في العام المنصرم لبرزت حقيقة العداء المستحكم عند الغربيين ضد الإسلام.
• لقد أعلنت فرنسا أنها ستحمي النصارى في
لبنان مضحية بكل شعاراتها العلمانية التي تزعم أن ليس للدين شأن في اتخاذ القرار
السياسي. لماذا تحمي فرنسا نصارى لبنان ما دامت علمانية؟
• لقد تفجرت أزمة بين الجالية المسلمة في
فرنسا وبين وزارة التربية التي رفضت السماح لطالبتين مسلمتين بارتداء الحجاب
الشرعي. ولقد وقف وراء وزارة التربية رجال فكر وتربية وفنون مضحين بشعارات
العلمانية التي تؤكد على الحرية الدينية والحرية الشخصية. ولقد كشفت هذه الحادثة
زيف شعارات الحضارة الغربية، وتأكد أن الغربيين لا يريدون مرجعًا يقيسون عليه
الصواب والخطأ سوى حضارتهم العنصرية.
• وفي بريطانيا، قامت الدنيا ولم تقعد عندما
احتج المسلمون على كتاب «آيات شيطانية» واعتبروا ذلك تدخلًا من المسلمين للحد من
الحريات الثقافية، وأن المسلمين المتخلفين يريدون إضفاء تخلفهم على الحركة
الثقافية العريقة في بريطانيا لتقييد حرية الفكر. كل ذلك لأن الكتاب مس عقائد
المسلمين وأساء إليهم. وناقض البريطانيون أنفسهم، فرئيسة وزرائهم التي دافعت عن
حرية الفكر هي نفسها التي دافعت عن تقييد هذه الحرية قبل أشهر من الحادثة عندما
منعت كتاب «صائد الجواسيس». والبريطانيون الذين اعترضوا على غضبة المسلمين
«المتخلفة!» هم الذين يعترضون على أي حرية فكر تمس الملكة البريطانية.
والبريطانيون هم أنفسهم الذين يضعون القوانين لتقييد حرية المعلومات إذا مست
مصالحهم.
• وإذا كنا نقدم في هذه العجالة بعض الشواهد
الصارخة، فإن ممارسات الغرب ضد بلاد المسلمين لا تحصى. فزراعة الفتن وبث الخلافات
وصناعة الحروب و«فبركة» الانقلابات في عالمنا الإسلامي أصبحت حرفة غربية. ومحاربة
اقتصاد الشعوب المسلمة ووضع العراقيل ضد نموها وتعويق رساميلها كلها شواهد غير
مباشرة على حقيقة العداء المستحكم في الضمير الغربي ضد الإسلام.
واليوم تنكشف
هذه الحقيقة في موقف الغرب مما يحدث في أوروبا الشرقية، لقد وقف الغرب كله
متباكيًا على الأمم الأوروبية في الكتلة الشرقية لحرمانها من حقوق الإنسان
والحريات العامة. وجندت وسائل الإعلام نفسها للدفاع عن الرجل الأبيض المنتهكة
حقوقه تحت الأنظمة الشيوعية. كما تصدت لذلك النظم السياسية الغربية بمفكريها
وحكمائها. وحرضت الشعوب في رومانيا وبلغاريا وبولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وحتى
في الصين، ولكن سكتت عن ألبانيا ولم تقل شيئًا. وسكتت عن مسلمي كوسوفا في
يوغوسلافيا ولم تذكر ما يحدث لهم، بل أيدت كافة الإجراءات الدموية التي مورست ضد
شعب أذربيجان في الاتحاد السوفيتي ووقفت وراء الأرمن النصارى ضد المسلمين في
الاتحاد السوفيتي. بل أكثر من ذلك أبدت تخوفًا من استفادة المسلمين من التطورات
التي تكتسح أوروبا الشرقية بشكل متتابع، وأظهرت امتعاضًا من مطالبهم. ترى لو كانت
هذه الشعوب نصرانية، كيف سيكون الموقف الدولي؟!
لقد أدرك
الغربيون خطورة تواجد المسلمين في أوروبا، وخطورة استفادتهم من الحريات الممنوحة
للرجل الأبيض واستقلالهم استقلالًا فعليًا، لذلك ضموا مناطق الأكثرية المسلمة إلى
أنظمة شيوعية تحارب الدين بشراسة وتمحو أي هوية دينية. وإن كانوا رحموا النصارى
بشيوعية أقل ضراوة، لكنهم فصلوا شيوعية خاصة للمسلمين في ألبانيا ويوغوسلافيا؛
شيوعية تستأصل الإسلام من أعماق المسلمين. وإلا أين الشعب الألباني المسلم؟ لماذا
هو وراء ستار حديدي؟ لماذا لا يخرج أحد منهم ولا يمكنه الاتصال بإخوته المسلمين في
خارج ألبانيا؟ لماذا لا توجد علاقات بين دول العالم وهذه الدولة بالذات؟ أسئلة
كثيرة، والإجابة عليها يفسرها موقف الغربيين عمومًا مما يحدث في أذربيجان، ويفسرها
الخصومة المستقرة في الضمير الغربي ضد الإسلام والمسلمين.
وإننا إذ نفهم
موقف الغربيين مما يحدث للمسلمين في الكتلة الشرقية وحرمانهم من فوائد الانفراج
الحاصل، إلا أننا لا نفهم موقف الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية الرسمية. ولا
نستطيع أن نفسر هذا الموقف. لماذا يحتج اليهود في العالم لصالح اليهود، وتحتج
فرنسا لصالح المارونيين في لبنان، ويحتج الفاتيكان لصالح نصارى العالم في كل مكان،
ولا أحد يحتج لصالح المسلمين فيما يحدث في أوروبا الشرقية؟ هل أصبحنا نحن المسلمين
أعداء أنفسنا؟ وهل تبنينا الموقف الغربي الخصومي ضد أنفسنا؟ هل يعقل هذا؟ أعطونا
تفسيرًا.