العنوان لا أحد يصدق.. الصغار
الكاتب سليمان عبدالرحمن العقيل
تاريخ النشر الجمعة 16-يوليو-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1609
نشر في الصفحة 53
الجمعة 16-يوليو-2004
في قريتنا حمام، حمامٌ كثيرٌ، ربما أكثر من الدجاج، وكان للحمام أفضليةٌ ما ، ربما لأنه يطير عالياً مستعرضاً حريته وقدرته على الطيران. وبالرغم من ذلك فقد كان الناس وخصوصاً «الرجال» يروون عنه كثيراً من القصص والحكايات التي لم أسمع بمثلها من جدتي حتى بعد خرفها، ولم نكن ندري هل كانوا حقاً يصدقونها ! أم يتظاهرون بذلك، ولا ندري من سيدفع ثمن كل هذا .. فكل ما يجب علينا فعله نحن الصغار أن ننصت، وننصت بأدبٍ عندما يتحدث الكبار، ومن طريقة طيران الحمام واستعراضاته التي يقوم بها يومياً أنه يعي بطريقةٍ، أو بأخرى أنَّ أهل القرية أصبحوا أكثر من معجبين، أصبحوا يخافونه.
كان يحلق فوق رؤوس أمهاتنا، حتى أثناء العجن وكنا نأكل الخبز بذروق الحمام.. وبالرغم من أننا ننثر له الحبوب مرتين كل يوم إلا أنه كان يعتقد أن ملكية حقول القمح تعود له .. ولم يكن هناك من تغيرٍ في سلوكه، بل كان يزداد غروراً وشراسةً مع الأيام.. وبعد مدةٍ أصبح يلاحقنا أثناء لعبنا .. بدا لطيفاً في البداية .. كان يقف علي الصخور القريبة من ملعبنا .. وينظر إلينا ونحن نلعب وعندما يحل الظلام وتركض عائدين ثم يتعثر أحدنا ويسقط فإن الحمام يطير أسراباً ويحط عليه قبل أن يحاول النهوض، ويكاد يغطيه تماماً حتى لا نستطيع أن نرى منه شيئاً . وعندما تهدأ حركته ويتوقف عن العويل يطير الحمام بخفة حيث الصخور تاركاً الجسد الصغير ينتفض نفضات صغيرة متقطعة. كلنا نرى ذلك أو ربما بعضنا لكننا لم نتحدث بيننا عن ذلك. ربما لم يصدق بعضنا ما رآه وقد يظن الآخر أننا نتخيل ذلك في الظلام الذي أخافنا .. وعندما نعود ناقصين لم يكن أحد يسألنا ماذا حدث؟ فقد كان الرجال ينشغلون بالدفن والنساء بالبكاء ومواساة بعضهن البعض، أوه .. إنّ أحداً لم يسألنا . ثم ماذا لو سألونا وأجبناهم؟ إنّ أحداً لن يصدقنا، فنحن مجرد صبيةٌ صغارٌ نتبول على أنفسنا ... .