العنوان لا تبذر باسم رمضان
الكاتب أمين سليمان سعد الستيتي
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004
مشاهدات 76
نشر في العدد 1623
نشر في الصفحة 55
السبت 16-أكتوبر-2004
أقبلت رايات هذا الشهر الكريم، تلوح في الأفق، وبدأت الأسواق تزداد ازدحامًا والمتاجر تزدان بصنوف الأطعمة والأشربة التي لا نرى كثيرًا منها في غير رمضان!! وكأن شهوات الناس تنام.. تموت.. إلا في رمضان!
أحد عشر شهرًا مرت منذ أن ودعنا رمضان الماضي والحياة تسير رتيبة، لا يكاد يظهر فيها أمر يغير سليقتها الغذائية، الفطور والغداء والعشاء كلها وجبات ثابتة إلا إن طرأ ما يلغي إحداها، أو يؤخر وقتها، والليل ظل هو الليل ينام فيه المسلمون غالبيتهم، لينالوا حظًا من الراحة، يعينهم على عباداتهم وأعمالهم.
لم تتغير نفقات الناس، سوى زيادات أو بعض نقص مألوف، والوجبات ثلاث أو اثنتين، في أيام صيام النفل، والأسرة هي الأسرة، والبيت هو البيت، والدخل الشهري كذلك ثابت لم يتغير!! لكن ربة البيت المطمئنة النشيطة، التي بذلت من روحها، ونفسها الطيبة، كل تلك الأيام، وكانت شمعة تذوي لتضيء لأولادها وبعلها طريق الحياة، بقنديل الحب والوداد، وما طلبت مقابل ذلك إلا الحب والوفاء، والبر الإسلامي المعروف المألوف.
لكن ربة البيت ما حدثت نفسها طوال تلك الشهور كلها أن تطلب ما يزيد أعباء هذا الزوج الذي يكد برضاه، ليوفر لهم جميعا لقمة طيبة هنيئة، ولا أن تكلفه فوق طاقته، لكنها منذ أن دخل «شعبان» عبرت تلك الأم بسهام عيونها وفمها، لتقول له بعيون طالما أحب النظر إليها وهي مجهدة من عناء يوم كامل من الرعاية، والدأب على الأولاد والبيت! أين أطعمة رمضان؟ وأين أشربة رمضان؟ وأين حلويات رمضان؟! وتنفلت النظرات منه قبل الكلمات، وكأنها تعاتبها بصمت الشفاه: أو قضينا أحد عشر شهرًا دون أطعمة وأشربة، وحلويات؟!! ما الذي تفكرين به؟؟ ألا تعلمين قدراتنا المادية والتي نقسمها على حاجاتنا فتكون وإياها رأسًا برأس؟؟ كل هذا والفم مطبق على ما في القلب من الكلمات الملتهبة، وصاحبه يخشى أن يطلقها فتلهب جو الحب، وتخدش مهجع الوداد.
لم تمهله كثيرًا، بل أرسلت إلى أذنه نغمات ما تعودها! ولا ألف حدتها! ولا صرامتها! لكنها ما أخرجته عن هدوئه الحازم، بل ناداها، وبكنيتها، ليؤكد لها رباط الأسرة الذي لا تقصم عراه! مصروفات رمضان المتكلفة، والأمل يترقرق بين حروف ندائه يا أم.. رمضان شهر العبادات، لا شهر الشهوات، رمضان يريحك من عناء تحضير وجبة كاملة هي الغداء، ويقوم السحور مقام الفطور، والإفطار مقام العشاء، وبما أن الوجبات قد نقصت تلك الوجبة، ينبغي أن توفر الأسر المسلمة الحقة ثلث المصروف المعتاد!
صاحت عيناها قبل شفتيها، بل شفتاها قبل عينيها؟ لم يعد يدري! الحلويات... والعصائر، والوجبات الرمضانية، معًا صارا يرددان تلك الكلمات، ثم يسود الهدوء ليقول: يا حظ الباعة والتجار يأخذون المكسب، والناس يلقون كثيرًا مما تقولين حيث تعلمين! ولو حسبنا ما يتلف في رمضان من المواد الغذائية غير الضرورية لوجدناه يكفي أمة من المسلمين الجائعين في تلكم الأصقاع الفقيرة، أليس هذا تبذيرا سيسأل الناس عنه؟ ألم يقرأ الناس قول الباري: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾(الإسراء: 27).
ألم تسمعي أيتها الأسرة المسلمة صوت رمضان وهو يصيح: شهر العبادات، وشهر التسامح، وشهر صلة الأرحام، وشهر القرآن فلا تغيروا العبادات بالشهوات، والقرآن إلى نشاطات لا يربطها بالقرآن رابط، والتسامح إلى خصومات، وصلة الأرحام إلى قطع ما أمر الله به أن يوصل!
أسأل الله أن يهدي نساء المسلمين ورجالهم، وأن يحققوا في هذا الضيف المقبل حكمة الصلاح، ويركزوا على العبادات أكثر من تركيزهم على الشهوات، وأن يتقبل الله -سبحانه- من جميع المسلمين طاعاتهم، ويجزيهم خير الجزاء إنه على ذلك لقدير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل