العنوان لا تحجروا على منبر رسول الله ﷺ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 102
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 27-مايو-1997
بُني المسجد في الإسلام ليكون بيتًا لله، ومثابة للمسلمين: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 18) وهو مثابة المسلمين، ومكان اجتماعهم.. يتلقون فيه زادهم الروحي خمس مرات في اليوم والليلة، وهو مكان اجتماعهم للتعارف والتآلف والتعاون على الخير ومناقشة أحوالهم وقضاياهم، ومنه كانت تنطلق الكتائب والسرايا، وفيه ينعقد المؤتمر العام للمسلمين في كل أسبوع.
ولقد ظل المسجد طوال قرون يوجه الشعوب ويسدي النصح للحكام، ويجاهر الخطباء فيه بكلمة الصدق دفاعًا عن الحق، وإنكارًا للمنكر، ويتعرضون لقضايا الأمة، ويدعون الناس إلى الجهاد دفاعًا عن الدين والوطن، كما أنه من المسجد انطلقت نداءات الجهاد ضد الجيوش الاستعمارية الغازية.
ولم تكن رسالة المسجد تلك موضع اختلاف بين علماء المسلمين، ونشير هنا إلى قرارات وتوصيات مؤتمر رسالة المسجد المنعقد في مكة المكرمة بدعوة من رابطة العالم الإسلامي في رمضان ١٣٩٥هـ، حيث أوصى المؤتمر بربط الخطبة بالحياة وبالواقع الذي يعيشه الناس، وذلك بالتركيز على علاج أمراض المجتمع، وتقديم الحلول لمشكلاته مستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء، كما أوصى المؤتمر بألا تفرض على الخطيب خطبة موجهة من قِبَل السلطان يرددها ترديدًا آليًا لا روح فيه.
كما نشير إلى «ميثاق المسجد» الصادر في عام ١٤١٦هـ / ١٩٩٦ عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، والذي حدد وظائف المسجد في أربعة أبعاد رئيسية هي:
- الرسالة الإيمانية.
- الرسالة العلمية والثقافية.
- الرسالة الاجتماعية.
- رسالة التوجيه الإسلامي في القضايا الهامة.
ويقول عن تلك الرسالة الأخيرة: إن المسجد هو المؤسسة القائمة على ضمير الأمة والتي تعمل دائبة على إيقاظ روح التفاعل مع القضايا العامة على الدوام.. فالمسجد هو قلب المجتمع الإسلامي وروحه وضميره المجسد ومركز توجيهه ومدرسته وملتقى أفراده، وعين مائه التي لا ينضب معينها، التي تروي المسلمين بالخير والبِر والعِلم والهدى والنور لتأصيل الاهتمام بأمر المسلمين وتحسس قضاياهم العامة، وهو وسيلة لتوضيح وتصحيح المفاهيم الإسلامية المشروعة. وتضيف رسالة «ميثاق المسجد»: «إن توجيه اهتمام المسلمين نحو القضايا العامة المطروحة على الساحة وفق منطق الحكمة هو تأكيد لدور المسجد في جمع الأمة».
فإذا كان هذا هو تاريخ المسجد، وتلك رسالته التي أمر بها العلماء فإننا نأسف لأن نسمع من ينادي من داخل مجلس الأمة الكويتي بوضع قيود على الخطباء في الساحة بحيث لا يتعرض الخطيب للأمور الإسلامية العامة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسداء النصح للأمة، ونصح المسؤولين فيما يجب أن ينصحوا فيه، ونقد أي ممارسات تصطدم مع الكتاب والسُنة نقدًا بناءً.
إن الله تعالى أمر المسلمين بالصدع بكلمة الحق فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(آل عمران: ١٠٤).
ومن أولى الكلمات التي وجهها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- للمسلمين بعد مبايعته خليفة لرسول الله ﷺ قوله: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.
كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا خير فيكم إن لم تقولوها.. ولا خير فينا إن لم نسمعها».
فواجب من يعتلي منبر المسجد أن يأمر بالمعروف، وأن ينهي عن المنكر، وأن يلفت نظر الحاكم والمحكوم لما تتعرض له الأوطان وما يحيق بالمسلمين من أخطار، وما يلم بمجتمعاتهم من أحداث، أما حصر قولهم بألا ينتقدوا حرامًا أو يثنوا على حلال، فذلك أمر خطير وبادرة لا تبشر بخير.
وعلى المسؤولين أن يتقبلوا النصح من الأمة والخطباء مادام ذلك يهدي إلى الرُشد، وإنا لنعجب أن تلك الانتقادات من المسؤولين للخطباء لم توجه إلى أصحاب تلك الأقلام الذين جعلوا همهم تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والطعن بعقيدة الأمة، والكتابة ضد المنجزات التي يحققها العاملون للإسلام، فهم أولى بأن يوجه لهم اللوم، أو يساءلوا عمّا ارتكبوا إثمًا وبهتانًا.
لقد كان الأمر الذي أثار الجدل هو ما صوّت عليه مجلس الأمة بشأن منع إقامة حفلات الرقص والغناء وعروض الأزياء... هذا المنكر الذي أخذ يغزو الكويت،
حيث تدخلت الحكومة لمنع إقرار مشروع القانون، رغم أن الأمر يتعلق بمنكر لا يمكن أن يقر أو يقبل به.. ومن هنا فقد تعرض بعض خطباء المساجد للموضوع،
وبينوه للناس.
و إذا كنا قد وجهنا كلمتنا للمسؤولين فإننا نوجه كلمة للخطباء أن يقولوا قولة الحق بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وأن يكونوا مفاتيح للخير والألفة، فبذلك يصلون إلى ما يريدون.
اللهم أحفظ الكويت من كل شر، وأعنا جميعًا والمسؤولين على الأخذ بكتابك وسُنة نبيك ﷺ ومناصرة ما يدعو للفضيلة، والمحافظة على قيم الإسلام وأخلاقه.