; لا حل لتركيا إلا بالإسلام | مجلة المجتمع

العنوان لا حل لتركيا إلا بالإسلام

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989

مشاهدات 69

نشر في العدد 916

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 16-مايو-1989

الإيمان بفوائد الإسلام الاقتصادية من جانب وضرب الإسلام في جوانب أخرى إيمان وكفر لا يجتمعان.

السوق الإسلامية المشتركة لن تقوم دون أسلمة المجتمعات.

كفى تركيا ستون عامًا من الضياع مع الكمالية.

لا يتوقف مسلسل الحملات المناهضة للبعث الإسلامي في تركيا أبدًا رغم ادعاء المسؤولين هناك بتخفيف القيود المفروضة على بعض المظاهر الإسلامية ورغم المساعي الحثيثة لأجهزة الحكم للاستفادة من المد الإسلامي العالمي وتوظيفه اقتصاديًا لتكريس منهجها العلماني - ووعدها العالم الصليبي بتوجيه هذا المد من خلال ريادة تركيا - فيما يزعم بعض ساستها – لمؤتمراته ومنظماته الإسلامية على المدى الأرحب وربطه بالمصالح الغربية... بيد أن المقاومة التي يلقاها النظام العلماني من أبناء الصحوة أفشلت هذه التوجهات وكشفت للعالم حقيقة الدور الذي تريد تركيا أن تلعبه من وراء ورقة الإسلام.

 

لقد تم مؤخرًا اعتقال عمدة مدينة سان ليرفا السيد خليل إبراهيم شيليك واتهامه بتبني إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا واحتمال سجنه لمدة تصل إلى خمس عشرة سنة تطبيقًا لنص المادة ١٦٣ من قانون العقوبات التركي الذي يحظر القيام بأي نشاط يهدف إلى إقامة دولة في تركيا على مبادئ الإسلام... وفي نفس الفترة صدرت أحكام بالسجن مدة أربع سنوات وشهرين على السيد جمال كماشي وهو بطل أوروبا السابق في الملاكمة بسبب نشاطه الإسلامي.. إن مثل هذه الأحداث نبض حي لكيان أرادوا له أن يموت، وفي مدينة قونية ارتأى عمدتها أن يخصص مكانًا للطالبات في وسائل المواصلات وقامت الدنيا على مستوى رئيس الوزراء ووزير العدل ولم تقعد... حيث استطاع رئيس الوزراء السيد تورجوت أوزال أن يجد متسعًا من وقته المشحون بمئات المشاكل ليحتج ويأمر وزير العدل بالتحقيق في الموضوع والتأكد من أن تصرف عمدة قونية ليس من ورائه دوافع إسلامية.. وتراجع العمدة عن قراره وعادت وسائل المواصلات المخصصة للطلبة والطالبات تعكس الوجه العلماني المتزمت مع أن أمرًا مثل هذا ما كان يجب أن يحوز اهتمام السلطات المسؤولة لولا أن هناك رسالة يراد إبلاغها بصفة مستمرة للعالم العربي الصليبي وهي أن حراس العلمانية في تركيا ثابتون على العهد أمناء على المنهج حتى لو أغلقت السوق الأوروبية الصليبية أبوابها دونهم.

 

معروف أن الكمالية التي تتصارع مع الإسلام في تركيا لصالح الغرب الصليبي جاءت مسخًا مشوهًا لمؤامرات جمعية الاتحاد والترقي التي كان يتزعمها ماسونيون وعملت هذه الأيدي على مدى أكثر من ستين عامًا على اجتثاث الإسلام من تركيا..... فلما ظنت أن الأمور آلت إليها فوجئت بمؤتمر إسلامي احتشد له قرابة مئة ألف في قونية تزعمه نجم الدين أربكان في عام ١٩٨٠، ساعتها دبَّ الهلع في المعسكر الصليبي وتحرك الجيش ليزج بأربكان وحزبه في السجون... وصرخ أربكان أثناء محاكماته مخاطبًا قادة الانقلاب العسكري في ۱۲ سبتمبر ۱۹۸۰ (إنكم وعدتم بعدم محاكمة الأحزاب التي لم تشترك في أعمال العنف السياسي والإرهاب وحزب السلامة لم يشترك في هذه الأعمال، وبالتالي فإن المبادئ الأساسية لانقلاب ۱۲ سبتمبر ۱۹۸۰ لم يف أحد بها).

 

ولعل أربكان لم يدرك ساعتها - من فرط حماسه لقضيته - أن الانقلاب جاء أصلًا ليضرب الاتجاه الإسلامي وليحافظ على روح معاهدة لوزان التي اشترط فيها - كروزون - مستشار الخارجية البريطانية على مصطفى كمال أتاتورك أن يهدم الخلافة وأن يسحق أية محاولة لإعادة الخلافة، وأن يهدم الشعائر الإسلامية وأن يتخذ قانونًا أوروبيًا بدل الشريعة الإسلامية... ولعل مطاردة النظام لأصحاب الاتجاه الإسلامي في الجيش والشرطة وتصفيتهم وملاحقة الطلاب المتدينين ومحاكمة الحجاب والتحقير من شأنه لم تعد وقفًا على السلطات التركية بل أصبحت برنامجًا يوميًا للسلطات الأمنية في معظم وطننا الإسلامي الكبير... واللافت للنظر حقا أن هذه الاضطهادات لا تبلغ ذروتها ولا تضخم أحداثها إلا كلما تكرر مسعى تركيا مثلًا للدخول في عضوية السوق الأوروبية المشتركة، أو كلما ناقشت بعض الدول الإسلامية في الشرق الأوسط مسألة الديون مع صندوق النقد الدولي... ساعتها تصعد الأحداث وتشتعل المظاهرات احتجاجًا على رفع الأسعار أو نقص المواد التموينية ويقال للمؤسسات الغربية الصليبية إن الإسلاميين وراء هذه الأحداث وسنريحكم منهم وما أيسر التخلص من مسلم أعزل... وما أيسر أن يقدم أمثال هؤلاء قرابين لطواغيت الغرب... ومنذ بداية الأتاتوركية ذكر كانتون سميث في كتابه «الإسلام في العصر الحديث»: «إن الغرب يتمنى أن تتكرر التجربة الكمالية في العالم الإسلامي وتساءل الكاتب الصليبي عن إمكانية ظهور أتاتورك في باكستان ولعل هذا الكاتب لو عاش لرأى أن أماني الغرب التي سعى إليها وما زال في تكريس النهج العلماني في الوطن الإسلامي قد أتت حصادها المر وظهر من ورائها ألف ألف أتاتورك متقدين بحماس لم يتوفر لمصطفى كمال أتاتورك نفسه ولم تتوقع صدق الولاء فيهم دوائر الغرب الصليبي نفسها.. واللحى الباكية من وراء القضبان في شهر الصيام خير شاهد على ذلك... والأبدان التي غیبت في المعتقلات ونسيتها لجان حقوق الإنسان الدولية والعربية خير مثال على المؤامرة العالمية ضد الإسلام ورجاله.

 

السوق الأوروبية المشتركة والسراب الخادع:

 

منذ ولادة الكمالية الشائنة وهي تحاول دفع الشعب المسلم هناك دفعًا لتقليد الغرب، وانتهى الحال بهذا التقليد (الذي يعيد إلى الأذهان قصة الغراب الذي أراد أن يقلد الطاووس في مشيته) إلى واقع يصوره توينبي أحد مفكري الغرب بقوله: «من المؤكد أننا لم نكن نحب التركي التقليدي المسلم المتحمس الذي كان يثير حنقنا عندما ينظر إلينا من علٍ على أننا زنادقة... حاولنا أن نحط من كبريائه إلى أن استطعنا أخيرًا أن نحطم سلامه النفسي وحرضناه على القيام بهذه الثورة (أي انقلاب أتاتورك على الخلافة الإسلامية) التي استهلكته الآن أمام أعيننا... والآن وبعد أن تغير التركي بتحريضنا ورقابتنا وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلاً لنا وللشعوب الغربية... الآن نحس بالضيق والحرج ونميل إلى الشعور بالسخط والحنق منه... وللتركي أن يردد الآن - بناء - على هذا الاعتراف الصارخ من كاتب أدرى بمخططات الغرب الصليبي... "لقد نفخنا في القرب فلم ترقصوا وحزنا فلم تبكوا "...

 

هذا الكلام يجسد موقف السوق الأوروبية المشتركة التي هي بمثابة تجمع صليبي خالص ضد محاولات تركيا الدخول في عضويتها. إن العديد من العراقيل التي تطرح كمبررات لرفض الطلب التركي يمكن تذليلها أو تناسيها، سواء كانت تلك التي تتهم الاقتصاد التركي بالتخلف والقصور لأن دولًا مثل البرتغال وإسبانيا دخلتا السوق وهما في وضع اقتصادي متخلف عن بقية الأعضاء أو تلك المشاكل التقليدية بين تركيا واليونان والتي يمكن تسويتها لأن تركيا لديها استعداد للمضي إلى أبعد مدى في هذا الشأن فما سبب الرفض؟ يقول أحد كبار المسؤولين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا الغربية أن حصول تركيا على العضوية الكاملة في المجموعة الأوروبية لن يحدث أبدا» لماذا؟ يرد دبلوماسي أوروبي آخر: (إننا لن نستطيع التعايش مع تراثها وثقافتها الإسلامية).

 

وصدق الله العظيم: ﴿وَلَن تَرضَىٰ عَنكَ ٱليَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ (البقرة: ١٢٠).

 

كتب أحد المعلقين الأتراك يصور المأساة التاريخية التي ورطهم فيها الغرب الصليبي بقوله (عندما تصل إلى باب أوروبا يطلب إلينا الحارس أوراق هويتنا ولكننا لا نستطيع أن نجيبه إلا بقولنا إن الهوية القديمة (أي الإسلامية) لم تعد صالحة، ولكننا لم نحصل بعد على الهوية الجديدة) والخلاصة أن أوروبا أغلقت الباب نهائيًا في وجه تركيا ومصرة على أن تتركها كيانًا متخلفًا مستباحًا تأخذ منه ما تريد ولا تعطيه إلا ما يحقق مطامعها فما الحل؟ هل الحل هو إقامة سوق إسلامية مشتركة كما يسعى ساسة تركيا؟ وهل يمكن أن تقوم سوق إسلامية دون إسلام؟!

 

الإسلام هو الحل:

 

كان لا بد - إزاء الرفض الأوروبي لمساعي تركيا - في دخول السوق الأوروبية المشتركة أن يرمي رئيسها الجنرال ايفرين القفاز في وجه أوروبا، ويعلن أمام مؤتمر لمحافظي بنك التنمية الإسلامية قائلاً فليفهم العالم أن تركيا جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي وأنها ستظل كذلك إلى الأبد) ورغم أن هذا الكلام فيه شيء من إثارة حفيظة الغرب واستمالة الشرق تحقيقًا لمصالح اقتصادية لا أكثر إلا أنه من ناحية أخرى يشبه قول السادات في إحدى خطبه التي غضب فيها على الغرب فقال: (أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية) لكن ما الذي فعله الرجلان بالإسلام؟

 

لقد وظفا الإسلام لأهداف معينة ولوحا به لإخافة الغرب الذي لا يخاف رغم جبروته إلا من مسيرته وصدق الله العظيم: ﴿لَأَنتُم أَشَدُّ رَهبَة فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم قَوم لَّا يَفقَهُونَ﴾  (الحشر: ١٣).. يبقى رغم ذلك الحل في عودة تركيا لإسلامها ليس من الباب الاقتصادي فحسب، ولكن من أبوابه كلها.... يقول السيد ايرول مانيسا من جامعة إستانبول (إذا لم تنضم إلى المجموعة الأوروبية خلال الخمس أو الست سنوات القادمة... فسيكون انضمامنا مستحيلاً... لأن أوروبا الغربية ستكون دولة واحدة خلال فترة تتراوح بين ۱۲ - ۱۷ سنة... وعندئذ يكون انضمامنا مستحيلًا) ولا بد من الاتجاه إلى الشرق).

 

لذا فإن الخروج من المأزق الاقتصادي التاريخي لن يكون إلا بالانفتاح الشامل على العالم الإسلامي... لأن ربط عجلة الاقتصاد التركي بالغرب تنذر بعواقب وخيمة بعد أن تسارعت الخطوات لتوحيد أوروبا في شكل كيان اقتصادي واحد وبالفعل بدأت الدول الأوروبية في خفض وارداتها من تركيا وفرضت قيودًا على حركة العمالة التركية فيها.. وتراجعت جراء ذلك تحويلاتهم النقدية في الوقت نفسه الذي ارتفعت فيه صادرات تركيا إلى الشرق الأوسط، وهناك ٣٣٥ شركة تركية لديها عقود قيمتها عشرات المليارات مع الدول العربية، كما أن هناك مئات الألوف من العمال الأتراك يعملون في دول الشرق الأوسط... إلى هنا ولعل تركيا تدرك أن الدور الذي يريده لها الغرب الصليبي في أن تكون مجرد جسر وحارس للقيم العلمانية الصليبية مقابل حسنات تقدم في بداية كل سنة مالية... دور لا يليق والمكانة التاريخية العظيمة لشعب خدم الإسلام فعلاً وخدمه الإسلام حيث عرف العالم به وجعل له وسط العالمين مكانة خاصة...

 

إذن لا حل لتركيا إلا في الإسلام، وكأن الأحداث الحالية والمقبلة تدفع تركيا دفعًا نحو المسار الصحيح نحو منطلقها الإسلامي رغم كل العوائق والمؤامرات:  ﴿يُرِيدُونَ لِيُطفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفوَٰهِهِم وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوكَرِهَ ٱلكَٰفِرُونَ﴾(الصف: ٨).

الرابط المختصر :