; لا شفاء لأمراض الغرب السقيم إلا بما عندنا من دواء | مجلة المجتمع

العنوان لا شفاء لأمراض الغرب السقيم إلا بما عندنا من دواء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1353

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 08-يونيو-1999

معادلة صعبة تلك التي تتجاذب طرفيها حضارة هنا ومدنية هناك, أي حضارتنا في الشرق المسلم، ومدنيتهم في الغرب، ومحصلة تجاذب القوى في هذه المعادلة المعقدة ضياع فرص التعامل في المجتمع البشري جراء حالة التناشز بين هذين القطبين ففيما تحرص الحضارة الإسلامية على إضفاء قيمة إنسانية على كل شيء من مفردات هذا الوجود تتردى مدنية الغرب المادي لتسلب من الإنسان إنسانيته وتحيله إلى جزء من ماكينة المادة وشيء في منظومة هياكل آلاتها وأجهزتها، فلا يقوى على مقاومة طغيانها ولا على الخروج من قبضة قوانينها ومعادلاتها الصماء الجامدة.

ولكي لا تختلط علينا المفاهيم في زحمة الألفاظ أو تختلف لدينا الأسماء عن المسميات لابد من رسم حدود كل من الحضارة والمدنية ليتسنى بعدها معرفة موضع أقدامنا هنا أو هناك فالمدنية يمكن إجمالها بكل إبداعات التقدم العلمي ومنتجات التطور التكنولوجي من أدوات وآلات أما الحضارة فهي منظومة القيم، والآداب، والتقاليد والقوانين وألوان السلوك والأنماط المعرفية، وما يمس الوجود الإنساني من رؤى وأفكار، وتصورات ومعتقدات وفلسفات، وبعبارة أوضح فإن المدنية هي كل ما يمكن أن يدخل في صالات المتاحف، أما الحضارة فهي ما لا يمكن أن تحتويه المتاحف وصالاتها.

إن التطور المادي الذي أحرز الغربيون في ميادينه قصب السبق قدم للآدميين خدمات غير مذكورة، ووفر لهم أسباب الراحة والرفاه لكنه وقف عاجزًا عن حل مشكلاتهم الروحية والأخلاقية والاجتماعية بل وحتى الاقتصادية والسياسية إن لم يكن أضاف إليها ما هو أخطر من ذلك كله حينما صير من الإنسان شيئًا في ورشات التكنولوجيا شأنه في ذلك شأن كل أجهزة الماكينة ومركبات الآلة، بينما انبرت الحضارة الإسلامية تتصدى لحل المعضل الإنساني من خلال دورها الفاعل في توفير السعادة، وتأمين حياة الاطمئنان لهذا الإنسان الذي أنهكته قعقعة الحديد وسلب أمنه وأمانه ضجيج المصانع، فتصدت هذه الحضارة المنقذة لحل أزماته الروحية والعاطفية، والإنسانية، وهي تضفي على السلوك والأخلاق والأذواق أثوابا من السعادة والحبور، حتى اقتنع الإنسان الغربي قبل الشرقي بأن مدينته ذات الجذر المادي مهما تعملقت وتألقت فلا يمكنها أن تكون بديلًا عن البعد الحضاري في حياة المجتمعات البشرية، بل ربما ولدت المادية المتضخمة وغير المنضبطة بمعايير أخلاقية ومقاييس حضارية أكبر المشكلات للإنسان المعاصر. 

وقراءة متملية لما يزخر به الغرب من مظاهر مرضية تشهد على أن المجتمعات هناك على رغم ما أحرزته من تقدم مادي مدني فهي مبتلاة بما يقابله من ضمور على الصعيد الحضاري والقيمي والأخلاقي إلى الحد الذي يعصف بحياة الرفاه المادي ويحولها إلى سجن كبير، ومأساة مدمرة يتمنى معها الإنسان الغربي أن يقر بجلده منها إلى منأى من الأرض أو تهوي به الريح في مكان سحيق بعد أن دهمه الوحش المادي وافترس إنسانيته، وصادر قيمه وسحق حياته، فضيع عليه فرص السعادة والسعي نحو الكمال البشري ولذلك تعالت صيحات الاستغاثة من لدن الغربيين وكفروا بما هم فيه بعد أن انطفأت في نفوسهم جذوة الانبهار بإفرازات التكنولوجيا، وخفتت أصوات الإعجاب بإنجازاتها لما عانوه من شرور ظلالها الداكنة التي تجسدت قيودًا مرعبة كبلت إنسانية الإنسان، ومارست عدوانًا على وجوده ومشاعره وأحاسيسه فطعنتها تحت وطأة أمراض الكآبة والشعور بالتفاهة والغربة والوحدة القاتلة ولتلاحقه عندها مشاعر الخوف من المستقبل فترديه صريعًا في المصحات العقلية، أو في وديان الضياع، الأمر الذي اضطر أولي الألباب من الغربيين لأن ييمموا وجوههم شطر الشرق وحضارته الإسلامية المنقذة بحثًا عن حالة من التوازن الروحي والمادي ليحيا الإنسان في مناخاتها حياة طيبة في وسط المجتمع الآمن بكل ما يحفل به من قيم وآداب وخلق رفيع وفي خضم حياة كهذه التي يفتقر فيها الجميع لحالات التوازن تتضاعف مسؤولية المؤمنين وهم يرون كيف انقسم العالم إلى شقين أحدهما يرفل بالنعيم المادي لكنه يكتوي بنيران جحيم البؤس الحضاري، والتصحر الأخلاقي والجدب القيمي فيما ينعم سكان الشق الآخر بأفياء حضارة إنسانية رائعة رائدة، لكنهم يعيشون تخلفًا ماديًّا مزريًا، وما بين هذا التقصير وذاك القصور تتزايد الحاجة إلى مد جسور التفاهم بين بني البشر أجمعين ليأخذ سكان الشق الآخر، مما لدينا قبسًا حضاريًّا وضاء بسرجون به ليل بؤسهم، وظلام معاناتهم، ونهبهم من حضارتنا ما يسد جوعهم إلى القيم الخيرة، ونأخذ في المقابل من إبداعهم المدني ما نسد به خلتنا، وفي غير ذلك فسوف يظل الغرب يعاني من عطش قاتل، فيما سيرهقنا البون الشاسع عن التقدم المادي مهما كبرت خطواتنا، وتسارعت للحاق به.

ويخطئ الغرب خطأ مميتًا حينما يتصور أن إعلانه الحرب ضدنا أو التفكير بأن الانتصار علينا سوف يحقق أحلامه، لأن هذا الغرب السقيم لا شفاء له من أدوائه إلا بما عندنا من دواء، وأن تعامله العدواني معنا سوف يضيع عليه فرص علاجه من أمراضه الروحية المزمنة ونحن من جانبنا لا نضمر عداء للآخر على رغم ما ارتكب بحقنا من أخطاء، وما مارسه إزاءنا من عدوان، وما اتسم به من طغيان لأن حضارتنا قضت إلا أن تكون رحمة للعالمين، ولذلك لا سبيل لسكان الأرض غير التعايش الإيجابي ومقايضة قبسات الحضارة هنا مع آلات المدنية هناك لتكتب عندها سيرة حياة طيبة لكل أهل الأرض من خلال التوافق على مبدأ التكامل والتعاون على البر والتقوى.

الرابط المختصر :