; لا نفر من الزحف (الحلقة 3) | مجلة المجتمع

العنوان لا نفر من الزحف (الحلقة 3)

الكاتب محمد أمين المصري

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1975

مشاهدات 108

نشر في العدد 245

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 15-أبريل-1975

4- ما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين اليوم من الآية الكريمة ذلك يبينه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (آل عمران: 140-141).

كل شيء في الكون لا يتم إلا بتدبيره جل شأنه وتقديره وفي كل ذلك تحاط الوقائع بحكمته ويتخللها منّه وكرمه ورحمته، ومن الحوادث أن يرفع أقوامًا جل شأنه ويضع آخرين وقد يكون أولئك الذين رفعهم وأعلى ألويتهم أنصار الباطل دعاة الشر وما يرفع الله ألوية هؤلاء لأنهم أثيرون لديه جل شأنه ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:57)، ولكن الموضوع أمر آخر هو أنه لا بد أن تنفذ سنن الله في مخلوقاته، والآية التي سبقت هذه الآية هي قوله تعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران: 157) فللأمم سنن وللمجتمعات قوانين وضعها الخالق الباري جل شانه ومن أمثلة هذه السنن قوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء: 16)، والآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن المترفين هم الآلة المسخرة بيد القدرة الإلهية لتدمـير قرية وإفناء أمة. والمترفون هـم الذين يجمعون بين النعمة والرخاء والتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها وقد أبطرتهم النعمة وأطغتهم الشهوات ووسيلة هؤلاء الفسوق وهو الخروج عن طاعة الله جل شأنه.

والآية الكريمة ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ..﴾ (آل عمران: 140) نزلت بعد غزوة أحد وقد كان النصر فيها للمؤمنين ولكن أسبابًا وقعت حوّلت ميزان النصر وغيّرت اتجاه الغلبة وأضاع المسلمون النصر وكان الأمر لهم فأصبح عليهم، والأسباب التي أدت إلى ذلك جلية فيما أخبر به تعالى من أن الله صدق المؤمنين وعده فأخذوا بقتل المشركين وإخماد أنفاسهم ثم حدث أمر يوجز القرآن الكريم ذكره قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ(آل عمران: 152).

حين وقع الفشل -وهو الكسل والضعف والتراخي والجبن والتنازع والعصيان وإرادة الدنيا أضاع النصر أصحاب رسول الله.

وهكذا ترشد الآيات الكريمة إلى أن لله سننًا اجتماعية تنطبق على المجتمعات الإسلامية وعلى غـير المجتمعات الإسلامية، وأن هنالك شروطًا إذا أضاعتها الجماعات المسلمة فقدت قيادتها وأسلمت القيادة إلى أعدائها.

ولكن الآية الكريمة ترشد إلى أمر آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو مندرج في سنن الله جل شأنه ونظامه الكوني، وهو أن المحن والشدائد التي تصيب المسلمين ليست شرًا كلها وحين يغلب المسلمون ويدال عليهم فليس معنى ذلك أن الأمة قد تودع منها.

إن للشدائد غرضًا هامًّا جدًّا أن توقظ العيون النائمة وتؤجج الضمائر الهادئة وتثير إيمان ذوي الإيمان فتدفعهم إلى الوقوف أمام الباطل لمناجزته.

وهنا تقدم الضحايا ويتقدم الشهداء ويميز الله الخبيث من الطيب ويعلو صوت الإيمان وتشتد الأمور حتى يدرك الخطر الجموع وحينما يضيق الخناق ويشعر الأفراد جميعًا بشدة وطأة الأعداء تنطلق الصيحات وتشرئب الأعناق لترى تباشير النصر وتطلع القلوب لتنظر آفاق الأمل وهنالك تتقدم طلائع الإيمان تستقبل الموت وتحمل في أعماق نفوسها الثقة والرجاء والأمل.

وهنالك في مثل هذه الشدائد يُبتلى المؤمنون ويزلزلون زلزالا شديدًا وهنالك تمحص القلوب وتنقـى الضمائر ويزداد الذين آمنوا إیمانا، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)  

هذه الكلمات اليسيرة تنطوي على تقلبات الأيام وعاديات الزمان وتشير إلى التاريخ الطويل في حساب الناس حين تصل أمة إلى الذروة ثم تطرأ عليها الطوارئ وتعصف بهـا العواصف فتتغير القلوب على مر الزمن وتتبدل النفوس وتنحدر الأمة ثم تفيق من غفوتها فإذا هي مستذلة مغلوبة مقهورة.

فمداولة الأيام يقدرها الله شأنه لحكم يعلمها جل شأنه. 

وقد أشاد تباركت أسماؤه بذكر صنفين من الناس يعلو شأنهم في أيام الشدائد وتسمو مكانتهم أولئك هم المؤمنون والشهداء قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140).

وإن الآية الكريمة لجديرة بأن تدفع المؤمنين دفعا قويًّا إلى إدراك مراميها والعمل بهديها، إنها نداء للمؤمنين ليعلم الله ايمانهم، وللشهداء ليتقدموا إلى منازلهم.

الآية الكريمة ترشد المؤمنين إلى ما يجب عمله في مثل هذه الأحوال التي يدال فيها على المؤمنين ويغلبون على أمرهم فلها أغراض كريمة في ثنايا هديها وإرشادها.

الغرض الأول أن يعلم المؤمنون أن لله سننًا لا تتخلف؛ فالعاملون المجدون يجنون ثمرات عملهـم، والخاسرون الفاشلون الذين لا يعملون والذين ينتظرون فرج الله ويرجون بزعمهم نصرًا دون أن يبذلوا جهدًا أو مالاً أو نفسًا هؤلاء يكذبون على أنفسهم ويخادعونها ويتجاهلون أن نصر الله لا يكون إلا لمن ينصر الله.

والغرض الثاني أن يعلم المؤمن أن الشدائد التي تصيب المؤمنين يريد الله جل شأنه بها تمحيص قلوب المؤمنين بتنقية الضمائر من الأغراض الدنيوية والمنافع الشخصية وتطهير النفوس من أوشابها برجوعها بسبب الشدائد إلى ربها وإخلاصها لخالقها. وبعد ذلك كله يريد الله جل شأنه أن يتبارى المؤمنون ويتقدم المخلصون الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 207) هؤلاء هم طلائع الخير ورواد الحق ووسيلـة إنقاذ الأمة. 

إن الشدائد تُخرج أبطالاً وتُقدم رجالاً ينسون أنفسهم ومصالحهم ويدعون أغراضهم ويعملون في سبيل الله ويرضى عنهم الله جل شأنه ويرضى عنهم الناس ويعلي الله شأنهم ويكثر أتباعهم وينصر الله بهم، كل هذه المعاني مندرجة في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140).

وفي قوله ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (آل عمران: 141).

والغرض الثالث من هدي الآيات الكريمة ألا يتسرب الوهن في الساعات الرهيبة إلى قلوب المؤمنين ولا يغلب عليها الحزن ولا يجد اليأس إليها سبيلا. 

إن الوهن من صفات النفوس الضعيفة التي عدمت ثقتها بنفسها وضعفت صلتها بخالقها ولم يكن لديها ذلك الإدراك النافذ والنظـر الثاقب والرأي الحصيف، ولم يكن لديها ذلك الضمير النقي الخالص وتلك العزيمة الماضية، تلك هي النفوس التي غلبت عليها شهواتها.

أما النفوس المؤمنة فهي النفوس الواعية اليقظة المدركة النقية الخالصة التي تؤمن أن الأمور مهما عظمت فهي حقيرة بجانب عون الله، وهذه النفوس هي التي غلب عليها إيمانها فلا تهن ولا تحزن وتؤمن أنها الغالبة المستعلية بإذن الله ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

لا يجوز للمؤمن أن يتسرب الوهن إلى قلبه والسبيل لذلك أن يكون مع الفئة المؤمنة تلك الفئة التي ذكرها رسول الله عليه صلوات الله وسلامه ووصفها ليعلم الناس ما يجب أن يكونوا عليه في أيام الشدائد والخطوب، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة»، والرواية الثانية في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك».

وكثير من المسلمين يظنون بأنفسهم خيرًا ويحسبون أنهم من الطائفة التي ذکر رسول الله عليه صلوات الله وسلام،ه ولكن المؤمن فطن لقن يحسن محاسبة نفسه ولا تغره دعاويها، وفي هذه الروايات الثلاث وصفت الطائفة بأنها تقاتل على الحق وبأنها غالبة.

وأقول: أفراد هذه الطائفة هم المؤمنون، وهم الشهداء الذين ذكر الله تباركت أسماؤه، وهؤلاء لا يهنون ولا يحزنون وهم الأعلون.

الغرض الرابع في هدي الآيات الكريمة أن يعلم المؤمنون أن أيام الشدائد لا بد فيها من تضحيات الأموال والأنفس قال تعالي: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 142). 

ويتصل بهذا أن يرى المؤمن الحياة رخيصة في سبيل الله وأن يصدق في عدم خوفه من الموت، فإذا ادّعى أنه لا يخاف الموت في ساعات الأمن فيجب أن يصدق قوله فعله في ساعات اللقاء. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (آل عمران: 143).

ويؤكد عدم الخوف قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (آل عمران: 145).

الغرض الخامس في هدي الآيات الكريمة في الساعات التي يدال فيها على المؤمنين أنه لا عذر للمؤمنين في قولهم ليس لنا قيادة نقاتل تحت لوائها ولا نعرف جماعة نطمئن إلى الانضواء تحت رايتها لا عذر لهم في ذلك؛ لأن أصحاب رسول الله حين قعد بعضهم وتركوا القتال في غزوة أحد حين نادى مناد بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام قد مات عنفوا على قعودهم وعوتبوا عتابًا شديدًا قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144). إنها تربية مُثلى للنهوض بالأمور الكبيرة ولحمل التبعة يكلفها كل فرد من أفراد المسلمين وهو مؤمن في قرارة نفسه أن عليه أن يقوم بالمهمة مهما عظمت ولو كان وحده.

والغرض الأخير في هذه الآيات الكريمة التأكيد على وجود الطليعة وأنصار الحق الذين يتقدمون ويستبقون إلى الخير، وصفة هؤلاء أنهم رببون غلبت عليهم النسبة لله جل شأنه لا يثار جانب الله عندهم على ذل جانب سواء لا يهنون ولا يضعفون ولا يستكينون. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران: 146-147).

إن الأمة لا ينقذها في مثل هذه الأيام إلا طليعة تتصف بصفات المؤمنين والشهداء تجمع شمل المؤمنين وتكون مع الصادقين تدعو إلى الله وتحتمل أنواع الأذى في سبيل ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل