; لا نهاية للحرب | مجلة المجتمع

العنوان لا نهاية للحرب

الكاتب باتريك بوكانان

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1599

نشر في الصفحة 24

السبت 01-مايو-2004

تراجع الإمبراطورية الأمريكية بدأ.. ونفوذ المحافظين يتلاشى

كتاب نهاية الشر مليء بالأخطاء ويمثل لائحة دفاع المحافظين الجدد ضد التهم الموجهة إليهم بشأن دفعهم البلاد في أتون حرب ربما تكون أكبر كارثة منذ حرب فيتنام...

الأجندة السرية للمحافظين الجدد.. حرب دائمة تمتد من ليبيا إلى كوريا 

مع حرب تبلغ تكاليفها مائتي مليار دولار وتزايد الضحايا. يبدو أن الرئيس بوش يشعر بالندم من الليمون الحامض الذي باعه له بيرل وأصدقاؤه

بدأ المحافظون الجدد يفقدون نفوذهم السياسي.. وبدلا من خوض غمار حروب جديدة فإن بوش ورامسفيلد يفكران في مخرج من المستنقع الذي وقعا فيه

مشكلتهم ليست في أن الكثيرين منهم من اليهود بل في أن القليل منهم حقًّا من المحافظين.. لماذا لا يتخلون لحظة في شعاراتهم عن تأييد شارون؟ ولماذا يدعون لتسخير قوة أمريكا لمحاربة أعداء إسرائيل؟!

الجنرال أنتوني زيني أحد أبطال حرب فيتنام: لا أعرف من أين جاء هؤلاء المحافظون الجدد؟ 

إذا كانت القاعدة مسؤولة عن أحداث سبتمبر.. فإن السؤال: متى هاجمتنا حماس؟ وإذا كان في مقدور «إسرائيل» التعايش مع حزب الله فلماذا يكون من واجبات أمريكا تدمير حزب الله؟!

خلال السنوات الماضية علا صوت المحافظين الجدد أو اليمين المتشدد.. وملأت أطروحاته ونظرياته -خاصة حيال العالم العربي والمسلمين عمومًا- الساحة.. بل وجدت تلك الأطروحات طريقها للتنفيذ على أرض الواقع في فلسطين وأفغانستان والعراق، وما زالت تشق طريقها إلى مواقع أخرى في المنطقة.. لكن صوتًا مهمًّا ظل محجوبًا أو تجرى محاولات حجبه وهو صوت تيار كبير ومهم في الساحة الأمريكية يقف بالمرصاد للمحافظين الجدد يفند أطروحاتهم ويكشف أخطار مخططاتهم على المصالح الأمريكية، بل والدولة الأمريكية ذاتها. وللتعرف على رؤية هذا التيار اخترنا - كنموذج - مقالاً للكاتب المحافظ باتريك بوكانان مرشح الرئاسة السابق الذي نشره في عدد مارس من مجلة «الأمريكان المحافظين» The American Conservative  وننشر هنا أهم ما جاء فيه:

لا نهاية للحرب إن وصفة فروم - بيرل ستورط أمريكا في نزاع لا نهاية له

يذيل ريتشارد بيرل غلاف كتابه بوصف صحيفة واشنطن بوست له كمرشد لحركة المحافظين الجدد المتشددة في السياسة الخارجية. وعند قراءة كتابه يدرك المرء أن حركة المحافظين الجدد قد انتهت، لا لأنها أصبحت تفقد سيطرتها على السلطة فحسب، بل لأنها فقدت الواقعية.

في كتاب «نهاية الشر» كيف نكسب الحرب ضد الإرهاب؟ يقول بيرل إنه لا خيار آخر لأمريكا، فإما النصر على الإرهاب أو الإبادة الكاملة؛ فالجديد منذ الحادي عشر من سبتمبر أن التهديد الإرهابي الذي اعتقدنا أننا قد احتويناه ها هو يهدد بقاءنا كافة...

ولكن كيف أصبح بقاؤنا كافة مهددًا بالرغم من أنه لم يمت أي أمريكي في الأرض الأمريكية من جراء هجوم إرهابي بعد أحداث سبتمبر؟! أصحيح أننا نواجه خطر الإبادة مثل تلك التي واجهها يهود بولندا؟ 

ويقول بيرل في كتابه: هناك اتجاه إسلامي متطرف للإطاحة بحضارتنا وتحويل الأمم الغربية إلى مجتمعات إسلامية عن طريق فرض الإسلام وقوانينه على كل العالم، نعم إن الإسلام المتطرف قد دعا لذلك منذ القرن السابع الميلادي، إن أولاد «تورا بورا» يريدون الإطاحة بحضارتنا وإرغامنا على التوجه إلى مكة خمس مرات في اليوم لأداء الصلاة.

وقد قال لنكولن: «إذا كان قدرنا هو الدمار فينبغي أن يتم ذلك على أيدينا، فنحن كأمة أحرار علينا أن نعيش في كل زمان أو ننتحر».

وقد قيل إن الشيء الوحيد الذي ينبغي أن نخاف منه هو الخوف نفسه؛ فالرعب غير المبرر يحول دون المضي قدمًا إلى الأمام.

والخوف هو الذي يشير إليه بيرل، وزميله ديفيد فروم ليحمل أمريكا على الفرار مذعورة، ومثل هذا الخوف هو الذي دفعنا لشن مثل هذه الحرب على العراق، بالرغم من إدراكنا أن العراق لا يد له في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث لم تكن لها صلات بالقاعدة، كما أنها لم تمتلك أسلحة الدمار الشامل ولا برامج نووية ولا خطة لشن هجوم علينا.

وبالرغم أن العراق لم يكن العدو الواضح الماثل أمامنا إلا أن المؤلفين بيرل وفروم يصران على أنه كان العدو الواضح الماثل أمامنا.

ويدّعي المؤلفان في كتابهما: «بالنسبة لنا الإرهاب سيظل هاجسًا، وإن شن الحرب ضد هذا الشر سيظل المهمة الكبيرة لجيلنا، ولا نظن أن أمريكا تحارب هذا الشر لترويضه وتخفيف أضراره، إلا أنها تسعى لوضع حد لهذا الشر قبل أن يلتهم المزيد ولا خيار آخر لأمريكا: فإما أن تنتصر على الإرهاب أو تنتظر الإبادة».

ولكن لا تستطيع أي أمة «إنهاء الشر»، فالشر متأصل في الإنسان منذ قام قابيل بقتل أخيه هابيل والنزعة للشر موجودة عند كل إنسان، وإذا كان الله قد قبل بقاء الشر فكيف يجوز للمؤلفين فروم وبيرل أن يقترحا إنهاءه، ولا تستطيع أي أمة النصر في الحرب على الإرهاب... وعلى كل حال فالإرهاب يعني قتل غير المحاربين لأهداف سياسية.

وقتل الأبرياء لأهداف سياسية هو بلا شك عمل شرير، إلا أن الظن بأن في الإمكان إنهاءه مناف للعقل، والقساة واللا أخلاقيون الذين يسعون للسلطة والخلود حتمًا سيلجأون للعنف والقتل، ودائمًا ينجحون في تحقيق مآربهم.

ويبقى السؤال: ماذا عن أمريكا أن تفعله لتحقق النصر على الإرهاب؟ 

يجيب المؤلفان: ينبغي القبض على الإرهابيين قبل أن يقتلوا أفراد شعبنا أو أفرادًا آخرين، كما ينبغي أن نردع كل الأنظمة التي تستعمل الإرهاب ضد الآخر سواء كان أمريكيًّا أو غيره.

ومن الغريب أن يطالب المؤلفان أمريكا بالقيام بمسؤولية الدفاع عن كل فرد ضد الإرهاب وردع كل الأنظمة التي قد تلجأ إلى الإرهاب في أي مكان في الكرة الأرضية.

إلا أنه ينبغي أن ندرك أن هناك 192 دولة، وأن هناك أنظمة مختلفة في البلاد التي تمتد من ليبريا إلى الكنغو وكوبا ... ومن زيمبابوي إلى سورية وأوزبكستان.. ومن السودان إلى جنرالات الحرب في أفغانستان.

والسؤال: هل في مقدورنا أن نحارب كل هؤلاء؟ بالطبع لا.

وباستثناء كوريا الشمالية، فالنظر لقائمة الدول التي ينبغي مهاجمتها في رأي المؤلفين يكشف وكأنها قد أعدت في وزارة الدفاع الإسرائيلية، والمؤلفان يشيران إلى الأهداف التي ينبغي أن تعطى الأولوية ويذكران أن الحرب ضد الإرهاب لم تنته بعد؛ فالقاعدة وحزب الله وحماس لا تزال تشكل خطورة.

إذا كانت القاعدة مسؤولة عن أحداث سبتمبر. إلا أن السؤال هو: متى هاجمتنا حماس؟ وإذا كان في مقدور «إسرائيل» التعايش مع حزب الله؛ فلماذا يكون من واجبات أمريكا تدمير حزب الله؟

ويشير المؤلفان إلى أن إيران وكوريا الشمالية تشكلان خطرًا على أمن أمريكا، ومن ثم فعلى أمريكا أن تردعهما وكل الجهات الأخرى التي ترعى الإرهاب مثل سورية وليبيا، ويطالب المؤلفان بقطع إمدادات النفط عن سورية وتحذير رئيسها الأسد وإبلاغه بضرورة إجلاء قواته من لبنان وتسليم المشتبه فيهم بممارسة الإرهاب وإلا سيكون مصيره كمصير صدام.

السؤال هنا: ماذا فعلت سورية؟ وهل إذا أخطأ الأسد تقصف دمشق؟ وأين سنجد القوات الكافية؟ وماذا سيكون حالنا إذا لجأت سورية إلى حرب العصابات؟ 

لا ننسى أن والد بوش الحالي قد جعل من حافظ الأسد حليفًا لأمريكا في حرب الخليج، وأن إيهود باراك عرض على الأسد 99,5٪ من مرتفعات الجولان وإذا كان الأمر كذلك فلماذا  يتم تدمير نظام بشار عن طريق واشنطن؟

ويذكر المؤلفان فروم وبيرل أننا لا نملك وقتًا كافيًا، ولكن ماذا فعل الأسد حتى نهاجمه؟ أما العقيد القذافي فيدفع الآن بلايين الدولارات كتعويض لضحايا طائرة «بان أمريكا»... ويتخلى عن أسلحة التدمير الشامل، بل يدعو المفتشين الأمريكان للتأكد من نزعه للسلاح؛ لذا لماذا من الضروري الإطاحة به؟

وماذا فعلت إيران لنشن عليها حربًا؟

 وحسب تصور فروم وبيرل فإن إيران قد تحدثت «مبدأ مونرو» وقامت برعاية القتل في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وتسببت في قتل ستة وثمانين وإصابة المئات من أفراد الجالية اليهودية في بوينس أيرس.. وأن واشنطن فعلت أسوأ من ذلك حينما دخلت مفاوضات مع القتلة.

إلا أنه يجب أن نعرف أن ذلك العمل الوحشي قد وقع قبل عدد من السنين، أي قبل انتخاب حكومة محمد خاتمي الإصلاحية، وإذا افترضنا أن إيران كانت وراء الهجوم على الجالية اليهودية في بوينس أيرس، فلماذا لا تنتقم منها الأرجنتين وإسرائيل، ولماذا تكون العقوبة من مسؤوليتنا؟ فضحايا هجوم بوينس أيرس لم يكونوا أمريكيين، وإن الهجوم وقع على بعد خمسة آلاف ميل من الولايات المتحدة.

أما بالنسبة لإيران فيرى المؤلفان أنه ينبغي وضع حد لنظامها؛ لأن آية الله خامنئي لم يعد له الحق في السيطرة على أشخاص آخرين وعلى أموالهم.

ويضيف المؤلفان ليس في مقدورنا فعل شيء ما إزاء مثل هؤلاء المجرمين، كما أنه ليست لنا رغبة في فعل شيء بهذا الصدد، إلا أن الأمر عندما يصبح في مقدورنا ورغبتنا فإنه يجب أن نقذف بعيدًا بأي دكتاتور دون أن نشعر بالندم.

ولكن السؤال: أين الصلاحية الدستورية التي تخول للرئيس القيام بمثل هذا العمل؟ وإذا كانت الإطاحة بصدام اقتضت إرسال حوالي مائة وخمسين ألفًا من الجنود الأمريكيين فكم من القوات سنرسلها لاحتلال عاصمة دولة يبلغ تعداد سكانها ثلاثة أضعاف العراق؟ كم من الضحايا والجرحى كاف -في نظر صقور الحرب - كثمن للإطاحة بنظام الملالي في إيران؟ 

وبالنسبة لكوريا الشمالية يقول المؤلفان ما دامت تفضل عدم تصعيد الموقف فينبغي مطالبتها بتسليم موادها النووية وإغلاق مواقع صواريخها، وإذا رفضت ذلك فينبغي على واشنطن شن هجوم على مواقعها النووية وفرض حصار جوي وبحري عليها، وعلى كوريا الجنوبية أن تكون مستقرة لمثل هذا التطور، بيد أن المؤلفين لا يعرفان متى ستنتهي مثل هذه الحرب كما لا يعرفان كيف ستنتهي حرب العراق.

ويضيف المؤلفان بأن الطريق الوحيد للخروج من أزمة استمرت لعقد من الزمان هو الإطاحة بكيم جونج واستبدال حاكم شيوعي آخر به يكون أكثر خضوعًا للصين، وعلى أمريكا القبول بمثل ذلك الحل.

حسنًا، فحسب رأي المؤلفين ينبغي على أمريكا أن تتورط في حرب كورية أخرى؛ الأمر الذي قد يعرض قواتنا لهجوم نووي، وإذا ما كسينا الحرب فإن علينا القبول بحاكم كوري شمالي خاضع لبكين، ولكن كم من الخسائر والضحايا سنتكبدها لنجعل كوريا الشمالية تابعة لبكين؟ 

ولا تنتهي إلى هذا الحد قائمة الأعداء التي أعدها فروم وبيرل، حيث يريان ضم فرنسا للقائمة إذا لم تغير سياستها.

ويقول المؤلفان: إننا نشعر أن العزيمة للنصر آخذة في الانحصار وأن هناك عودة للعادات القديمة المتمثلة في الرضا ونكران الذات.

فمع حرب تبلغ تكلفتها مائتي بليون دولار أو أكثر، وارتفاع عدد الضحايا، واحتمال سقوط العراق في أتون الفوضى والحرب الأهلية يبدو أن الرئيس بوش يشعر بالندم من الليمون الحامض الذي باعه له بيرل وأصدقاؤه.

 فقد صوروا له أنه سيمتدح كمحرر للشعوب وأن الديمقراطية ستعود للعراق وستزدهر في منطقة الشرق الأوسط، وأن الفلسطينيين والإسرائيليين سيتوصلون إلى اتفاق سلام وربما يغمغم الرئيس بوش مع «اللورد ملبورن» حينما قال: إن كل ما قاله الحكماء لم يحدث وأن ما قال الأغبياء قد حدث.

كيف يرى بيرل وفــروم وضعنا في العراق؟ حيث يقولان: كان من أكبر أخطائنا عدم رغبتنا في السماح للمؤتمر الوطني العراقي والذي كان يشكل المعارضة الرئيسة لصدام بتشكيل حكومة انتقالية بعد سقوط بغداد؛ ففي عام 1944م سمحنا للقوات الفرنسية بدخول باريس قبل القوات الأمريكية والبريطانية، وكان ينبغي أن يتم نفس الشيء في عام 2002م في العراق.

وهكذا أصبحنا في مشكلة لأننا لم نسمح «لأحمد الجلبي» بالقيام بالدور الذي قام به شارل ديجول ويدخل في بغداد كما دخل ديجول باريس من قبل. 

وعلى كل حال فإن كتاب نهاية الشر المليء بالأخطاء هو دفاع المحافظين الجدد عن التهم الموجهة إليهم بشأن دفعهم البلاد في أتون حرب ربما تكون أكبر كارثة منذ حرب فيتنام وجدير بالذكر، أن بيرل، ذكر في عمود له -بمجلة «كوبلي نيوز» في ديسمبر 2001م- ذكر بأن صدام يعمل على إنتاج سلاح نووي، وأن المسألة مسألة وقت حتى يكون من أصحاب السلاح النووي.

وقد أشار إلى خـضـر حمزة كأحد الأشخاص الذين يشرفون على برنامج الأسلحة النووية، وأن المنشآت النووية تنتشر في أنحاء العراق، ومن ثم فإن اتخاذ إجراء وقائي لا مفر منه لضمان سلامة أمريكا.

وأكد بيرل في نهاية عام 2001م أن الخطر النووي العراقي أصبح وشيكًا، وذكر أنه مع مضي كل يوم فإن صدام يصبح قريبًا من تحقيق حلمه في اقتناء الترسانة النووية، وأنه ينفذ برنامجًا سريًّا لتخصيب اليورانيوم لتحقيق تطلعاته.

وأضاف أن مصادر المخابرات تدرك أنه قادر ماليًّا على شراء مواد للأسلحة النووية ومكوناتها متى يتم ذلك؟ ربما في عامين أو ثلاثة أو ربما بعد يوم واحد.

وعندما كتب بيرل ذلك كان على دراية بتقارير المخابرات بوصفه رئيسًا لمجلس سياسة الدفاع، ويبقى السؤال: هل خضر حمزة تعمد خداع بيرل، أم أن بيرل تعمد خداعنا؟ وكان بيرل يزعم أن تعاون صدام مع الإرهابيين أمر ثابت وأن هناك دلائل على اجتماع مسؤول مخابرات عراقي كبير في براغ مع محمد عطاء الذي قاد عمليات الحادي عشر من سبتمبر.

ومن ثم فإن بيرل كان يطالب بالحرب، وفي أعقاب الحرب التي ضرب لها بيرل وشركاؤه الطبول نتساءل: لماذا لم تنته كما كانوا يبشرون بها؟

ويجيب هؤلاء بالقول: إن أي كارثة في العراق سيكون سببها فساد وجبن وزارة الخارجية والمخابرات المركزية، وكتب التحقيقات الفيدرالية والجنرالات المتقاعدون.

ويضيفون إننا قدمنا توصيات محددة مساوية للتهديدات التي واجهناها، إلا أن العناصر الرخوة لم ترغب في الحرب.

ونعود للقول: إن المحافظين الجدد بدؤوا يفقدون مواقعهم ونفوذهم السياسي، وبدلاً من خوض غمار حروب جديدة في الشرق الأوسط فإن بوش ورامسفيلد يفكران في مخرج من المستنقع الذي وقعا فيه.

ومن ناحية أخرى فإن الأمريكيين باتوا يفضلون ترك الحديث المنمق عن القطبية الأحادية والإمبراطورية الأمريكية؛ لأن هناك حدودًا لقوة أمريكا، فهناك تذمر من إرسال أولادنا للقتال في مناطق بعيدة والرئيس بوش قال في خطابه حالة الاتحاد هذا العام إن أمريكا لا ترغب في الهيمنة ولا في إنشاء إمبراطورية، متراجعًا عن حديثه السابق عن محور الشر.

ومن ثم يمكن القول إن تراجع الإمبراطورية الأمريكية قد بدأ.

وفي واشنطن ترددت شائعات حول عودة جيمس بيكر وذهاب بول وولفوتز، ويقال في مثل هذه الحالة «اعصر البرتقالة ثم اقذف القشرة».

كان يجدر ببوش قبل أن يورط بلاده في حروب خارجية أن يقنع مواطنيه بجدواها ويقنع الكونجرس بدعمه.

إذا كان الهدف هو الدفاع عن أمريكا؛ فكتاب نهاية الشرء يبدو غير منطقي، حيث يعطي الانطباع بأن مهمة القوات الأمريكية هي جعل الشرق الأوسط منطقة آمنة لشارون.

وإذا كان في مقدور «بوش» إقناع بشار الأسد بمساعدتنا في القضاء على القاعدة، كما فعل والده في إقناع والد بشار الأسد في إجلاء العراق من الكويت، لماذا لا نجعل سورية حليفة بدلاً من أن نصنع منها عدوًا للولايات المتحدة؟

بيد أن مشكلة المحافظين الجدد أنهم لا يريدون تقليص قائمة الأعداء، فهم لا يريدون حصر الحرب ضد الجهات التي هاجمتنا بل هم ساعون لتشمل قائمة الأعداء كل الدول المعادية له إسرائيل.

وفي الحقيقة فإن هؤلاء يريدونها حربًا من أجل الهيمنة في الشرق الأوسط وإنشاء إمبراطورية، مستغلين أحداث سبتمبر، وتهورهم لا حدود له في هذا الصدد.

يقول العقيد جون بويد وهو شخصية عسكرية مرموقة: «إن السياسة الحكيمة هي أن تحقق لدولتك أكبر قدر ممكن من مراكز القوة وتعزل عدوك من أكبر قدر ممكن من مراكز القوة».

وهذه الاستراتيجية هي التي لجأ إليها بوش الأب في حرب الخليج، حيث إنه حث روسيا والصين على مساندته في مجلس الأمن، كما حث ألمانيا واليابان على المساهمة في تمويل الحرب، وحث أيضًا سورية ومصر لإرسال قواتهما لساحة القتال، فيما طلب من بريطانيا وفرنسا المشاركة في القتال، كما قدم وعودًا لكل من هذه الدول بأخذ نصيبها في حالة الفوز، وقد تسمى هذه الوعود برشاوى إمبريالية إلا أن «بوش الأب» نجح في تأليب العالم ضد العراق وقد حذا حذوه بوش الابن في حربه في أفغانستان.

ومن ثم يمكن القول إن ما يدعو إليه الآن المؤلفان (فروم وبيرل)، مناقض لتلك الاستراتيجية الحكيمة، فهما يدعوان بوش لتوسيع نطاق الحرب وساحات القتال كما يدعوانه لمضاعفة عدد أعدائنا وتجاهل حلفائنا.

وإذا استجاب الرئيس بوش لنصائحهما، فإن أمريكا وإسرائيل، ستصبحان في مواجهة العالم العربي والإسلامي، أما أوروبا فستلتزم الحياد بينما غالبية الدول الآسيوية ستتمنى إذلال أمريكا.

والمحافظون الجدد يؤمنون بضرورة تدمير السلطة الفلسطينية وإبعاد عرفات وتسليم مرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية إلى إسرائيل بصورة نهائية.

وهم راغبون في القضاء على حزب الله ومسح سورية، دع هؤلاء المحافظين الجدد يقولون ما يريدون، ولكننا نقول لهم: إن أجندتكم غير أمريكية وإنكم لا تحاربون من أجل أمريكا.

 يجب أن يكون واضحًا أنه ليس للولايات المتحدة الأمريكية مصلحة من الدولة التي ترفع علمها في الجولان والقدس الشرقية عندما كان باراك راغبًا في التخلي عن كليهما، وإذا ما أراد المحافظون الجدد تحويل الإرهاب إلى حرب نيابة عن «إسرائيل» ضد الفلسطينيين فإن الحرب لن تنتهي.

والأجندة السرية لهؤلاء المحافظون الجدد هي حرب دائمة في سبيل سيطرتهم الدائمة، وفي ذلك يقول المؤلفان: إن ذلك هو القضية الكبرى لجيلنا.

ويتساءل البعض: من الذين يعملون لتوريط البلاد في سلسلة من الحروب والمشكلات التي تمتد من ليبيا إلى كوريا؟ 

ويجدر بنا أن نعلم أن فروم -أحد المؤلفين- غير أمريكي، ولم يصبح مواطنًا إلا بعد حصوله على وظيفة في البيت الأبيض تتعلق بأحاديث بوش، وقد طرد من وظيفته بعد عام عندما تباهت زوجته في الإنترنت بأن زوجها هو الذي اخترع عبارة محور الشر.

وعندما طرد من البيت الأبيض، قام بالعمل في مجلة ناشونال ريفو حيث صار يتحدث عن المحافظين غير الوطنيين الذين يكرهون المحافظين الجدد وبوش بل يرغبون في هزيمة أمريكا في حربها ضد الإرهاب.

أما بيرل، فخلافًا لفروم، لعب دورًا خطيرًا منذ عهد نكسون وفي عام 1996م كتب بحثاً بالاشتراك مع كاتب آخر يحث فيه بنيامين نتنياهو على إلغاء معاهدة أوسلو وضم الضفة الغربية ومواجهة سورية.

وسبق لبيرل أن قال لرئيس وزراء إسرائيلي: إن الطريق إلى دمشق يمر عبر بغداد.

وكمستشار للمرشح الجمهوري روبرت دول كان بيرل يحث إسرائيل، سرًا على إلغاء معاهدة سلام أيدتها بلاده.

وفي عام 1998م قام بيرل وآخرون من المحافظين الجدد بإرسال مذكرة للرئيس كلينتون طالبين منه شن حرب على العراق ووعدوه بالتأييد إذا قام بالهجوم على العراق.

لماذا يبقى بيرل في منصبه بوزارة الدفاع بالرغم من دعوته لشن الحرب على أربع أو خمس دول؟ ولماذا يتحمل بوش الابن ذلك الأمر الذي لم يكن يتحمله والده؟ 

والمحافظون الجدد أصبحوا يفقدون مواقعهم ويعزلون أنفسهم نتيجة لمواقفهم غير المنطقية وهم يلوحون بتهمة معاداة السامية لمخالفيهم، إلا أن الناس لم يعودوا يخشون كثيرًا مثل هذه التهمة.

الجنرال أنتوني زيني، أحد أبطال حرب فيتنام أعلن معارضته لحرب العراق، ذاكرًا أن الحرب يحرص عليها المحافظون الجدد الذين لا يفهمون طبيعة المنطقة، حيث إن الحرب ستؤدي إلى حالة من الفوضى والدمار، ولا أعرف من أين جاء هؤلاء المحافظون الجدد الذين فرضوا سيطرتهم على الرئيس ونائبه.

وقد كان رد مجلة ناشونال ريفو على تصريح زيني اتهامه بمعاداة السامية، بل إن كاتبها جول موبري اتهم زيني بإلقاء اللائمة على اليهود، وذكر أن عبارة المحافظين الجدد المعروفة منذ ربع قرن يرددها أعداء السامية.

وبمثل هذا الهجوم فإن موبري ومجلة ناشونال ريفو قد أساءا إلى رجل عسكري كرس جهده في الدفاع عن وطنه، ومثل هذا القذف لن يفيد المحافظين الجدد بل سيزيد من عزلتهم.

أما ديفيد بروكس -كاتب عمود في نيويورك تايمز- فقد هاجم منتقدي المحافظين الجدد، واتهمهم بمعاداة السامية.

ومشكلة المحافظين الجدد ليست في أن الكثيرين منهم من اليهود، بل في أن القليل منهم حقًّا من المحافظين.

وقد قال لورانس كابلان وهو زميل بيرل وكتب كتابًا بالاشتراك مع وليم كرستول، قال بعد قراءة كتاب نهاية الشر بأن هذا ليس بسلوك المحافظين، بل إنها ليبرالية ذات أسنان حادة.

إذا كان المحافظون الجدد، يتهمون كل مخالفيهم بالكراهية العنصرية فهل سيكون من غير الإنصاف أن نسبر غور عنصريتهم؟ لماذا دائمًا في كل شعاراتهم لا يتخلون لحظة عن تأييد شارون ويدعون لتسخير قوة أمريكا لمحاربة أعداء إسرائيل؟ 

لماذا يعتبرون كل مشاريع السلام التي يوافق عليها رئيس أمريكا لقيام وطن للفلسطينيين مثل مشروع روجرز، واتفاق أوسلو وكامب ديفيد، وخطة طابا، وخطة ميتشل وخارطة الطريق لماذا يعتبرون كل هذه المشاريع نوعًا من الخيانة؟ لماذا يعتبرون كل وطني أمريكي يطالب شارون بالتوقف عن بناء المستوطنات في فلسطين وتسوير القدس نصرًا للعرب، ومخلباً للوبي تكساس النفطي؟ أو ينظرون إليه كشخص معاد للسامية.

الولايات المتحدة ستظل ملتزمة أدبيًّا وسياسيًّا بالمحافظة على أمن إسرائيل وتزويدها بالسلاح اللازم لتحقيق ذلك الغرض ولن يستطيع رئيس أمريكي التخلي عن ذلك الالتزام، ولكن صداقة إسرائيل، لا تعني أن نطلق العنان للشارونيين للاستيلاء على أراضي العرب والتنكر لحقوقهم، ومن أجل مصلحة بلادنا فأنه من الأفضل أن نكون واضحين في هذا الصدد.

ويمكن القول: إن الفجوة أصبحت كبيرة بين «المحافظين التقليديين» و«المحافظين الجدد» ونحن الذين نمثل اليمين القديم، نرى السياسة الخارجية لأمريكا ينبغي أن تكون لخدمة مصالحها، ولقد تعلمنا من آبائنا أنه إذا أردنا المحافظة على أمريكا يجب أن نتجنب الحروب الخارجية والتحالفات الدائمة وأن نحترس من الارتباط العاطفي ببلاد أخرى.

في عام 1778م كان الرئيس جورج واشنطن، سعيدًا بتحالفه مع فرنسا، ولكن عندما تحقق النصر أصبح ذلك التحالف أمرًا غير مرغوب فيه لأنه قد يدفع الولايات المتحدة للتورط في حروب أوروبا، ومن ثم فإن المسؤولين الأمريكيين قد ألغوا ذلك التحالف.

ومع انتهاء الحرب الباردة فإن التحالف مع إسرائيل لم يكن مهمًّا للمصالح الأمريكية، بل إن السمعة -كحلفاء لإسرائيل- ضارة بنا وخاصة عندما يقوم «شارون» ببناء جدار أمني في الضفة الغربية وغزة، ويتنكر لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

بالنسبة للمحافظين الجدد، فإنهم ملتزمون بالدفاع عن الصهيونية وليس في مقدورهم انتهاج سياسة خارجية تخدم مصالح أمريكا لا تتضمن التضامن المطلق مع «إسرائيل»، وهم يحاولون تغطية خيانة جوناثان بولارد، قائلين: إن ما يخدم إسرائيل، لا يمكن أن يكون ضارًا بأمريكا.

ولتجنب الاعتراف بالحقيقة فإن المحافظين الجدد باتوا يبررون ارتباطهم العاطفي بإسرائيل بكلام منمق حيث يقول فروم وبيرل: إن الصراع العربي الإسرائيلي ليس سببًا للتطرف الإسلامي، ولكن أي صحفي أو دبلوماسي عائد من الشرق الأوسط يؤكد أن تأييد أمريكا لإسرائيل يجعلها مكروهة في المنطقة، وما دام الأمر كذلك، لماذا يتجاهل فروم . بيرل هذه الحقيقة؟ ألأنها حقيقة مرة؟...

(*)  مجلة الأمريكان المحافظين 

The American Conservative 

عدد 1 مارس  2004م

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

297

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان