العنوان لا يليق هذا يـا جريدة عكاظ!
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الأحد 09-فبراير-1992
مشاهدات 52
نشر في العدد 988
نشر في الصفحة 26
الأحد 09-فبراير-1992
نشرت جريدة
«عكاظ» في ملحقها الذي تصدره يوم الثلاثاء من كل أسبوع بعنوان «دنیا» بتاريخ ۱۷ رجب ١٤١٢هـ الموافق ٢١ يناير ۱۹۹۲م، أن مراسلها بالقاهرة أفاد عن صدور طبعة
جديدة لكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ووصف المراسل الكتاب بقوله: «ومن
المعروف أن كتاب الأغاني يعد أهم مرجع للتاريخ الأدبي والحضاري للعرب حتى القرن
الثالث الهجري، فقد سجل فيه كاتبه الحياة العربية في عصره والعصور السابقة تسجيلًا
آمنًا وصادقًا، وبتجرد علمي بعيدًا عن ما عرف في عصره من العصبيات وأهوائها».
انتهى.
نحن لا نستغرب أن
تتكرر طباعة بعض الكتب القديمة بغض النظر عن توثيقها أو تضعيفها، وبخاصة كتاب
الاغاني الذي له طنين ورنين في آذان أهل الأدب؛ لأنه كتاب أدب وسمر وغناء، يتحدث
عن أخبار القيان والخمريات والتبذل، ويحشر فيه التفسير والفقه والتاريخ حشرًا.
ولكن الذي أثار
استغرابنا واستنكارنا هو أن يصف مراسل عكاظ الكتاب المذكور بهذا الوصف التوثيقي
الذي يزكى للتاريخ الأدبي والحضاري، وأن المؤلف سجل الحياة في عصره تسجيلًا أمينًا
وصادقًا، وبتجرد علمي... إلخ!
كما أسفنا غاية
الأسف أن تنشر عكاظ هذا الكلام كما هو، وبدون تعليق أو تعديل أو تصحيح، وهي
الجريدة الرصينة التي عهدنا فيها الصدق ودقة التحري، والحرص على تقديم كل مفيد
ونافع للقراء.
والحقيقة أن معظم
المحققين الثقات في القديم والحديث يعرفون وزن كتاب الأغاني من الناحية العلمية،
وقيمة مؤلفه الأصفهاني ونزعته الشعوبية وأهوائه المذهبية، بل إنهم يقطعون أن معظم
ما في الكتاب أكاذيب صارخة، وأخبار ملفقة، وأقاصيص مخترعة، وروايات منتحلة، ساقها
المؤلف للتسلية والمتعة، وليس لها من السند العلمي أساس، فما أكثر الأحاديث
المكذوبة، والشعر المنتحل، والروايات المتهافتة التي ملأ فيها كتابه.
كما أن رجال
الجرح والتعديل يضعون المؤلف في مصاف الكذابين وأصحاب الأهواء والمذاهب الباطنية،
الذين يهدفون من وراء نشرها إلى هدم قيم الإسلام وتشويه تاريخ المسلمين، والنيل من
السلف الصالح من الدعاة والعلماء والخلفاء والأمراء، وأهل السنة والجماعة، لأنه
غير مأمون ولا موثق، بل كذاب مكشوف الهوى.
قال الخطيب
البغدادي: حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طباطبا العلوي، قال: سمعت أبا
محمد الحسن بن الحسيني بن النوبختي يقول: كان أبوالفرج الأصفهاني أكذب الناس، كان
يشتري شيئًا كثيرًا من الصحف، ثم تكون كل رواياته منها.
قال هلال بن
المحسن الصابي: «كان الأصفهاني وسخًا قذرًا، ولم يغسل له ثوبًا منذ فصله إلى أن
قطعه، وكان الناس على ذلك يحذرون لسانه، ويتقون هجاءه؛ لأنه كان وسخًا في ثوبه
ونفسه وفعله».
قال ابن الجوزي:
«ومثله لا يوثق بروايته، صرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، يهون شرب الخمر، وربما
حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح منكر».
وقال الشيخ
الذهبي: «رأيت شيخنا تقي الدين ابن تيمية يضعفه ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي
به».
|
* لقد
أسفنا غاية الأسف أن تنشر عكاظ هذا الكلام دون تعليق، وهي الجريدة الرصينة التي
عهدنا فيها الصدق. |
هذا بعض ما قاله
القدامى في كتاب الأغاني مؤلفه الأصفهاني، وأما المحدثون فنذكر دكتور محمد أحمد
خلف الله الذي قال عنه: «لقد كان أبوالفرج الأصفهاني يقص ألوانًا من القصص تتمثل
فيها الغرابة؛ لأنها تثير الخيال، وترضي العقلية التي تميل إلى الغريب ولو كان من
المصنوعات والأكاذيب، ويجب ألا يخدعنا إيراد الأخبار مسندة في كتاب الأغاني رغم
تساهله في المرويات، وأخذه عن الكذبة، وتدوينه للموضوعات».
وقال الأستاذ عبدالستار
أحمد فراج: «ويجد أكثر المحايدين في عصرنا أن المشكلة التي يضيقون بها في مثل كتاب
الأغاني هي كثرة الأسانيد، «حدثنا فلان عن فلان»، وتعدد الرواية للخبر الواحد
لاختلاف في الألفاظ، أو لاختلاف أحد الرواة، والذين يعنون بالتمحيص والتدقيق يهمهم
أن يعرفوا شيئًا من حياتهم، ومدى صدقهم، وصلتهم بالأحداث، ومن هنا يستطيعون الحكم
على النص، ومدى الاستعداد لتقبله والرضا عنه.
ويقول الأستاذ
وليد الأعظمي: إن ثمة كتبًا سخيفة كاذبة هادمة امتلأت صفحاتها بالمخازي والمجون،
والمفاسد والمباذل والفضائح، تحت ستار الأدب والسمر والغناء، وجمع كل خبر مهما
كانت درجته من الصدق أو الكذب، وأبوالفرج الأصفهاني من أبرز هؤلاء المتسترين تحت
ظلال الأدب والأخبار، والحرص على تدوين ما سمع وقرأ، فترى الأعاجيب في كتابه
الأغاني، وتصدم جرأته البالغة الرهيبة في سرد الأسانيد، فهو يجمع في سنده بين
الثقات والكذابين، وبين الزهاد والفساق والصالحين الأبرار، والطالحين الأشرار،
ونحن نعلم أن الكاذب قد يروي عن الصادق والثقة، ولكن الصادق الثقة لا يروي عن
الكاذب أبدًا.
وقد اعتمد
الأصفهاني في كثير من أخباره السوداء المظلمة المسمومة على طائفة خبيثة من الرواة
الكذابين والمجروحين والمطعون عليهم، واعتبار كل أخبارهم موثقة، ولوث صفحات
تاريخنا وأدبنا بالسخائم والبلايا، وقد رجعت إلى كتب الرجال في الجرح والتعديل،
والتوثيق والتضعيف؛ فرأيت من رواة الأصفهاني كل داهية دهياء وبلية عمياء».
إن كتاب الأغاني
طافح بالأخبار التي تسيء إلى آل البيت النبوي الشريف، وتجرح سيرتهم، وتقدح في
سلوكم، وتهون أمرهم وشأنهم، وتجعل منهم عشاق اللهو والطرب والعبث، فالإمامان الحسن
والحسين مغفلان منقادان لابن أبي عتيق، والإمام الحسين يقضي وقته لاهيًا مع أشعب
في المدينة، ويزيد بن معاوية يشرب الخمر بمجلسه وعنده الإمام الحسين فلا ينكر
عليه، ومعبد يغني لزوجة الإمام الحسن، والسيدة سكينة سفيهة ماجنة رعناء، تحتكم في
جمالها إلى عمر بن أبي ربيعة، وتجمع النساء لملاقاة عمر بن أبي ربيعة والحديث معه،
وهي تحكم بين المغنين.
كما ذكر
الأصفهاني عن بني أمية أخبارًا شنيعة، وأمورًا فظيعة، يخجل السان من ذكرها،
يطالعها القارئ في الجزء السابع من ص ٤٧ إلى ص ٦٠، وفي الجزء الثاني عشر من ص ٣٠٥
إلى ص ۳۱۰، وفي الجزء الثاني عشر من ص ٣٠٥ إلى ص۳۱۰، وفي الجزء الثالث عشر من ص ٢٥٩ إلى ص
٢٦٠.
ولو ذهبنا نستعرض
ما جاء في كتاب الأغاني لطال بنا المقام، ولضاقت النفوس بهذا الكذب والبهتان،
وحسبنا أن كل مسلم غيور وعربي أصيل لا يرضى بهذا الغثاء الذي امتلأ به كتاب
الأغاني.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي
السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب:4).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل