العنوان لبنان: الانتخابات البلدية بطرابلس.. رسائل ودلائل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 01-يونيو-2016
مشاهدات 66
نشر في العدد 2096
نشر في الصفحة 69
الأربعاء 01-يونيو-2016
لبنان: الانتخابات البلدية بطرابلس.. رسائل ودلائل
خاص: «المجتمع»
انقشع غبار استحقاق الانتخابات البلدية في طرابلس عن مشهد جديد يؤشر إلى تنامي الحالة الاعتراضية الشعبية في وجه الطبقة السياسية في لبنان، ففي المناطق ذات الأغلبية الشيعية برزت للمرة الأولى ظاهرة اللوائح المواجهة للثنائي «حزب الله – أمل»، حيث استطاعت المنافسة في كثير من الأحيان.
أما في المناطق المسيحية، فلم يتمكن الثنائي «القواتي – العوني» من تحقيق «التسونامي» الذي وعد به، ولم يصمد أمام المسيحيين المستقلين والعائلات الذين شعروا بخط وجودي والرغبة في إلغائهم، أما في الساحة السُّنية فشكلت بيروت وطرابلس النموذج الأوضح لهذا المشهد.
ولقد حملت نتيجة المدينة اللبنانية الثانية طرابلس جملة من الرسائل؛ فاللائحة المدعومة من وزير العدل المستقيل أشرف ريفي حصلت على ٢٢ مقعداً من أصل 24 في مواجهة لائحة رئيسي حكومة (ميقاتي، والحريري)، والوزير محمد الصفدي، وجميع نواب المدينة والتي حازت على مقعدين فقط.
لم يأتِ انتصار ريفي من فراغ، إذ أعلن الرجل أن مشروعه هو مواجهة هيمنة «حزب الله» على الحكومة والدولة، ورفض مهادنته على عكس الرئيس سعد الحريري الذي قرر ترشيح أحد أصدقاء «بشار الأسد» (الوزير سليمان فرنجية) لرئاسة لبنان، كما أعلن الوزير ريفي الحرب على المحكمة العسكرية بعد حكمها المخفف على المجرم ميشال سماحة المتورط بإدخال عشرات العبوات إلى لبنان لتنفيذ اغتيالات وتفجير تجمعات مدنية معارضة للنظام السوري، ثم استقال من الحكومة يوم أخلت المحكمة سبيل سماحة، وأخيراً لم يتخلَّ ريفي عن قيادات المحاور في طرابلس كما فعل مختلف القيادات السياسية.
من هنا، تحمل نتائج البلدية العديد من الدلالات المهمّة:
أولاً: عبر الطرابلسيون عن ارتباطهم بمن يحافظ على موقف سياسي واضح، ويرفض المساومة على ثوابت المدينة، بالإضافة إلى من يحافظ على علاقة وثيقة بالأحياء الشعبية، والتعبير عن همومها، وأن اسم رئيس الحكومة رفيق الحريري، وقضية اغتياله، لم تعد قادرة كما في السابق على تجيير القوة الناخبة لتيار المستقبل، وأن الرئيس ميقاتي ليس القوة الأكبر في طرابلس، وهو الذي عمل على تسويق هذه الفكرة تياره السياسي عبر خطابه.
ثانياً: أثبتت انتخابات طرابلس أن المال السياسي لم يعد عاملاً أساسياً للفوز بمعركة انتخابيّة في مدينة بحجم طرابلس، ولا يُمكن أن يؤمّن الفوز في حال غابت القضية، بل كرّست نتائج طرابلس وجود حالة اعتراضيّة على الأحزاب السياسيّة التقليديّة في لبنان.
ثالثاً: الرسالة الأهم أن مفهوم استتباع الناس للحزب أو الزعيم قد تراجع جذرياً، وأن تياراً واسعاً بات مقتنعاً بمفهوم المحاسبة وتحديد أولوياته بنفسه، وأن سياسات التفرد أو الإلغاء التي مارستها مختلف القوى السياسية لم تعد مستساغة من المواطن، بل تنتج نوعاً من الشعور بالتعاطف مع مظلومية المستهدف، والمواطن بات يضغط وبشدة على العمل المشترك الحقيقي حول قضايا تمس حاجاته واهتماماته هو وليس اهتمامات القوى والزعامات السياسية، ولم يعد يستسيغ مفهوم التسويات البعيدة عن الحلول العميقة في ظل الانقسام الحاصل في المنطقة وانعكاساته على المكونات اللبنانية، كما أدت النتائج لاستبعاد المرشحين المسيحيين والعلويين، وهذا يُشير إلى وجود مناخ عند جزء من الناخبين بتشطيب المرشحين غير السُّنة.
رابعاً: جميع الأحزاب والقوى السياسية في مختلف المكونات، لم تتجرأ على الخضوع لامتحان تقييم جماهيرها لأدائها؛ فلجأت لفكرة التوافقات إما لخلفية إلغاء آخرين داخل المكون الواحد كما في الساحتين المسيحية والشيعية، وإما هروباً من تجربة تحديد الأوزان كما في الساحة السُّنية، ونتج عن ذلك تحالفات هجينة صدمت الرأي العام كوجود من يرفض النظام السوري المجرم ومن يؤيده في لائحة واحدة، أو أعداء الأمس اللدودين حلفاء اليوم، وانتهاء اصطفافي ٨ و١٤ آذار بعد صراعٍ محموم تم تصويره بصراع المبادئ وأقحم كل فريق جمهوره فيه.
خامساً: تمرّد تيار المستقبل بكوادره وأفراده في الشارع الطرابلسيّ على قرار زعيمه سعد الحريري بالتصويت لهذه اللائحة، فتعاطفوا مع أشرف ريفي متأثرين بظهوره بمظهر الضحيّة، مستنهضاً عندهم تلك الحساسية تجاه «حزب الله» وسياسته وسلاحه وقتاله في سورية.
لقد خلطت الانتخابات البلدية كل الأوراق والتحالفات وجمعت المتناقضات، فنشأت تحالفات جديدة مؤقتة وغالباً غير منسجمة مع المواقف المعلنة لأصحابها، وألغت الأحادية حتى داخل المجتمع الشيعي الذي ظل ممسوكاً منذ ما بعد الحرب، فنشأت ثنائيات تنذر بمتغيرات وتكاد تقضي على مشروع اعتماد النسبية في قانون الانتخاب الجديد، فـ «المصيبة» البلدية ستعيد توحيد مساعي الأحزاب والطبقة الحاكمة قبيل الانتخابات النيابية في مايو 2017م، وربما عجلت في الاتفاق على إبقاء قانون الانتخاب الأكثري المعتمد؛ أي قانون الستين.>