العنوان لبنان: العبور الخطير..
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1982
مشاهدات 40
نشر في العدد 580
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 27-يوليو-1982
- أغلب الآراء تذهب إلى أن الأزمة اللبنانية هي باب الحل السلمي للمنطقة كلها.
- المعارضة اليهودية أوقفت مدافع بيغن وطالبته بالحل السياسي.
- الخارطة اللبنانية مقسمة وتحتاج إلى مزيد من الوقت لإنهاء الترسيم.
- دويلات طائفية: يهودية- مارونية- درزية والشمال يسيطر عليه السوريون مؤقتًا.
- كيف سيخرج لبنان من عنق الزجاجة؟
- وثيقة كتائبية جديدة تقول إن بإمكان الفلسطينيين إقامة دولتهم في الأردن.
- أمريكا تنظر من ثقب الكامب واليهود يتطلعون إلى الأردن كدولة بديلة للفلسطينيين.
لبنان يلتهب في أتون المرجل المغلي.. أدخلوه مرجل النار.. فاستعصى الخروج عليهم.. وأكثر روايات الحكاية تؤكد أن دخول لبنان فيما هو فيه كالرأس العربي الذي أدخله صاحبه في زجاجة لينحبس فيها.. فهل يخرج لبنان من عنق الزجاجة؟ وكيف سيكون ذلك؟
القهوة السورية:
في يوم الأربعاء الماضي تناقلت وكالات الأنباء هذه الرواية.. ولعلها ليست من الحكاية التي توضع للتندر والإضحاك.. فقد يغلب أن تكون إحدى إرهاصات المستقبل القريب، وفحوى الرواية كما وردت في وكالات الأنباء ونقلتها «القبس الكويتية» أن علاقات صداقة بدأت تتوطد بين الجنود الإسرائيليين والجنود السوريين «الردع» في لبنان. وقد شبهت هذه الصداقة بتلك التي نمت عقب حرب ۱۹۷۳ بين الجنود الإسرائيليين والمصريين، لكنها هذه المرة مع السوريين، فقد بادر الإسرائيليون الذين يتحدثون العربية بالاتصالات مع الجنود السوريين بالتلويح لهم في مراكزهم. لكن السوريين لم يأبهوا لذلك بادئ الأمر وردوا عليهم بالشتائم. إلا أنهم «بعد ورود الأوامر كما يبدو» غيروا موقفهم ودعوا الإسرائيليين إلى تناول القهوة معهم!!
إن لهذه القصة دلائل كثيرة على الرغم من أن قائلًا قد يقول إن تصرف الجنود السوريون كان فرديًا.. أو أن الرواية كلها لا أصل لها.. ولا يمنع تصديق الرواية أو تكذيبها من القول بإن هنالك ثمة إرهاصات كثيرة توحي بالمخبآت من الأحداث التي ستلدها الأيام القادمة على حدود فلسطين المحتلة الشمالية!!.
هنا نعود إلى سؤالنا:
كيف سيخرج لبنان من عنق الزجاجة التي وضع بداخلها؟؟
ثلاث ملاحظات:
لدى الإجابة المنصفة على السؤال المذكور لا بد من الإشارة إلى بضعة أمور وتسجيلها كأمانة في سجل تاريخنا الأسود. لعلنا نستطيع إلقاء الضوء على حقيقة المأزق اللبناني وذلك كما يلي:
أولاً:
يلاحظ أن إرادة معظم الأنظمة العربية ولا سيما الأنظمة المواجهة للعدو اليهودي مشلولة الإرادة، بمعنى أنها لا تمتلك أي قرار في تسيير الأحداث وإراداتها، بل.. والتفاعل معها.. وفيما لو حسنا الظن بنظام دمشق لما استطعنا أبدًا أن نجد لموقفه الساكت.. تجاه الغزو.. بل لموقفه الفعلي التضييق على الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية اللبنانية أي مسوغ، لذا، فإننا نستطيع إثبات ملاحظتنا قائلين: «إن القضية اللبنانية والمسألة الفلسطينية ليس لها من محام!».
ثانيًا:
إن الأطراف الدولية- في غياب الإرادة العربية- لا تفعل أي شيء لنا.. وقد عبر الناطق الروسي عن هذه الحقيقة بالقول: لا نريد أن نكون عربًا أكثر من العرب.
وسواء كانت مقولة الروس صادقة أم كاذبة فإنها تدل دلالة قاطعة على أن الاتحاد السوفيتي يقف اليوم وبشكل مفاجئ خارج اللعبة الدائرة على الأرض العربية، بل أن جميع الأطراف الدولية اليوم خارج اللعبة ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثًا:
إن الفاعل الوحيد الظاهر على شاشة الأحداث اليوم هو إسرائيل.. فقد غزت وقتلت وثبتت مواقعها.. وأجرت تغيرًا في الخط الأحمر الفاصل بينها وبين الردع السوري حيث ارتفع شمالًا فراسخ وكيلو مترات ليست بالقليلة.. ثم أوجدت خطًا أحمر جديدًا يخترق الطريق بين بيروت ودمشق في بعض الأماكن- ويحاذي في نقاط أخرى.
كل هذا والعالم يتفرج والعرب يتفرجون حتى أمريكا ما زالت تتفرج!!
الاحتمالات:
بعد الاستعراض الموجز السابق لحقيقة الموقف العربي والدولي والإسرائيلي يبقى أن نستنبط من الأحداث والأقوال الرسمية وغير الرسمية ما يساعد في معرفة الطريقة التي يمكن أن يخرج فيها لبنان من عنق الزجاجة.. وهل سيخرج فيها سليمًا.. أم سيمزق شلوًا شلوًا؟!!.
هنا تقودنا الأحداث إلى توقع أحد احتمالات ثلاث.. أقلها مرارة هو كالعلقم الذي لا يطاق.. والذل الذي لا يحتمل.. والهوان الذي لا يمكن أن تصبر عليه الشعوب.. على أن احتمالاتنا الثلاث منها ما قد يظهر في القريب العاجل.. ومنها ما قد يؤجل الإعلان عنه لوقت آخر وذلك كما يلي:
القرار الإسرائيلي:
ويقتضي هذا القرار بحل المشكل اللبناني للخروج بلبنان من عنق الزجاجة أمورًا عديدة منها:
۱- إخراج الفلسطينيين إلى خارج لبنان نهائيًا وبلا عودة.
٢- سيطرة المارون على القسم الأكبر من لبنان مع الاحتفاظ بالجنوب وضمه إلى الدولة اليهودية.
٣- إيجاد خط أحمر جديد يجعل السوريين في هذه المرحلة يشرفون على تحرك المسلمين السنة في شمال لبنان لتكون سوريه هي الشرطي في تلك المنطقة.
وفي توضيح لرغبة اليهود بما يتعلق بالفلسطينيين فإن إسرائيل ومنذ مدة طويلة.. وبمعرفة إحدى الدول المنتسبة «للصمود والتصدي» تعمل جاهدة على توطين الفلسطينيين في الأردن وإقامة دولتهم هناك.
- ففي وثيقة حزب الكتائب الصادرة يوم ۲/ ۷/ ۱۹۸۲ وردت الفكرة الإسرائيلية الداعية إلى القضاء على نظام الملك حسين ليقوم محله كيان فلسطيني وحكومة فلسطينية!
تقول الوثيقة:
«إن بإمكان الفلسطينيين إقامة دولتهم في الأردن.. وما هو الأردن إذا لم يكن فلسطين نفسها».
- بتاريخ ٩ /٧ /١٩٨٢ أعرب الجنرال اليهودي شلومو بوم مستشار أريل شارون وزير الدفاع عن تأييده لإنشاء دولة فلسطينية في الأردن بكافة السبل، ومن بينها السبل العسكرية وقد نقلت هذا التصريح صحيفة فرنسية هي صحيفة ليراسيون..
- منذ أسبوعين فقط أدلى آرييل شارون نفسه بالتصريح التالي:
«لو كنت رئيسًا للحكومة الإسرائيلية مكان السيد بيغن لأعطيت الملك حسين مهلة ٤٨ ساعة لمغادرة الأردن».
إذًا فالقرار الإسرائيلي يستدعي العدوان على المملكة الأردنية وخلط الحابل بالنابل في المنطقة وإدخال العرب في أتون معارك جانبية يتلهون خلالها بأنفسهم عنها وحدودهم عن حدودها. ويؤيد هذه المعلومات التي تناقلتها بعض وكالات الأنباء والصحف العربية معلومات خاصة «للمجتمع» من بعض العواصم العربية، وهذا هو الاحتمال الأول الذي تعمل له الحكومة الإسرائيلية على المدى المتطور.
تقسيم الخارطة اللبنانية
وهو احتمال قوي.. بل إن معالمه باتت ظاهرة للعيان، ولعل فهم التقسيم ومحاوره ما زالت في مجالات الترسيم وراء الكواليس.. حيث الحد الذي ستشرف عليه سورية شمالاً والقسم الذي سيحكمه المارون.. والقطعة الجنوبية التي ستحكمها إسرائيل.. والكيان الدرزي الذي يطالب به بعض الدروز.
أن تقسيم لبنان أمر وارد. وتعتقد أن لبنان لن تخرج من عنق الزجاجة- إلا على هذه الشاكلة من التقسيم سواء حاول الإسرائيليون الوصول بقرارهم إلى وضع القناعة في الأذن الأمريكية بتوطين الفلسطينيين في الأردن أم لا.
وإذا صار اليوم أمر التقسيم واقعًا محسوسًا.. يشاهده أهل لبنان.. وتعرفه القوى الحاكمة في المنطقة، بل يشارك بعضها في صنعه فإن الإعلان عن هذا التقسيم وتسمية الدويلات الممزقة في لبنان لا تعرف توقيته.
على أن موضوع التقسيم لا يلغي متابعة الحكومة اليهودية لقرارها وتنفيذه وهو قرار لا يمكن أن يتم إلا بموافقة أمريكية.. ومعرفة بعض العرب الذين يمكن أن يكونوا إحدى أدوات التغيير والعدوان في الأردن كما كانوا أداة رئيسية في العدوان على لبنان، وهنا نذكر بالحشود السورية التي قام بها السوريون على الحدود الأردنية في العام الماضي وهددوا وقتها بغزو الأردن وإسقاط الحكم الأردني بحجة واهية هي أن الأردن يغذي المعارضة السورية.
ترى.. هل سيأتي اليوم الذي سيكشف فيه عن الأسباب الحقيقية لتلك الحشود على تخوم الأردن الشمالية؟؟
كامب ديفيد
إن دعوة الجنود السوريين للجنود الإسرائيليين «أثناء المواجهة» على الخط الأحمر الجديد تذكرنا وتذكر العالم أجمع ببدايات قصة كامب ديفيد. فقد كانت بداية القصة فنجان قهوة!!
وهنا نسأل:
هل سيكون لبنان هو المعبر إلى حل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط بين العرب واليهود ومن ثم يتم إخراجه من عنق الزجاجة؟؟
إن وزير الخارجية الأمريكي الجديد «جورج شوتز» يقول:
«المشاكل والاحتياجات المشروعة للشعب الفلسطيني يجب حلها بسرعة وبكافة أبعادها في إطار كامب ديفيد مع مراعاة أمن إسرائيل في الإطار نفسه».
على أن هنالك مؤشرات عدة تشير إلى أن إلحاق القضية الفلسطينية- اللبنانية بكامب ديفيد بات أمرًا واردًا وقريبًا:
- فالقوى الخارجية صامتة وكأنها تقر الولايات المتحدة وتفوضها على حل الموضوع بمفردها.. والطريقة المنفردة في الحل الأمريكي تعني «منهج كامب ديفيد».
- والروس أنفسهم صرحوا أنهم لن يكونوا عربًا أكثر من العرب بمعنى أنهم سيقفون أيضًا خارج اللعبة اليوم كما وقفوا يوم الكامب.
- والأنظمة العربية اليوم فشلت في إيجاد الحل العربي فشلاً ذريعًا.. وقد تكلل فشلهم بمزيد من الانهيار في القرار العربي عندما لم تتم موافقتهم على عقد مؤتمر القمة المنتظر.
وهنا نود أن نشير إلى أن تطبيق منهج كامب ديفيد لا يعني إلغاء التقسيم.. ولا يلغي القرارات الخاصة في القضية الصهيونية التوسعية.. فالمخططون الصهاينة ينتهجون خطوات مرحلية عدوانية خادعة على أن هنالك ما يؤكد أن الحل السياسي سيعرض نفسه على المنطقة ومن ذلك.
١- إعلان المنظمة عن قبولها الحل السياسي والخروج من لبنان إذا اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بها. «في ذلك إشارة إلى تعيين المنظمة بأن القوة الفاعلة هي أمريكا».
۲- إشارة الملك فهد أي أن الرئيس ريغان سيقوم بمبادرات معينة تحمل الحل للأزمة اللبنانية.
٣- صمت الروس وامتناعهم عن تزويد المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالسلاح، لإنهاء الوجود العسكري بالتالي للمنظمة وللمقاتلين.
٤- تصريح وليد جنبلاط بأن المنطقة كلها أصبحت في دائرة النفوذ الأمريكي.
٥- وقوف المعارضة اليهودية داخل فلسطين وإجبار بيغن على عدم اقتحام بيروت والقبول: «أريد حلاً سياسيًا لمشكلة الفلسطينيين».
٦- وفي خاتمة المؤشرات يكون الرأس في موقع الأرجل إذا انقلبت المفاهيم.. والأحداث.. والسياسات لتفضح نفسها بنفسها وذلك على منصة القهوة التي شربها الجند الإسرائيليون على طاولة القهوة السورية في لبنان..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل