; لبنان: انقسام حاد حول سوريا.. من يغذيه؟ | مجلة المجتمع

العنوان لبنان: انقسام حاد حول سوريا.. من يغذيه؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001

مشاهدات 63

نشر في العدد 1447

نشر في الصفحة 28

السبت 21-أبريل-2001

بعد وجود استمر ٢٥ سنة.. يتجادل اللبنانيون حول الدور العسكري السوري في لبنان

عادت أجواء الانقسام الطائفي بقوة إلى لبنان لا بسبب الخلاف على الصلاحيات الدستورية الرئيس الجمهورية، ولا بسبب القضية الفلسطينية وعدم التوافق الوطني على دعم نضال الفلسطينيين لاستعادة أرضهم، ولا حتى بسبب التنازع على هوية لبنان فتلك المسائل الخلافية التي أشعلت حرب لبنان قبل ٢٦ عامًا تجاوزتها الأحداث أو استوعبها اتفاق الوفاق الوطني إلى درجة كبيرة وهو الذي مضى على انعقاده بمدينة الطائف ١٢ عامًا تقريبًا.

إنه الخلاف مجددًا على الدور السوري في المعادلة اللبنانية الداخلية، الذي انفجر بمجرد انسحاب الصهاينة من طرف واحد من الجنوب المحتل في مايو الماضي ويسبب الفراغ السياسي في الساحة السياسية المارونية تحديدًا، فقد تولى البطريرك مار نصر الله صغير القيادة المذهبية والسياسية معًا، ونجح بعد أشهر قليلة من حملته في استقطاب الشارع المسيحي حوله وتنظيمه حول هدف واحد هو خروج السوريين من لبنان وازدادت المشكلة تأزمًا مع تعثر الوساطة بين البطريركية المارونية ودمشق التي حاول إدارتها وزير الخارجية الأسبق فؤاد بطرس اللبنانية السورية وإن كان لا يصل إلى حد المطالبة وكذلك مع انضمام الوزير السابق النائب وليد جنبلاط إلى معسكر المطالبين بتصحيح العلاقات بالخروج الكامل للجيش السوري.

حرب الخطب والحشود

في سياق الحملة لم ينجح البطريرك في جولته على الجاليات اللبنانية في الولايات المتحدة وكندا في التأثير على الأوساط السياسية الحاكمة في البلدين لدعم قضيته، لكنه نجح في تحريض الشارع المسيحي إلى الحد الأقصى، وتجلى ذلك بالحشود الغفيرة التي استقبلته في مقر البطريركية بعد غياب دام أكثر من أربعين يومًا، حيث عملت القواعد المنظمة تحت لواء القوات اللبنانية المحظورة التي يقودها سمير جعجع المسجون بحكم المؤيد، وأنصار التيار الوطني الحر، بقيادة القائد السابق للجيش ميشال عون المنفي في باريس وقوى مسيحية أخرى على حشد أقصى قدر ممكن من المستقبلين من أجل تسجيل موقف سياسي واضح تجاه القضية التي يحملها صغير وتراوحت الأرقام بين ١٠٠ ألف و ١٥٠ ألف مشارك، قالوا بحضورهم لا لسورية في لبنان؟

إثر ذلك خرج المعسكر المقابل عن تحفظه تارة وسكوته تارة أخرى، وبدأت الحملة المضادة من طرف خطباء الجمعة في منطقة عكار في أقصى الشمال حيث الأكثرية السنية، واتهموا صغير بالعمالة للولايات المتحدة والصهاينة، وهدد بعضهم بالنزول إلى الشارع احتجاجًا، وردت جهات مسيحية بمحاولة تحريك النيابة العامة ضد خطباء الجمعة بحجة التحريض الطائفي، وحاول رئيس الحكومة رفيق الحريري استيعاب المشكلة بانتقاد الذين تعرضوا لصغير من دون موافقة الأخير على طروحاته.

وخرج رئيس مجلس النواب نبيه بري عن صمته وهو الذي كان من أوثق حلفاء سورية في لبنان، وحاول مؤخرًا دون جدوى أن يكون صلة وصل بين سورية والمسيحيين، فدعا إلى إخراج موضوع الوجود السوري في لبنان من التداول فهذا الموضوع سيبقى ممنوعًا من الصرف إلى ما شاء الله.

ويقول بري: لقد اكتفينا سابقًا بالتنبيه وإظهار عدم الرضا وإبراز عدم المصلحة فيما يحصل لعل هؤلاء يراعون ذمة أو خفرًا، إلا أن ما حصل في بكركي يوم قدوم البطريرك صغير ينطبق عليه المثل: الجمال بنية والجمل بنية والحمل بنية أخرى، فما يريده البطريرك شيء وما يريده كل فريق شيء آخر. بل هناك فريق لعله أكبر، وهم ذوو المصالح الذين لم يصلوا إلى مصالحهم نيابية كانت أم وزارية أم وظيفية فصبوا نقمتهم على المؤسسات وهذا حقهم. وعرضوا بالمقامات والأشخاص وهذا ليس من حقهم وتعرضوا لسورية وخطوط لبنان الإستراتيجية وهو الأمر الذي لا يمكن السكوت عنه.

ويلفت بري النظر إلى أن معارضة الدور السوري عام ١٩٧٦م لوقف حمامات الدم لم تنطلق من بكركي ولا من اللقاء الإسلامي ولا من الجبهة اللبنانية (المسيحية) آنذاك بل من بعض أركان الحركة الوطنية التي كان يقودها كمال جنبلاط والد النائب الحالي وليد جنبلاط ويضيف عندما تخلى الجميع عنا ولم يعقد حتى اجتماع عربي أو مظاهرة عربية دفع الجيش السوري ۱۲ ألف شهيد وعشرات الطائرات والمدرعات على أرض لبنان دفاعًا عنه.

أمين عام حزب الله حسن نصر الله أعلن باسم ۳۰۰ ألف من الشيعة احتشدوا في ذكرى عاشوراء رفض انسحاب الجيش السوري من لبنان على اعتبار أن دوره حاجة لبنانية بل واجب قومي يخطئ السوريون إذا أقدموا على التخلي عنه.

ويؤكد نصر الله أن من حق كل لبناني أن يقول ما عنده ولكن المصلحة الوطنية تقتضي الابتعاد عن هذه اللغة، ويشير إلى أن سورية من خلال وجودها المباشر في لبنان أوقفت الحرب الأهلية ونزيف الدم والاقتتال المدمر بين الطوائف وفي داخلها.

ويتسائل نصر الله لماذا كان قتال العدو الصهيوني المعتدي يحتاج في السابق إلى إجماع وطني، بينما المطالبة بإخراج الصديق والمساند والمدافع أي القوات السورية لا يحتاج إلى إجماع وطني، ويمكن لفئة أو الزعيم ديني أو سياسي أن يأخذ موقفًا ويعلنه ويطرحه كموقف وطني.

من جهته يرفض مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشید قباني أي كلام عن خروج القوات السورية خصوصًا في هذا الظرف المصيري الذي يتهدد مصير لبنان ومستقبله مع التهديدات التي يطلقها شارون ضد لبنان وسورية والمنطقة، وهو أقوى موقف يصدر عن أعلى مرجعية إسلامية في لبنان. ويقول المفتي قباني لبنان لم يكن بحاجة إلى روح المسؤولية مثلما هو بحاجة اليوم». ويضيف بدل أن يتوحد اللبنانيون حول انتصارهم فوجئنا بأن نسمع من لبنان دعوات تجهض هذا الانتصار وتلغيه من الذاكرة العربية وتعيد تقديم لبنان مشروع فتنة وتنكر للعروبة. إن اللبننة كانت في وسائل الإعلام في زمن حروب الفتنة نموذج تفتت الدول والمجتمعات، فزال هذا المعنى من الذاكرة بعد انتصار المقاومة عبر تصحيح اللبننة على صدى رصاص المقاومين في الجنوب.

القصف: رسالة شارون إلى بشار

جاء القصف الصهيوني الموقع رادار سوري شرقي بيروت يوم الإثنين الماضي ليضع الوجود العسكري السوري في لبنان على المحك، فقد أوقع القصف عددًا من القتلى والجرحى من الجنود والضباط السوريين، فضلًا عن تدمير محطة الرادار بالكامل، والسؤال: إذا كان السوريون غير قادرين على حماية قواتهم في لبنان، فكيف يمكنهم إذن حماية اللبنايين؟

بمعنى آخر، فقد أراد الإرهابي الصهيوني شارون إسقاط المبررات السورية، وتوجيه دعم غير مباشر للقوى النصرانية المطالبة بخروج القوات السورية من لبنان، كما وجه أول تحد مباشر للرئيس السوري، ليعرف العالم كيف سيتعامل مع مثل تلك القضايا هل ستمر الإهانة دون حساب . كما تكرر من قبل - أم سيكون هناك موقف آخر.

معسكران ونقطة الوسط

هذه المواقف الحادة من الوجود السوري، فرزت الساحة إلى معسكرين واضحي المعالم، لكن يقبع آخرون في منطقة الوسط حين لا يطالبون بخروج القوات السورية، بل يكتفون بالمطالبة بتصحيح العلاقات اللبنانية السورية على الأصعدة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، ويختصر ذلك تطبيق المساواة في مجال التبادل الاقتصادي وكف يد الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية اللبنانية وحصر الوجود العسكري السوري في أماكن إستراتيجية تقتضيها مقولة التعاون الإستراتيجي بمواجهة الكيان الصهيوني.

والمفارقة هنا أن وليد جنبلاط الذي ساعت علاقته مؤخرًا مع دمشق هو صاحب الموقف الوسطي في هذا المجال إضافة إلى بعض الشخصيات المسيحية المعتدلة، ولعل هذا ما يفسر فشل كل الجهود المبذولة لتعبيد الطريق بين المختارة مقر جنبلاط) ودمشق، وبينها وبين بعبدا القصر الجمهوري) فالمتطرفون من الجانبين يرفضون المواقف الوسط.

 

الرابط المختصر :