; لبنان بين الاتفاق والوفاق والطائفية | مجلة المجتمع

العنوان لبنان بين الاتفاق والوفاق والطائفية

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983

مشاهدات 77

نشر في العدد 634

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 23-أغسطس-1983

• مثلما وقع لبنان اتفاقًا مع إسرائيل، مطلوب منه أن يكون على وفاق مع حكومة سوريا.

• ماكفرلن يعرض على سوريا نفس مشروع الاتفاق الذي عرضه شولتز.

• سيطرة الصليبيين على لبنان مرهونة بسيطرة اليهود عليهم.

ما من شك أن كل ما يجري في الوطن العربي من مصائب يرجع إلى تآمر الدول الكبرى المعادية للإسلام والمسلمين، هذه الدول الكبرى التي تريد أن تظل هي الكبرى، وهي المهيمنة، وتريدنا أن نظل دولًا صغرى تابعة لها، أو حتى لا دول، وربما لا شعوب.

ولبنان، هذا البلد الصغير ضمن الوطن العربي الكبير، الذي هو من غير شك جزء من ديار الإسلام والمسلمين، نشأ -شأنه شأن كثير من «الدول» العربية- بقرار من الدول الكبرى قبل أربعين عامًا لتكون السيادة فيه للصليب -شأنه شأن فلسطين التي أريد لها أن تكون خاضعة لليهود- حتى إذا ما اهتز الصليب أو كاد ظهرت على سطح لبنان بوادر دول طائفية أقل حجمًا، لتظل الهيمنة علينا قائمة وحتى لا تقوم للإسلام والمسلمين قائمة.

عندما لجأ الفلسطينيون إلى لبنان مرغمين، قيل وقتها إن وجودهم في لبنان غير مرغوب فيه، وإنهم سبب كل المشكلات التي يعانيها لبنان، وإنهم شكلوا فيه دولة داخل دولة، وإنهم أعطوا النفس للمسلمين في لبنان ليطالبوا بحقوقهم المهضومة وسيادتهم الضائعة في وطنهم.

ورغم أن كثيرًا من الفلسطينيين أصابتهم عدوى الفساد الخلقي المستشري في لبنان باسم الاستغراب -أي الأخذ عن الغرب- ورغم أن كثيرًا منهم أيضًا رفع شعارات ماركسية وعلمانية انسياقًا مع تيار الإفساد العقدي -من العقيدة- فإنهم مع ذلك اعتبروا مسلمين غير مرغوب فيهم وجرى قتلهم على هذا الأساس هم واللبنانيون أمثالهم، وظلت النغمة النشاز قائمة: إنهم أساس البلاء، وعلة المشكلات، ولا بد من التخلص منهم باعتبارهم «غرباء».

وجاء اليهود إلى لبنان، وهم الذين اغتصبوا فلسطين من الفلسطينيين وطردوهم إلى لبنان وغير لبنان، جاؤوا بتنسيق مع الصليب «لتطهير» لبنان من الفلسطينيين، واستطاعوا بالفعل إخراجهم من الجنوب اللبناني ومن بيروت بعد أن تخلى عنهم من العرب من تخلى، وتآمر عليهم من تآمر، وكانت مذبحة صبرا وشاتيلا وغيرهما من المذابح على أيدي الصليبيين واليهود.

ولكن اليهود الذين دخلوا لبنان لنصرة الصليب على الهلال أقاموا فيه ورفضوا الخروج إلا بعد توقيع «اتفاق» مع لبنان يفصله نهائيًّا عن محيطه العربي الإسلامي ويخضعه للهيمنة الإسرائيلية. ورغم موافقة «السلطة» اللبنانية على هذا الاتفاق، فإن اليهود لم يخرجوا من لبنان وأخذوا يهيؤون أنفسهم لإقامة دائمة، ولما تذمر الصليبيون «الأحباب» من هذا الوضع لوح اليهود بتجزئة لبنان، وعندما نشط المسلمون في لبنان من لبنانيين وفلسطينيين للعمل خلف خطوط الجيش الإسرائيلي في حرب استنزاف مؤثرة، أعلن اليهود عن خطتهم للانسحاب الجزئي إلى نهر الأولي تلافيًا للخسائر البشرية في صفوف قواتهم.

ولما كان الجبل اللبناني الذي اعتزمت إسرائيل الانسحاب منه منطقة درزية، فقد رفض الدروز بقيادة وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السماح للقوات اللبنانية بدخول الجبل؛ باعتبار أن هذه القوات تابعة للكتائبيين، ودارت معارك بين الطرفين أظهر كل منهما قوته، ولكن يبدو أن الدروز استطاعوا إجلاء القوات اللبنانية من عدد من المواقع في الجبل وأصبحت السيطرة على الجبل للدروز بنسبة 80% كما يقولون. 

ومن جهة أخرى فقد تحرك عدد من دروز فلسطين المحتلة العاملين في الجيش الإسرائيلي ضمن اللعبة المرسومة لنصرة الدروز في لبنان، وربما كان اليهود في قرارة أنفسهم راضين عن ذلك حتى يجدوا المبرر لبقائهم حيث هم حفاظًا على الأمن. وخرجت تصريحات من القادة اليهود الذين ثبت ضلوعهم في مذبحتي صبرا وشاتيلا من أمثال الجنرال «يهوشو أساجي» تقول: إن هناك احتمالًا لوقوع مجازر بين الموارنة والدروز بعد انحساب القوات اليهودية من جبل الشوف وعاليه.

وبادر الكتائبيون لدعوة قادة اليهود للاجتماع بهم علنًا هذه المرة، وفي بيروت الشرقية التي من المفترض أن تكون خاضعة لسيادة النظام اللبناني، فحضر على الفور وزير الدفاع اليهودي موشي أرينز ووزير الدفاع السابق شارون، فاجتمعا مع رئيس الكتائب الماروني بيير الجميل والقائد العسكري للكتائب فادي أفرام، حيث قدم اليهود تقارير من جهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد» حول الوضع بين الكتائب والدروز وحول الوضع العسكري العام في لبنان، وعندئذ طلب الموارنة تأجيل الانسحاب الإسرائيلي الجزئي ولو لمدة أسبوعين على الأقل؛ في محاولة للوصول مع الدروز إلى حل حول هيمنة «الدولة» على كل منطقة ينسحب منها الإسرائيليون.

وأما الدروز الذين لا يعارضون من حيث المبدأ سيطرة «جيش لبنان» على المناطق الدرزية بشرط الوصول إلى اتفاق سياسي مع الحكومة قبل ذلك، بحيث يكون للدروز دور في حكم بلادهم، وقد تضامن معهم المسلمون تخوفًا من سحقهم على يد الصليب الكتائبي، فأنشأوا «جبهة الخلاص الوطني».

وإذا كان «الميثاق» اللبناني الذي يقوم عليه بناء الدولة يشترط أن يكون رئيس الجمهورية مارونيًّا ورئيس الوزراء سنيًّا ورئيس مجلس النواب شيعيًّا، فإن الدروز يطالبون بإنشاء مجلس شيوخ يكون رئيسه درزيًّا. والدروز مقاتلون شرسون، وهم يرفضون الهيمنة عليهم من أي جهة عربية، وقد استطاع اليهود إلحاقهم بالجيش الإسرائيلي وتكليفهم بالمهمات الصعبة والانتحارية واتخذوا منهم درعًا واقيًا في كثير من حروبهم ضد العرب، وأدخلوهم في سلك الشرطة ليكونوا أكثر قسوة على المعتقلين والمساجين العرب من اليهود أنفسهم.

وقد تحالف دروز لبنان في فترات مختلفة مع الفلسطينيين وبعض الزعامات في لبنان ضد الهيمنة المارونية والسورية في آن واحد، وتسلحوا بأحدث الأسلحة وأفتكها من الفلسطينيين ومن جهات أخرى، ولكنهم لم يشاركوا في الحرب ضد الموارنة بشكل فعال ومؤثر ما دام الموارنة لم يصلوا إلى مناطقهم، كما لم يسمحوا للفلسطينيين بالوجود في الجبل بحجة أنهم حلفاء وأنهم قادرون على حمايته! وكانت المفاجأة أن اليهود في أثناء تقدمهم لحصار بيروت لم يجدوا لهم طريقًا سالكًا إلا طريق الجبل، وقد مروا من أمام بيت وليد جنبلاط في بلدة المختارة ولم يواجهوا من الدروز أية مقاومة، وفي مقابل ذلك لم ينزع اليهود الأسلحة من أيدي الدروز وربما أمدوهم بالمزيد.

ولعل الدروز يعدون أنفسهم للمواجهة مع المارون، ولعل اليهود يريدون أن يلعبوا بالورقة الدرزية للضغط على المارون، وهذا هو بالفعل ما حصل.

يقول وزير الدفاع الإسرائيلي موشي أرينز في تصريح نقلته الإذاعة الإسرائيلية: إن وقف الحزب الاشتراكي لعملية قصف مطار بيروت التي أبقت ذلك المطار مغلقًا لمدة ستة أيام، جاء في أعقاب التدخل الإسرائيلي وليس في أعقاب توسط إحدى الدول العربية.

• الحكومة اللبنانية طلبت مزيدًا من القوات متعددة الجنسيات لمساعدتها في المحافظة على الأمن، وراهنت على الموقف الأمريكي للضغط على إسرائيل، ولكن أمريكا يبدو أنها ليست في عجلة من أمرها لإخراج القوات الإسرائيلية من لبنان، ومن جهة أخرى فإن الرهان اللبناني على أمريكا أغضب إسرائيل التي تريد من لبنان أن يأتيها صاغرًا وألا يعتمد على أحد سواها، ولذا أربكت الوضع الأمني في لبنان بتظاهرها بالانسحاب وهي مطمئنة على المواجهة الشرسة بين المارون والدروز.

ومن جهة أخرى فإن سوريا التي اتخذت من حركة «أبو موسى» ورقة لإثبات وجودها في الساحة ولإجهاض كل تحركات التسوية في المنطقة التي لا تمر من دمشق، تريد امتيازاتٍ أمنية و«وفاقًا» مع لبنان، لذا فقد وقفت وراء «جبهة الخلاص الوطني» التي رفعت شعار إسقاط الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، وفي الوقت الذي تحركت فيه قوات إسرائيل منسحبة من الشوف تحركت فيه قوات سوريا منسحبة من طرابلس، ومثلما حدث اختلال في الأمن في الجبل وبيروت حدث اختلال في الأمن في طرابلس، ومثلما طلب الكتائبيون من الإسرائيليين أن يتريثوا طلبت جبهة الخلاص من السوريين أن يتريثوا.

ويأتي المبعوث الأمريكي ماكفرلين في أعقاب شولتز فترحب به سوريا التي تطالب بحل شامل، فيعرض على السوريين مشروع الاتفاق الذي سبق أن قدمه شولتز متضمنًا النقاط التالية:

- امتيازات لسوريا في لبنان: وهو ما عرف باسم الوفاق لتحقيق المصالح الأمنية السورية في لبنان وتجنيس النصيريين في طرابلس.

- تسوية قضية المعارضة في سوريا: أي دعم حكومة سورية للقضاء على الثورة الإسلامية نهائيًّا في سوريا.

- تسوية قضية مرتفعات الجولان.

- مساعدات أمريكية اقتصادية لسوريا.                                                                

وسوريا لا تعارض الانسحاب من لبنان من حيث المبدأ، ولكنها تشترط أن ينسحب الإسرائيليون أولًا، بينما يشترط الإسرائيليون انسحابًا متزامنًا مع السوريين، ولا ذكر للفلسطينيين باعتبار أنه من المقرر تصفيتهم أو احتواءهم وإحباط فاعليتهم، ومن الغريب أن يحتج «أبو صالح» على «معلومات» وصلت إليه أن قوات فلسطينية انتقلت من اليمنين الشمالي والجنوبي إلى لبنان، وهو الذي قام بحركته احتجاجًا على عدم تجميع القوات الفلسطينية في لبنان.

والفلسطينيون -بالتأكيد- سواء وجدوا في لبنان أو لم يوجدوا فيها، فإن المشكلة اللبنانية قائمة وهذا ما أثبتته الأحداث، كما أن الثورة الفلسطينية مضروبة سواء قبلت الحلول المطروحة أو رفضتها، وهذا ما أثبتته الأحداث أيضًا؛ لأن المؤامرة أكبر من لبنان وأكبر من فلسطين، فهل يصحو النائمون من المسلمين؟

وهل يهتدي التائهون من أبناء هذه الأمة؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1112

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان