العنوان لبنان.. بين مطرقة شح الوقود وسندان تعذُّر تشكيل الحكومة
الكاتب طارق الشـال
تاريخ النشر الأربعاء 01-سبتمبر-2021
مشاهدات 78
نشر في العدد 2159
نشر في الصفحة 34
الأربعاء 01-سبتمبر-2021
«المركزي» أبلغ المجلس الأعلى للدفاع بأنه لم يعد قادراً على دعم شراء المحروقات
مارديني: إذا استمرت هذه المنهجية بالتعامل مع آلية دعم المحروقات فسيستمر نقص الوقود
«يونيسف»: البلاد قد تشهد زيادة في الأمراض المنقولة عبر المياه وكذلك حالات «كورونا»
عجاقة: رفع الدعم يقود البلد إلى مجاعة نظراً لارتباط الوقود بأسعار النقل والخبز والكهرباء
يشهد لبنان وسط الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد من انهيار تدريجي في كل القطاعات شحاً في الوقود يشل حركة النقل ويربك النشاط الاقتصادي ويؤثر على قطاعات حيوية؛ مثل الكهرباء والمياه والصحة؛ ما يخلق مزيداً من الاحتقان المجتمعي، ويزيد من معدلات الانكماش الحاصلة بالفعل.
منذ شهور، يعاني لبنان شحاً في المحروقات، تسبب في إغلاق معظم المحطات ومحلات تجارية تعمل على الوقود، مثل مطاحن الحبوب، واصطفاف الناس بطوابير للحصول عليه.
يأتي ذلك في وقت تعيش فيه البلاد إشكاليات سياسية كبرى تمنعها من القدرة على تشكيل حكومة لاتخاذ قرارات جريئة ووضع خطة إنقاذ اقتصادية وتنفيذ إصلاحات ضرورية.
فعلى الرغم من تنحي المكلف الأول بتشكيل حكومة سعد الحريري بعد عجزه عن تشكيل حكومة نتيجة عدم اتفاقه مع رئيس الجمهورية ميشال عون، فإن المكلف الجديد نجيب ميقاتي مر على تكليفه ما يزيد على شهر وحتى الآن لم يقدم ولو تصوراً مبدئياً لحكومته المزمع تشكيلها.
ويعود سبب شح الوقود إلى عدم وفرة النقد الأجنبي اللازم لاستيراد كميات كافية لحاجة السوق المحلية، وسط انهيار أسعار الصرف الذي تجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية (السوداء) 20 ألف ليرة.
من جانبه، كشف وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية ريمون غجر، أن حاكم المصرف المركزي رياض سلامة أبلغ المجلس الأعلى للدفاع بأن المصرف لم يعد قادراً على دعم شراء المحروقات.
وقال غجر: نحن اليوم في مرحلة الذروة في الحاجة للكهرباء، حاجتنا هي 3 آلاف ميجاواط، والقدرة الإنتاجية الحالية بحسب الوقود المخصص للتوليد المتوفر لدينا لا تتجاوز 750 ميجاواط.
ومع ارتفاع حاجة لبنان إلى النقد الأجنبي وتراجع مداخيله للسوق المحلية، هبطت احتياطيات المصرف المركزي من الدولار من متوسط 38 مليار دولار بنهاية عام 2019م، إلى متوسط 16 ملياراً حالياً.
وبحسب بيانات رسمية، تبلغ تكلفة برنامج الدعم اللبناني للمواد الأساسية نحو 6 مليارات دولار سنوياً، يذهب نصفها لدعم الوقود.
وأرجع رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، سبب شح الوقود إلى أن المحروقات تباع بنصف كلفتها للتجار اللبنانيين؛ لأن الدولة تتحمل مع التاجر نصف التكلفة الأخرى المتبقية بهدف وصول الوقود إلى مواطنيها بنص السعر.
وأضاف مارديني، لـ»المجتمع»: لكن التجار اللبنانيين بنهاية الأمر يجدون أنفسهم يبيعون بدون أرباح؛ ما يدفعهم للحصول على المحروقات بنصف التكلفة من الحكومة ثم توجيهها لخارج لبنان لبيعها بالسعر الدولي ويكون ربحهم 100%.
لذا إذا استمرت هذه المنهجية في التعامل مع آلية الدعم المقدمة للمحروقات فسيظل هذا النقص في الوقود مستمراً؛ لأنه لا يصل في النهاية إلى البلد، فعلى الرغم من استيراد لبنان خلال الشهر الماضي 3 أضعاف احتياجاته من النفط، فإن هذا الوقود لم يصل إلى اللبنانيين، وفق تعبير مارديني، الذي أشار إلى أن الوقود الذي يصل لبنان إما يخزن وإما يعاد تصديره إلى الخارج من أجل بيعه بسعره الحقيقي بعد شرائه بالسعر المدعوم وبيعه بالسعر الحقيقي خارج البلاد.
وفي 21 أغسطس الماضي، اتفق الزعماء اللبنانيون على حل وسط قصير الأجل للإبقاء على دعم الوقود؛ في محاولة لتخفيف النقص الحاد الذي تشهده البلاد، بحسب الرئاسة ومكتب رئيس الوزراء اللبنانيين.
شلل تام
وفي بيان صدر عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، خلال أغسطس الماضي، حذرت فيه المديرة التنفيذية هنرييتا فور من أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، فسيواجه أكثر من 4 ملايين شخص في جميع أنحاء لبنان –معظمهم من الأطفال والعائلات الأكثر هشاشة– احتمال تعرضهم لنقص حاد في المياه أو انقطاعهم التام عن إمدادات المياه الصالحة للشرب في الأيام المقبلة.
وأشارت المسؤولة الأممية إلى أنه إذا أجبر 4 ملايين شخص على اللجوء إلى مصادر غير آمنة ومكلفة للحصول على المياه، فذلك سوف يعرّض الصحة والنظافة العامة للخطر، وقد يشهد لبنان زيادة في الأمراض المنقولة عبر المياه بالإضافة إلى زيادة في عدد حالات «كـوفيد- 19».
وفي يوليو الماضي، حذرت «يونيسف» من أن أكثر من 71% من سكان لبنان قد لا يحصلون المياه هذا الصيف.
وقالت فور: أصبحت المرافق الحيوية مثل المستشفيات والمراكز الصحية محرومة من المياه الصالحة للشرب بسبب نقص الكهرباء، مما يعرض الأرواح للخطر.
بدوره، أوضح مارديني أن شح البنزين جعلنا اليوم نرى الناس مصطفين في طوابير طويلة أمام محطات البنزين، كما عُطل الموظفون من مزاولة أعمالهم والجلوس في البيوت، كما أعلنت بعض المستشفيات إغلاقها نتيجة شح المازوت الذي يتم توليد الكهرباء منه.
كذلك أعلنت مراكز التسوق الكبرى وكثير من المصانع إغلاقها نتيجة عدم توفر المازوت، أيضاً فإن المزارعين توقفت أعمالهم بسبب عدم توفر كهرباء للري وتخزين المحاصيل بالمبردات للحفاظ عليها، وبالتالي حدث شلل تام للنشاط الاقتصادي.
مواطن مطحون
يأتي ذلك ليضيف مزيداً من الأعباء على المواطن اللبناني الذي يعاني من تراجع قدرته الشرائية وارتفاع معدلات الفقر الذي ذكرت بعض التقديرات أن 75% من السكان الآن تحت خط الفقر.
كما قالت «يونيسف»: إن 77% من الأسر اللبنانية لا تجد ما يكفي من المال لشراء الطعام، خلال أغسطس الماضي.
ووسط تلك الأزمات، فعلى لبنان ضرورة التحرك سريعاً نحو تشكيل حكومة تكنوقراط يكون في مقدمة أولوياتها الملف الاقتصادي للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة.
كما أن الهدوء السياسي سيمكن البلاد من القدرة على منح الثقة للمقرضين الدوليين لإتاحة مصادر تمويل أجنبية تمكن الدولة من القدرة على السيطرة على سعر الصرف وشراء المحروقات للبلاد، ودفع الاستثمارات المحلية وجذب الخارجية منها، ما يدفع عجلات النمو الاقتصادي.
ويرى مارديني أن الحل يكمن في رفع الدعم عن الوقود، وأن يباع بسعره الحقيقي، وبالتالي ستكون هناك مصلحة للتجار بالقدوم بالوقود إلى البلاد؛ حيث أصبح سعره بالسوق المحلية مساوياً لسعره بالخارج؛ وبالتالي لا حاجة للتجار إلى تهريبه، مما يعيد النشاط الاقتصادي في البلاد.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أنه مع إعلان البنك المركزي عدم قدرته على تقديم الدعم على المحروقات، فإن فرضية رفع الدعم تقود البلد إلى مجاعة نظراً لارتباط الوقود بأسعار النقل والخبز والكهرباء والخدمات الأخرى الحيوية.