; لبنان سلام متفجر على أكف العفاريت | مجلة المجتمع

العنوان لبنان سلام متفجر على أكف العفاريت

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 936

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

 

قوى خارجية تحرك المتقاتلين بالريموت كنترول، وتصب الزيت على نار الحرب، وتجلس متفرجة مبتهجة. المسلمون السُّنَّة في لبنان هم الأكثرية الضائعة، وهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأضيع من الأيتام على مأدبة اللئام. مصالح يهودية، وأحقاد تاريخية صهيونية، وباطنية... تقتضي استمرار اشتعال الحرب في لبنان.

 

السلام أمنية عزيزة ولكن

لا شك أن تحقيق الأمن والاستقرار والعدل في لبنان أمنية عزيزة يهفو لها قلب كل عربي ومسلم وإنسان منصف.

وفي اعتقادنا أنه غني عن البيان ما جرته الحرب الضارية لبضعة أعوام على لبنان من ويلات وخراب ودمار وشتات.

 

تحريك المتقاتلين بالريموت كنترول

ولقد آن للبنانيين أن يعقلوا -إن استطاعوا- ويتعلموا من تجاربهم المرة. فهذا صراع دموي لا غالب ولا مغلوب، خصوصًا وأن هناك من يصب الزيت -من الخارج- على نار الصراع داخل لبنان، ويجلس متفرجًا مبتهجًا؛ لأنه لا يخسر شيئًا ولا يصاب بشيء، ولأن معتقده "العدائي أو الباطني" يقول: "فخار يكسر بعضه بعضًا" أو "إن لم تستطع أن تقتله فالعنه".

وكذلك لأن هناك قوى كبرى وخفية تمول أمثال هذه الصراعات وتوجه مثيريها ومحركيها "بالريموت كنترول"، وهي وإن صرحت برغبتها في الوفاق والسلام، لكنها عبر وكلائها في الداخل والخارج تعمل على منع أي استقرار نهائي؛ حيث إن القلاقل تصب في الدرجة الأولى في خانة المصالح اليهودية "الإسرائيلية"، فكيف تتوقف إذن؟!

 

بلعوا سكينًا ذا حدين ويتجادلون بيزنطيًا

إن الوضع في لبنان كمن نشب في حلقه سكين ذو حدين، إن نزعها آذته وإن بلعها آذته أكثر.

فالنصارى يتخوفون من إلقاء السلاح مع وجود القوات السورية، وبعض الآخرين يخشون من انسحاب القوات السورية قبل تحييد الجيش اللبناني وإعادته كمؤسسة تابعة للسلطة المدنية بما في ذلك جيش عون النصراني وميليشيات الكتائب والقوات اللبنانية.

ومن هنا انحصرت المباحثات أو "المداورات" نيابية وغير نيابية حول أيهما أولًا: ما يسمى بالإصلاحات، أو انسحاب السوريين. ويبدو أن الحوار يأخذ نهج الجدل البيزنطي المشهور: "أيهما أسبق... الدجاجة أو البيضة"؟!

 

المسلمون كالمستجير من الرمضاء بالنار

ومصيبة المسلمين في لبنان وخصوصًا السنة، وهم الأكثرية الضائعة الآن، أنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، فهم بين أمرين أحلاهما مُرٌّ؛ فلا هم يرضون بعودة السيطرة النصرانية المطلقة كما كان من قبل، ويتخوفون من تجارب الحرب ومذابحها، ولهم كل الحق في ذلك.

 

كيف ينجح حوار في ظل الحراب؟!

وكيف يُتاح للحوار -نيابي أو غير نيابي- أن ينجح في ظل الحراب؟ ففي كلا الجانبين عسكريون وميليشيات -يملكون القرار الخاص بهم- بقوة السلاح، والويل لمن خالف تعليمات العسكر.

لنستمع -مثلًا- إلى ما قاله روبرت فيسك، مراسل جريدة الإندبندنت البريطانية من الطائف، على سؤال تليفوني من ماكس فيرغسون، مراسل الإذاعة البريطانية BBC من لندن فجر يوم، قال فيسك: "إن النواب المسيحيين جاءوا هنا -أي للطائف- ولديهم تعليمات تقضي بعدم قبولهم أية إصلاحات دستورية قبل وضع جدول لانسحاب القوات السورية من لبنان".

 

فمن الذي أعطاهم التعليمات؟!

وقل مثل ذلك في الطرف الآخر، حيث إن مجرد الحياد ممنوع، وإلا فمصير حسن خالد وصبحي الصالح ورشيد كرامي معروف!

لا نريد أن نقول: مصير سليم اللوزي أو كامل مروة أو غيرهما من ضحايا الرأي والقلم والفكر والعلم؟!

أو مثل من خسر دينه وماضيه ومستقبله وأبقى على حياته كسعيد شعبان وأمثاله.

 

عواقب الإخفاق خطيرة

وقد بثت وكالة فرانس برس لمراسلها في الطائف قوله: "النواب منقسمون بصورة متوازية تقريبًا بين نواب الطرف المؤيد لسوريا الذين يريدون اعتماد الوثيقة العربية بالصيغة التي هي عليها، والنواب المسيحيين "نواب الشرقية" الذين يريدون أن يحددوا في الطائف برمجة واضحة ودقيقة للانسحاب".

وهل لمدنيين أن يحددوا انسحاب عسكريين في العالم العربي؟

ولذا لم يتفق النواب "الطرفان" إلا على مبدأين أساسيين:

1.     عروبة لبنان.

2.     استقلاله وسيادته.

وقد نقل أحد النواب عن وزيري الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل والمغربي د. عبد اللطيف الفلالي عضوي اللجنة الثلاثية قولهما:

"لقد جرى التوصل إلى الخطة العربية بعد جهود مضنية ومتاعب جمة، وإذا رفضها اللبنانيون فيخسرون كثيرًا من الدعم الخارجي".

ويضيفان: "إن علينا أن ننجح لأن عواقب إخفاقنا ستكون خطيرة جدًا". وبالطبع فكثير من اللبنانيين يعرفون معنى تلك الخطورة، بل ذاقوا مرارتها مرارًا! وهذا ما دفع الأمير سعود الفيصل إلى أن يقول بإصرار: "إن الفشل ممنوع".

 

رأي ريمون إده

إن بعض العقلاء الذين يرون الصورة الحقيقية عن بعد، قد آثروا السلامة والراحة وفضلوا أن يبقوا بعيدين عن هذه التمثيلية من المساومات والمداولات. ففي إشارة إلى القوة المعوقة الحقيقية للسلام الدائم الحقيقي، قال ريمون إده من باريس وهو يبدي رفضه حضور اجتماعات الطائف: "إنه لا بد قبل كل شيء من انسحاب القوات "الإسرائيلية والسورية والإيرانية"، وقد ذكر أن أمله في الفوز كمرشح لرئاسة الجمهورية في الظروف الحالية لا يتجاوز 1 من مليون.

رئيس وسط

وقد نقلت وكالة الأنباء القطرية أنه بعد فشل ترشيح ميخائيل الضاهر الذي كانت تراهن عليه سورية، تتجه النية إلى اختيار مرشح وسط -كما أسمته- وهو مانويل يونس. وهو ماروني من مواليد 1920 ونائب سابق -وتاجر حاليًا- وخريج الجامعة الأمريكية ببيروت ويحمل الدكتوراه في الفلسفة من جامعات فنزويلا.

مخاوف الفشل والتدمير

لقد نقلت الفايننشال تايمز طعن عون وجنبلاط في شرعية مجلس النواب الحالي، وتخوفت من فشل الجولة الحالية لجهود التسوية ومن أن هناك خطرًا كبيرًا في "أن يقوم قادة الميليشيات الذين كسبوا قسطًا كبيرًا من السلطة في لبنان بتخريب مستقبل لبنان" كما قالت الجريدة.

وهؤلاء بالطبع "أصوات أسيادهم ومخالبهم".

وأسيادهم مرتبطون بأسيادهم وهكذا... ونحن لا ندري كيف تحتاج قوات عسكرية مدة سنتين -أو حتى 6 أشهر- للانسحاب لبضعة كيلومترات؟!

ومهما يكن من أمر، فإن الحل لن يكون ناجعًا إلا بانسحاب قوات الاحتلال اليهودي كذلك من جنوب لبنان، وتصفية العصابة التابعة لها هناك "باسم جيش لبنان الجنوبي" وإعادة توحيد لبنان فعليًا.

ولن ينسحب اليهود دون تحقيق مكاسب كبيرة وعلى مستوى كامب ديفيد على الأقل، وضمان لجم الفلسطينيين وأنصارهم نهائيًا وإبعادهم أو القضاء عليهم. وإلا فإن اليهود مستعدون في كل لحظة لتحريك أدواتهم التي لا تخطر أو تخطر على بال، والمتواجدة والجاهزة، لتخريب أي حل وإن فشلوا -وهذا بعيد- فلا نستبعد أن يثيروا حربًا محدودة لتدمير أي حل ممكن!

كذلك فإن تواجد بعض الأطراف اللبنانية في طهران مثل جنبلاط وبري وسعيد شعبان، وتصريحاتهم المعادية لجهود الحل في لبنان، مؤشر خطير يدل على استعداد هؤلاء -ومنهم رؤساء ميليشيات- يدل على استعدادهم لتدمير أي حل أو اتفاق، ويكشف الجهات التي تحرض على ذلك وتمدهم.

أما الجهات النصرانية المتعصبة فمعروفة مواقفها ومعروفون أسيادها.

الإنجاز الحاصل حتى الآن هدنة ولكن على دخن

وعلى كل حال، يظل أفضل ما حققته الجهود الحالية هدنة تثبت مدة طويلة نسبيًا، وإن كانت على دخن.

ولكن القلوب المتحاربة يصعب أن تتحول إلى متحابة، ولا تزال تحمل الحقد في صدور أصحابها. والسلاح الذي أسال الدماء لا زال في الأيدي والأصابع على الزناد، في انتظار أي مجنون أو مشبوه يعيد تفجير فتيل الحرب من جديد. وما أسهل ذلك! فاللهم اهد أهل لبنان، واحمهم من أنفسهم ليعرفوا أعداءهم فلا يطيعوهم.

ع. ش

 

الرابط المختصر :