العنوان مقتل زعيم الأحباش هل سيكون بداية النهاية للأحباش؟
الكاتب بدر الدين حسن عواضة
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 167
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
في الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس ١٩٩٥/٨/٣١م، وفي شارع البستاني بالطريق الجديد من بيروت، كان موعد رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية ومفتي الأحباش، ورجلهم الأول الشيخ نزار الحلبي مع القدر، حيث كتب الله سبحانه له الرحيل إلى دنيا الحق على يد مسلمين لا زالوا مجهولي الهوية حتى الآن.
مسلحون ملتحون (٢٠٠٠) ملثمون بجوارب سوداء يقودون سيارة مرسيدس بيضاء وآخرون يقودون دراجة نارية، فاجأوا الشيخ «نزار الحلب» وهو يهم للركوب في سيارته بوابل من الرصاص من بنادق أوتوماتيكية، فأصابوا منه مقتلًا، حيث استقرت اثنتا عشرة رصاصة في الرأس وأكثر من ذلك في اليد اليمني، وبذلك اغتالوا العقل المدبر لفرقة الأحباش.
عملية الاغتيال استغرقت ثلاث دقائق كانت كافية للقضاء على «الحلبي،» وإصابة ولده «بلال» في رأسه، وإصابة مرافقه، وحارس المبنى حيث جرت العملية، وبعدها في منفذو العملية إلى جهة مجهولة، قيل إنها إحدى المخيمات الفلسطينية.
وفي غضون دقائق قليلة تجمهر الناس حول الشيخ القتيل ونقلوه إلى مستشفى المقاصد القريبة من ساحة الحدث، حيث أعلن رسميًا نبأ الوفاة.
بعدها قامت قيامة الأحباش ولم تقعد حتى الساعة حيث يقول بعضهم فعلوها «الإخوان» وبعضهم يتوعد ويهدد بالانتقام من الوهابية وبعضهم يقول «الدور سيأتي على الجميع».
تؤكد مصادر سياسية أن هناك قرارًا بتصفية الشيخ الحلبي بعدما تفاقم بشكل غير معقول دور جماعته في لبنان، وأصبح مصدر قلق ووجع رأس للعديد من السياسات.
وتشير هذه المصادر إلى أن عملية الاغتيال أيضاً كانت رسالة واضحة لسوريا الحليف القوي لحركة الأحباش.
الإشاعة والفتنة
وفور شيوع نبأ اغتيال الشيخ الحلبي سرت في أوساط الناس إشاعة مفادها أن عملية اغتيال أخرى تعرض لها نائب بيروت وعضو الجماعة الإسلامية الدكتور زهير العبيدي الذي سارع بدوره إلى نفي الخبر عبر أجهزة الإعلام المرئي والمسموع، ومؤكدًا استنكار الجماعة الإسلامية العملية الاغتيال.
مراسم التشييع
في اليوم التالي لعملية الاغتيال جرت مراسم تشييع الشيخ الحلبي عبر أجواء حبشية مشحونة بالغضب والحقد على دار الفتوى والجماعة الإسلامية والحركة الوهابية.
وعملية تشييع الشيخ الحلبي عكست العدد الحقيقي الضئيل لفرقة الأحباش في لبنان بحيث كان من المتوقع أن يكون العدد عشرة أضعاف ما كان، وهذا يعطي صورة واضحة عن الحجم الحقيقي لحركة الأحباش، وقدرت الأوساط عدد المشاركين في التشييع بحدود الفي شخص جاءوا من مختلف المناطق اللبنانية، ومنهم غير الحبشي، ولكنه يؤيد نهج الأحباش.
وهنا لابد من القول إنه باغتيال الشيخ «نزار الحلبي»، فقد الأحباش عنصرًا هامًا ومنافسًا قويًا لنهج دار الفتوى المرجعية الرسمية للمسلمين السنة في لبنان، حيث كان «نزار الحلبي» يطرح اسمه دائمًا كبديل للمفتي الشهيد الشيخ «حسن خالد» -رحمه الله-، وبذلك فإن غياب الشيخ «الحلبي» سيترك فراغًا كبيرًا في الحركة الحبشية، سيؤدي دون شك إلى انكماشها.
من هم الأحباش؟
إن فرقة الأحباش حركة قامت إبان الحرب اللبنانية ومرشدها الروحي هو «عبد الله الهرري» المعروف بالحبشي، قدم بلاد الشام قبل ٢٥ سنة بعدما طرد من بلده هرر في الحبشة، حيث تشير المعلومات إلى أنه كان مصدر فتنة وبلاء للمسلمين هناك، وكان يد السلطة الظالمة ولسان حالها.
ثم قدم لبنان، وبقدومه أرست الفتنة دعائمها بين أهل السنة والجماعة، وبسرعة مدهشة أصبح لهذا الرجل مريدوه وأتباعه وانتشروا في مختلف المناطق اللبنانية، وقد أظهر «الحبشي» مواهبه الفذة في عمليات الدروشة والسحر والشعوذة ولفت الأنظار إليه، وجذب الأنصار حوله مستغلًا حالة الفوضى التي كانت قائمة في لبنان آنذاك.
وفي العام ۱۹۸۳م عمل الأحباش من خلال جمعية إسلامية أسسها المرحوم الشيخ أحمد العجوز بعد أن تنازل لهم عنها، ومنذ تلك اللحظة نظموا صفوفهم وانطلقوا من خلال جمعية مرخص لها من قبل الدولة اللبنانية، حيث قويت شوكتهم وزاد أتباعهم، وبغية استمالة أكبر عدد من ضعاف النفوس أصدر الأحباش العديد من الفتاوى التي ترضي جميع الأذواق والأهواء، وكأنهم في بازار ديني وفي مزاد إسلامي يمنح الفتاوى وفق اجتهادات خاصة، ومن أشهر فتاويهم تحريم القتال مع "إسرائيل"، واعتبار أن الذين استشهدوا في عمليات انتحارية ضد "إسرائيل" ماتوا عصاة كذلك فإنهم يكفرون «ابن تيمية»، «وابن قيم الجوزية»، «وسيد قطب»، والشيخ «عبد العزيز بن باز»، «وشيخ الأزهر»، «والشيخ الشعراوي»، «والشيخ الغزالي»، ويفتون بجواز خروج المرأة متعطرة متزينة متبرجة ترتدي الجينز، ولا يرون في ذلك عيبًا.
أما عقيدة الأحباش وحسب زعمهم فهي ماتوريدية أشعرية، إذ يؤمنون بأن الله -سبحانه وتعالى- كان الله ولا مكان وهو الآن على ما هو عليه كان، ويرى الأحباش منهج الإخوان المسلمون ومنهج «سيد قطب» بالذات ليس هو منهج أهل السنة والجماعة، ويتهمون الإخوان بالخروج على الإسلام، وكذلك فهم يرون بأن الجماعة الإسلامية في لبنان خارجة عن الإسلام، ولعل أغرب فتاوى الأحباش أن نوم المرأة بجوار الحائط حرام؛ لأن «الحائط مذكر» بل إن المرأة إذا ارتدت «شبشب» أو حذاء رجل ولو كان زوجها أو أخوها فقد ارتكبت ذنبًا كبيرًا لتشبهها بالرجال.
تجدر الإشارة إلى أن للأحباش نائب في البرلمان اللبناني هو «عدنان طرابلسي»، وعندهم إذاعة خاصة بهم اسمها «نداء الإيمان»، ويصدرون مجلة شهرية تحت اسم «منار الهدى»، ويديرون عددًا من المدارس والمعاهد، ولديهم انفتاح ونشاط في عدد من الدول الأوروبية مثل سويسرا وألمانيا وفرنسا، كما يحظون بوضع خاص في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية.
الفتنة الدائمة
قلما تجد مسجدًا في بيروت يخلو من مجموعة من الأحباش يترصدون أية هفوة أو مقولة لا تتناسب ومعتقداتهم وفتاويهم، تصدر عن إمام أو خطيب المسجد، وهم يحاولون دائمًا إعطاء الدروس وتثبيت أقدامهم في المساجد رغم وجود قانون يمنع من ذلك وضعته دار الفتوى بالتعاون مع المديرية العامة للأوقاف الإسلامية ينص على عدم إعطاء أي درس إلا بإذن خاص من الأوقاف، ولكنهم يضربون بقوانين الأوقاف عرض الحائط مما يدفع بعض الشباب المتدين إلى منعهم، فيقع المحظور، وتقع الكارثة فيكون هناك جرحى ومصابون وسكاكين ودماء داخل المساجد.
وأهم مساجد الأحباش التي جعلوها مراكز لهم في بيروت: «مسجد برج أبي حيدر» وهو مركز جمعية المشاريع، «ومسجد البسطة الفوقا»، وهذان المسجدان تقف الأوقاف إزاءهما عاجزة عن فرض سلطتها عليهما نظرًا لخطورة هذه الفرقة.
الأحباش يكفرون «الإخوان المسلمون، وعلماء الأمة مثل الشيخ عبد العزيز ابن باز وشيخ الأزهر والغزالي
رأى العلماء في الأحباش
القائم مقام مفتي الجمهورية «الشيخ محمد رشيد قباني» يحرص دائمًا على أن ينأى بنفسه وبدار الفتوى عن الدخول في آية مواجهة مع أية جماعة من الجماعات مهما كان حجمها ومهما كانت خطورتها، ويرى ضرورة التفاف الجميع حول دار الفتوى التي هي المؤسسة الرسمية لجميع مسلمي لبنان.
ويرى النائب الدكتور «فتحي يكن» -أمين عام الجماعة الإسلامية السابق- أن حركة الأحباش تدور ضمن إطار مستقل تمامًا عن إطار المرجعية السنية الشعبية والرسمية، وهي حركة لها مسارها وإطارها وقرارها الخاص بها، وأنها ارتضت لنفسها أن تكون كتلة منفصلة تمامًا عن الساحة الإسلامية، ويعتبر أن أحدًا من أفراد الجماعات الإسلامية لا يسمح لنفسه أن يدخل في صراع يتجاوز أصول الخلاف الفكري والحوار، ويرى أن الدخول مع هذه الفئة في صراعات هو سقوط في الفخ، وهو انجذاب للمواقع التي يريدها لهم أعداء الإسلام، ويحمل النائب يكن المرجعيات الإسلامية في لبنان وخارجه مسئولية التصدي لهذا الخطر المتمثل في الأحباش وفكرهم.
أما مفتي جبل لبنان الشيخ الدكتور «محمد علي الجوزو» فهو من المناوئين للأحباش، وله كتب ومواقف ضدهم، وهو من أوائل من تصدى لحملاتهم ودعواتهم وفتاويهم.
وقد سئل سماحة الشيخ «عبد العزيز ابن باز» عن الأحباش فقال: «إن هذه الطائفة معروفة لدينا وهي طائفة ضالة، ورئيسهم المدعو "عبد الله الحبشي" هو معروف بانحرافه وضلاله، فالواجب مقاطعتهم وإنكار عقيدتهم الباطلة وتحذير الناس منهم ومن الاستماع لهم، أو قبول ما يقولون».
ويرى علماء الأزهر الذين بدأوا مؤخرًا بدراسة ظاهرة الأحباش بالتعاون مع علماء لبنان، أن حركة الأحباش هي امتداد لتلك الحركات الباطنية الهدامة أمثال القاديانية والبهائية التي زرعها المستعمرون والصهاينة داخل الأمة الإسلامية.
وأخيرًا، فإن حركة الأحباش حركة دخيلة على أهل السنة والجماعة في لبنان، وخطورتهم في أنهم تيار محسوب على السنة، ويتحدثون باسم أهل السنة، ويحمل فكرهم طابع ومنهج السنة في الظاهر بينما هم غير ذلك يحملون معاول الهدم يهدمون الدين وما تبقى من سمعة المسلمين، فهل سيكون مقتل نزار الحلبي بداية لنهاية هذه الفرقة في لبنان؟