; لبيك اللهم لبيك | مجلة المجتمع

العنوان لبيك اللهم لبيك

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر السبت 31-ديسمبر-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1683

نشر في الصفحة 52

السبت 31-ديسمبر-2005

أخي الحاج: كن مع الذين أحبهم الله وأحبوه ورضوا عن الله فرضى عنهم

ماذا أنت صانع بعد عودتك.. هل تجدد العزم للعمل لدينك.. وتعاهد ربك على نصرة الحق؟

هناك معالم على مدارج الحج تنير لنا الطريق، وتهذب الخلق وتزكي النفس وتوسع مدارك المسلم، فالحاج يجمع الفضل من أطرافه، راحة وأمنا ورخاء على الأرض، ونعيمًا واستقرارًا في مقعد صدق عند مليك مقتدر..

الحج أحد الأركان الخمسة التي بني عليها صرح الإسلام العظيم ومن بديع صنعه تبارك وتعالى أنه ما ألزمنا بركن من هذه الأركان، إلا وقد وضح لنا الحكمة العالية من افتراضه في الشهادتين يتحرر الفرد من رقي العبودية لكل شيء في هذا الوجود ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥)، وبالصلاة النجاة من كل منكر وفحشاء ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥). 

وبالصيام الحق تتم لنا التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣)، وبالزكاة يطهر كل ما تملك، ويزكيك الله ظاهرًا وباطنًا ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ۱۰۳)، وبالحج يكمل لك الجميع بين حسنات الآخرة، ومنافع الدنيا ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: ۲۸).

عالمية الإسلام

إن هذه الفريضة العظيمة -الحج– لها دلالة كبرى على عالمية هذا الدين، هذه العالمية التي بدأت من أول يوم والدعوة تطارد في شعاب مكة، والدعاة تسد أمامهم كل الأبواب، ويحاط بهم في كل خطوة والقرآن يقول لهم عن هذه الرسالة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (ص: 27).

لقد كان من أوائل الصحابة أبو بكر القرشي العربي، وصهيب الرومي وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وغيرهم من شتى الأمم والشعوب والجميع ينصت للنداء العالمي الأصيل وكونوا عباد الله إخوانا. ولقد تحقق هذا في ظل الإسلام في دنيا الواقع، وتحت راية لا إله إلا الله، ولم يتحقق تحت أي راية أخرى إلى اليوم. فلا عصبة الأمم، ولا محكمة العدل الدولية، ولا هيئة الأمم المتحدة.. كلها لم تفن الناس شيئًا عن الدمار والخراب والقتل والدماء المسفوحة ظلمًا وعدوانًا في كل بقعة من بقاع الأرض، وما أهوال فلسطين – قلب العالم الإسلامي – ومجازر العراق – والبوسنة والهرسك – وكوسوفو منا ببعيدة.

المؤتمر الجامع

كتب الإمام الشهيد حسن البنا عليه رضوان الله يقول: وما الحجر الأسود، إلا موضع الابتداء، ونقطة التمييز في هذا البناء، وعنده تكون البيعة الرب الأرض والسماء على الإيمان والتصديق والعمل والوفاء اللهم إيمانًا بك - لا بالحجر – وتصديقًا بكتابك – لا بالخرافة – ووفاء بعهدك وهو التوحيد الخالص لا الشرك واتباعًا -لسنة نبيك .. موسم الحج هو المؤتمر العظيم الجامع الذي ينعقد مرة واحدة في العام في أعظم بقعة وأطهر مكان، يضم الملايين بين أمة الإسلام، يقفون بين يدي الله، وقد تجردوا من كل مظاهر الدنيا المادية، لا يلفهم إلا ثوب واحد لا تستطيع أن نعرف الغني من الفقير والعالم من غير العالم. 

فالكل سواء. والجميع سواسية أمام الله الواحد القهار، يقول الله عز وجل في سورة التوبة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾) (التوبة: 112)، وبقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: 17)

عذوبة المناجاة

آية سعادة وأي نعيم.. وأي أمن وأمان... وأي إيمان وروح وريحان.. وأي مناجاة وخشوع وخضوع ودعاء طوال أيام الحج.. حج مبرور وذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مأجور، وذلة بين يدي العزيز الغفور، وفاقة بين يدي الغني، وضعف بين يدي القوي وطمع في الاستجابة ورجاء في غفران الذنوب.

أخي الحاج: هنيئًا لك الغدو والرواح بين حراء وثور، والطواف حول البيت والركون إلى جنب مالك الملك.. أي قوة وأي عزة أحسست بها؟! إنه الفيض والفضل والإنعام ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الجمعة: 4). 

هل أديت المناسك ثم غادرت بطحاء مكة. ووليت وجهك حيث مثوى الحبيب  رحمة الله للعالمين، وخيرته من خلقه أجمعين من علا قدرًا بين الملائكة المقربين؟ وهل سعدت روحك بالقرب من الروضة واقترب قلبك من مبلغ الأمانة وحامل الرسالة إلى العالمين... 

-أي خفقان تدوي نبضاته بين جوانحك؟

-وأي سعادة تغمر روحك، وتمتلئ بها نفسك؟

-وأي طهارة تنظف قلبك ومشاعرك؟

-وأي استعداد للتوبة والرجوع إلى الطريق القويم سيطر عليك وملأ خاطرك؟ هل سرت من الروضة إلى قباء تترسم خطى المحبوب؟

هنيئًا لك هذا الحج المبرور، والعمل المأجور، والذنب المغفور.. بإذن الله.

واقع محزن

ثم ماذا؟ ماذا أنت صانع بعد عودتك؟ هل سترجع إلى سيرتك الأولى من الغفلة والتقصير والتمادي في الغي والضلال والتفريط فيا حسرة على العباد، ضاع المال وتعب الجسد. ولا شيء بعد هذا!!! أم ستعود وقد شعرت بالغيرة على دينك وتغير كل ما فيك من نية إلى نية، ومن حال إلى حال، ومن عزم إلى عزم، ستعود وقد أحسست بأحوال المسلمين وما لهم عليك من حقوق، وبدأت تعمل لدينك الذي من أجله خلقك مولاك فجددت العزم، وبدأت لا تدخر في العمل لدينك وقتًا ولا جهدًا ولا مالًا، وأحسست أن لإخوانك وأهلك ما لم تكن تحس به من قبل من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم!

فعاهدت ربك على نصرة الحق واهتممت ببيتك وأولادك ووصلت جيرانك وعرفت طريق المسجد والمصحف، والوقوف بين يدي مولاك ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: ٩٩). 

إن كنت كذلك فاشكر الله واحمده، فهو القائل ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ﴾ (إبراهيم: ٧) إن هذا التغيير هو الدليل العملي على قبول الحج والرضا، ففي الحديث من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه... إن الذي يحزن المسلم ويؤلمه هو قعود المسلمين وانصرافهم عن العمل لدينهم –إلا من رحم الله إن الغفلة عن رسالة الإسلام ونصرة هذا الحق– عند البعض منا – بلغت درجة خطيرة، بينما أصحاب الباطل يملؤون الدنيا ضجيجًا وفتنة للمسلمين، وصرفًا للشباب عن طريق الله.

أفلا تجعل من موسم الحج بدءًا للعودة إلى إيماننا، والعمل لإسلامنا، ونصرة للحق؟ إن الحق كاملًا يجب أن يقال وأن يسمع فأحوالنا – نحن المسلمين. أصبحت تتحدث عن نفسها حديثًا توشك معه القلوب أن تذوب كمدًا وحزنًا.

أخي الحاج كن مع الذين أحبهم الله وأحبوه ورضوا عن الله فرضي عنهم، وثبتهم على عهده واختارهم.. كن مع الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. لا تلهيهم مناصب ولا القاب ولا أحساب ولا أنساب...

فهؤلاء هم ورثة الأنبياء، وطلاب الجنة.

وفي الحج أمثلة كثيرة على الطاعة أشهرها رمي الجمرات إذ ينفذ الحاج ما أمره ربه سبحانه وتعالى من رمي سبع حصيات على جمرة العقبة الكبرى صباح يوم العيد، ثم يعود في اليوم الثاني ويرمي الجمرات الثلاث بسبع حصيات لكل واحدة متبدئًا بالصغرى، ثم يعود في اليوم الثالث ويكرر ما فعله في اليوم الثاني وهكذا...

ولا يتساءل الحاج لماذا سبع حصيات؟

ولماذا ترمي العقبة الكبرى وحدها يوم النحرة ولماذا يرتب الرمي بدءًا من الصغرى وليس من الكبرى؟ ولا يتساءل الحاج مثل هذه الأسئلة لأن عقله لا يحيط بذلك، ولأنه ينفذ ما أمره به الله عز وجل طاعة له - وهكذا فالحج – مثل الجهاد – تدريب للنفس على الطاعة، وتنفيذ الأوامر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

165

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة