العنوان لبيك اللهم لبيك.. لبيك حجًا.. لبيك جهادًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
مشاهدات 41
نشر في العدد 637
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك..
نلبيه سبحانه ونعظمه ونسجد له ونقدسه... نلبيه ونطيعه ونتمتع بلذة عبوديته، ونستجيب لداعيه استجابة المحب المقبل الراغب في الاستظلال بظله يوم لا ظل إلا ظله.
نلبيه سبحانه في تأدية كل فرائضه... ونلبيه في اجتناب كل نواهيه... نطوف حول بيته العتيق المعظم.. ونسعى بين يديه.. ونصلي له.. ونصوم من أجله... ونقدم إليه الحق المعلوم.. ونستلهم وحيه وتنزيله الكريم دينًا ودنيا، عقيدة وشريعة، إيمانًا في القلب ونظامًا للحياة ودستورًا نهتدي بهديه، وحَكَمًا نحتكم إليه في السراء والضراء.. وفي الحرب والسلم.
نلبيه سبحانه لأن تلبية دعوته فيها من نعمة الأمن والطمأنينة كما فيها من نعمة اللذة والمتعة في العبودية.. وهل يتاح للذة العبودية أن تكتمل قبل اكتمال الأمن والطمأنينة؟
نلبيه سبحانه ولا نفرق بين أوامره في التلبية.. نحج بيته ونجاهد في سبيله.. سياق واحد في الحياة كالسياق الموحد الذي نزل به النص القرآني وربط بين الحج والجهاد.
١- لم تنفك دعوة القرآن إلى الجهاد عن الدعوة إلى الحج... حتى إن الله سبحانه يُضمِّن آيات الحج الدعوة إلى الجهاد: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190) وتأتي هذه الآية بين قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ...﴾ (البقرة: 189) وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ...﴾ (البقرة: 196).
ولم يكن تضمين الدعوة إلى الجهاد أثناء الحديث عن الحج إلا لحكمة عظيمة يستوحي منها المسلمون اليوم أهمية تلبية داعي الجهاد والقتال... أهمية لا تقل بحال من الأحوال عن تلبية نداء الحج وغيره من أركان الإسلام.. ومن هنا فإن الاستجابة لأمر الله في الحج يجب أن تصحبها استجابة لأمر الله في الجهاد. كذلك فإن تلبية المسلم للحج يجب ألا تنفصل عن تلبيته للجهاد.
٢- لم ينفك ارتباط المسجد الحرام الذي يحج المسلمون إليه بالمسجد النبوي والمسجد الأقصى حيث تشد رحال المسلمين... لم ينفك هذا الارتباط في ذهن المسلمين لأنه ارتباط وثيق قائم في القرآن والسنة معًا.. ولعله من التقوى أن يذكر المسلمون اليوم وهم يحجون بيت الله الحرام هذا الارتباط.. ارتباط الأقصى بحرم الله وبمسجد رسوله صلى الله عليه وسلم.. ولتكن صورة هذا الارتباط الوثيق غير منفصلة عن آيات الحج التي تضمنت الدعوة إلى الجهاد، فذلك أدعى لأن يتجنب المسلمون عدوان الأعداء على المسجدين في المستقبل، وذلك بتلبية الدعوة الإلهية والقيام بفريضة الجهاد إلى جانب القيام بفريضة الحج في سبيل تحرير المسجد الأقصى لتعود إليه حريته.. وليشد المسلمون الرحال إليه كما هو حالهم مع المسجد الحرام ومسجد رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. وهنا بات من الضروري أن يعي كل حاج المعنى المتكامل للتلبية.. والارتباط المكين بين أوامر الله واستجابة المسلمين إلى جميع أوامر ربهم استجابة واحدة ومتكاملة.
3- كذلك لم تنفك أعمال الحج عن تربية النفس المجاهدة وصقلها وتدريبها على تحمل الأذى والمشي إلى الصعاب وخوض غمار الوعر من الأمور... كل هذا لتقوى بنية المسلم الجسدية... ولتشتد أواصره المعنوية نحو الأسمى والأعلى؛ فيكون مجاهدًا يرقى ذروة سنام الإسلام، ويسمو على كل العناصر الدنيوية التي من شأنها أن تعطل فيها عملية إيجاد البنية السليمة.
٤- ولا ينفك أيضًا يوم الحج عن صورة الوحدة الإسلامية العظيمة، بين شعوب المسلمين وقبائلهم وأجناسهم وأعراقهم وألوانهم المختلفة. الكل يلبي ربه تلبية واحدة.. لبيك اللهم لبيك.. والجميع في موقف واحد ومشهد واحد وهيئة واحدة.. الشيطان بعيد عنهم ليس أذل له من مشهدهم هذا وهم يستجيبون إلى داعي الحج.. هذا الداعي الذي يربي في نفوسهم الدوافع المتكاملة لإيجاد المجتمع المسلم الموحد.. مجتمع الشريعة الواحدة ومجتمع الجهاد من أجل أن يحكم هذه الأرض حكم الواحد القهار.
إن في الحج درسًا عظيمًا أيها المسلمون.. فهو وحدة تطبيقية لجميع أفراد المجتمعات المسلمة.. ودرس عملي على خوض الصعاب واختراق الوعر من الأمور.. وتربية روحية تؤهل المسلم لامتلاك القدرة على الاستجابة السريعة لكل نداء إلهي ودعوة ربانية.
إن مناسبة الحج العظيمة- أيها المسلمون حكومات وشعوبًا- فرصة عظيمة لإدراك معاني الإسلام المترابطة.. هذه المعاني التي نتمنى أن تتحقق في صورة جهادية، لا ينفك فيها جهاد النفس وتربيتها عن جهاد العدو ومعالجته، وذلك من خلال منظور إسلامي شرعي يدفع بالمسلمين إلى وضع أنصبة الأمور في أماكنها، وإلى الاحتكام لشرع الله سبحانه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون هذه الحياة.
إن الحج- أيها المسلمون- آية عظيمة من آيات الله لأنه درس في العبادة ودرس في الجهاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل