; لبيك سورية | مجلة المجتمع

العنوان لبيك سورية

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1982

نشر في الصفحة 24

الجمعة 30-ديسمبر-2011

لو كان رسول الله ﷺ حياً بين ظهرانينا ماذا كان سيفعل إزاء ما يحدث لأهلنا في سورية؟ سؤال طالما دار في خلدي يعاودني كلما سمعت خبرا أو شاهدت مشهدا يرتبط بأهلنا في سورية الإسلامية العربية الغالية بلد العلماء والمجاهدين. 

سأترك لك – عزيزي القارئ – الإجابة عن هذا السؤال من خلال هذا الموقف الذي سأقصه عليك الآن.. هل تعلم - عزيزي القارئ – سبب غزوة مؤتة؟ في أرض الشام المباركة وقعت حادثة، كانت هي سبب هذه الغزوة المباركة.. فما هذه؟

في أرض الشام قتل الحارث بين عمير رضي اللة ، رجل واحد من رجال المسلمين قتل بالشام على يد شرحبيل بن عمرو الغساني النصراني الموالي للدولة البيزنطية – القطب العالمي الأوحد آنذاك – فما كان من رسول الله ﷺله إلا أن جهز جيش مؤتة ثلاثة آلاف مقاتل، سيرها رسول الله ﷺ، ليأخذ بثأر مسلم واحد قتل، وليعيد للأمة كرامتها التي انتهكت بقتل رجل من رجالاتها.

أول لحظة تبادر إلي هذا السؤال  كان رد فعلالبعض ما شاهدته من قمع وقتل وتعذيب يحدث للأحرار والأشراف من أهلنا في سورية، وكذلك ما يحدث للمقدسات ومواطن ذكريات رسولنا الكريم وصحبه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، لقد قتلوا الشيوخ والشباب والرجال والنساء والفتيات والأطفال!

جرائم تجاوزت جريمة فرعون

إن القرآن الكريم روى لنا أن فرعون كان يقتل الأبناء ويستحيي النساء، لكن النظام السوري لمـ يدع طفلا أو شيخا ولا رجلا أو امرأة، قال تعالى يروي جريمة فرعون: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4).

مشاهد من جرائم النظام السوري: 

لقد شاهدنا كيف يهدمون المساجد والآثار التاريخية، فما هدم منارة عثمان منا ببعيد، إذ رأينا الحاقدين يتفننون في قصفها ، وفعلهم هذا لم نشاهده من اليهود مع مساجد المسلمين! 

وشاهدت الدنيا بأسرها جنود الطاغية ينحرون المسلمين بالسكين كما تنحر الشاة، لا أقول يقتلونهم فقط، ولكنني أعني ما أقول من مصطلح النحر، فقد  الواحد من الشبيحة يقطع جزءا من الوريد، ثم يترك الضحية تنزف حتى الموت وحتى الأطفال لم يسلموا من بطشهم، فلا يزال مشهد طفلة اللاذقية علا الجباوي» أمام عيني لا يفارقني برغم مرور الأيام واليالي بعد أن رموها بالرصاص في عينها ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8 - 9).

وهذه حمص وحماة وإدلب، وسائر مدن سورية وقراها يرتقي الشهداء الأطفال فيها على يد المجرمين الذين نزعت من قلوبهم الرحمة وهاجت ثعابين الحقد في قلوبهم، فنفثت سمومها، ولم يكتف هذا النظام الغاشم بما فعل سلفه في حماة، يوم أن قتل من أهلها ما يربو على ثلاثين ألف مسلم، يوم أن حاصر «حافظ الأسد » المجرم - لنعه الله – أهلها بالدبابات والطائرات والمدرعات منذ تسعة وعشرين عاماً، حيث كان ذلك في فبراير عام ۱۹۸۲م، هل سمعت – أيها القارئ الكريم – بهذا العدد ؟ هل تعلم أن الصهاينة على إجرامهم وحقدهم وفتكهم وجرمهم لم يصلوا إلى هذا العدد في قتلهم لأهلنا في فلسطين منذ احتلالهم لها ؟!

مكانة سورية عند النبي ﷺ: 

في حديث صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ ولفظه في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا ، قالوا : يا رسول الله، وفي نجدنا؟ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا»، قالوا : يارسول الله، وفي نجد ؟ قال الراوي: فأظنه قال في الثالثة: «هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» (رواه البخاري وفي مسلم طرف منه).

والحديث فيه دلالة على فضل الشام - وسورية جزء من الشام – واليمن، ويؤكد حب النبي ﷺ لهما، ودعاءه لهما بالبركة، وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وفي الحديث تأكيد لفضل الأرض وساكنيها، وخاصة في آخر الزمان، حتى تكثر الفتن.

وعن ابن حوالة رواه عن رسول الله ﷺ قال: سيصير الأمر أن تكونوا جنوداً مجندة جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق»: قال ابن حوالة: خر (أي اختر) لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: «عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله .

فبلاد الشام – كما شهد لها رسولنا الصادق المصدوق – مواطن للبركة، لأن النبي ﷺ دعا لها، فأصابت الدعوة أرضها وناسها، فهي أرض مباركة وشعبها شعب مبارك.

قد تضعف هذه البلاد فترة من الزمن، ولكن دعوة رسولنا الكريم لها بالبركة ستظل ملازمة لها، وقد رأينا دورها في الدفاع عن حوزة الدين وإصلاح أحوال المسلمين، والدفاع عنهم. 

يكفي الشام بركة أن رسول الله ﷺ رحل إليها في الإسراء والمعراج بدعوة ربه، وهناك صلى بالأنبياء والمرسلين في بيت المقدس، وتسلم قيادة العالمين. 

وبلاد الشام هذه العظيمة - ومنها سورية – فيها خيرة عباد الله كما شهد بذلك رسول الله ، وستظل عظيمة إلى يوم القيامة، ففي حديث سلمة بن نفيل الكندي قال في آخره: « والشام وعقر دار المؤمنين الشام» (رواه النسائي، وحققه الألباني وصححه)، وروى السيوطي عن أبي أمامة قوله: «صفوة الله من أرضه الشام، وفيها صفوته من خلقه وعباده، وليدخلن الجنة من أمتي ثلة لا حساب عليهم ولا عذاب » (صححه الألباني).

ومن قوله ﷺ في الشام أيضاً: «الشام أرض المحشر والمنشر أخرجه السيوطي، وصححه الألباني).

وقوله: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة (أخرجه السيوطي وحققه الألباني وصححه).

وفي سورية يقتل الدجال:

وقبل نهاية الدنيا ينزل عيسى عليه السلام شرقي دمشق، ويقتل الدجال هناك في أرض سورية، والشام أرض المحشر والمنشر عليها نبعث وفيها نحاسب.

أواه يا سورية: 

سورية.. ما أعرقك، ما أجملك، ما أعظمك اقرؤوا التاريخ حتى تعلموا قدرها .. من سورية هذه انطلقت جيوش المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أيام الدولة الأموية، لتفتح بلاد العالم حتى صارت الدولة الإسلامية أعظم دولة في التاريخ من الصين إلى فرنسا ، دولة واحدة بقيادة موحدة مسلمة، فمنها انتشر الإسلام، ومنها دافع المسلمون عن بلاد المسلمين ضد الصليبيين في عهد عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، والاشتراك مع مصر التي أوصانا النبي ﷺ بأهلها خيرا، وفي ذلك إشارة وتوجيه للأمة الإسلامية إلى ضرورة دعم أهل هذه البلاد لأن النهوض بها نهوض بالأمة.

بيد أن ما يؤلم كل مسلم محب لدينه أن سورية خرجت من الاحتلال الفرنسي إلى احتلال نصيري !! ربما لا يعلم كثير من المسلمين عقيدة من يحكم سورية، إنهم طائفة «النصيرية»، وهم أقلية في سورية ساعدتهم فرنسا، وأمدتهم

بالسلاح، وتعاونت معهم تعاونا وثيقا طوال فترة حكمهم، وسلمت لهم مقاليد الحكم، وهذه الطائفة (النصيرية تنتسب إلى نصير الدين الطوسي وهو من المبتدعين، حيث ابتدع دينا من الأديان في القرن السادس الهجري، وتبعه في ذلك خلق كثير وتعاون مع «هولاكو» لإسقاط الدولة الإسلامية ووضع عقيدة خاصة به وبأتباعه ؛ فهم يؤلهون علي بن أبي طالب، ويعتقدون أن الإله قد حل فيه، وأن الرعد صوته، وأن البرق سوطه الذي يمسك به في يده، وأنه يسكن السحاب، ولذلك إذا مر السحاب بهم قالوا : «السلام عليك يا أمير المؤمنين»، فهم في الشكل الخارجي يبدون كمسلمين، ولكن عقائدهم مشوشة وفاسدة، ولكي يموهوا على المسلمين حقيقتهم أسموا أنفسهم «العلويين» نسبة إلى علي بن أبي طالب من الله ، وهو من فعالهم براء.

وطائفة «النصيريين» هذه اضطهدت المسلمين وقتلت علماء السنة، ونشرت البدع والمنكرات.

والآن نرى أهلنا في سورية يقمعون من القيادة النصيرية التي تحكم سورية، والرجال والاطفال والشيوخ، ولم تعد الصورة خافية، فما تركت الفضائيات شيئا ولا كاميرات التصوير، كل شيء ينتقل إلى الناس ويرونه، ولكن يبدو أن القوم الظالمين لا يشعرون بما يدور في العالم، وفي ظنهم أنهم قادرون على إخفاء الحقائق عن الناس.

كلمة لأهلنا في سورية:

أقول لأهلنا في سورية: لقد حققتم إنجازات على الأرض، تفخر بها الأمة، لا تظنوا أن الزمن قد طال بكم، وأن يوم التحرير بعيد، أبداً لم يطل الزمن، لكن مخاض ثورتكم يحتاج إلى صبر طويل فطريق المعالي أخطار، وطريق النصر تضحيات نعم.. المخاض مؤلم، ولكن ستتلوه الولادة.. أبشروا لقد قطعتم معظم الطريق، لأنكم انتصرتم على الخوف، وهذا من أهم إنجازات ثورتكم المباركة. 

يا أهلنا في سورية، لقد انتصرتم حتى وإن لم يتنح «بشار»، وبرغم أن النظام لا يزال راسخاً على صدوركم فقد انتصرتم، وجعلتم العبودية لله فأبشروا لأن الله تعالى بشر عباده بالنصر ﴿وعد اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).

لقد حكى لي أحد أصدقائي أنه التقى بشيخ في بلد عربي، فقال له الشيخ: إنه عندما اعتقل سأله زبانية السجن أنعذبك على الطريقة الصهيونية، أم على الطريقة السورية؟ فكانت إجابته دون تردد أستحلفكم بالله على الطريقة الصهيونية؛ لما سمعه عن بشاعة التعذيب على أيدي «النصيريين»، بشاعة لا يتخيلها بشر وسيطرة من الشبيحة وزبانية النظام المجرم.

ثورة سورية العجيبة

أذكر أن زميلا سوريا قابلني عقب نجاح ثورة مصر ضد النظام المستبد البائد الذي خلصنا الله منه، فبارك زميلي السوري لي، وهنأني بنجاح ثورتنا المصرية، فقلت له وكان يصاحبه زميل سوري آخر بارك الله فيك، عقبى لكم، ولم تكن ثورة سورية قد قامت بعد، فكانت المفاجأة أن الزميلين هرولا وغادرا مكانهما بسرعة، وانصرفا ولم يعلق أحدهما ببنت شفة!! 

ولم يكن كثير من السوريين الأعزاء بأفضل حال من زميلي هذين، لأن النظام المجرم كان بشعا، ونشر الجاسوسية، لدرجة أن أكثر الناس كان يخشى أن يتحدث بكلمة فتنقل إلى النظام فيُعذب عذابا أليما، فربما خشي الرجل زوجته وخاف الأخ من أخيه!!

أجل، لم تكن المعطيات الموجودة على الأرض وفي واقع حياة السوريين لتنبئ أبداً بقيام ثورة سورية، فلما قامت هذه الثورة المباركة قلت: سبحان الله، إنها من صنع ربي. 

يا أهل سورية، قلوبنا معكم، ودعاؤنا لكم أن ينزل الله عليكم رحماته وبركاته ونصره، وأن يمكن لكم في الأرض، وأن يرينا فيكم دعاء رسول الله ﷺ لكم: «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا، اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا . 

يا أهل سورية العظام، أحفاد سليمان الحلبي وعز الدين القسام، وغيرهما من الأبطال، ها هو ذا النظام يتهاوى أمامكم، لا تظنوه قويا، لقد كشفتم ضعفه الذي حاول أن يخفيه كذباً، لقد أوهم النظام السوري بخطب جوفاء أن سورية هي درع الصمود ، وقلعة المقاومة !! فقل لي بربك أيها النظام: ماذا فلعت عندما ضرب جنوب دمشق عام ٢٠٠٣م بالطيران الصهيوني ؟! وماذا صنعت عندما ضربك الطيران الصهيوني عام ٢٠٠٧م في موقع قيل: إنه موقع نووي؟! وفي كل مرة كنتم تقولون لنا سنرد في الوقت المناسب ولم يحن الوقت المناسب إلى الآن.. لقد أشبع هذا النظام العالم بخطبه النارية وما أيسرها وأسهلها .. قولوا لنا يا من تكذبون ليل نهار، وتنكرون الحقائق ماذا صنعتم للجولان المحتل منذ عام ١٩٦٧م ؟!

لقد ادخر النظام النصيري كل قوته ليضرب بها أهل البلد .. فجزاكم الله خيرا يا أهل سورية، لقدكشفتم زيف الزائفين، وكذب الكذابين، فأبشروا يا أهل سورية، واستمروا في ثورتكم وارفعوا راياتكم وأعلنوها واضحة أنكم توجهتم لله، وما قمتم إلا لله عز وجل والله معكم ولن يتركم أعمالكم». 

كلمة للأمة: 

يا أمة القرآن، يا أمة الإسلام، يا عرب لا تجعلوا قضية سورية تموت في حياتكم أحيوها في قلوبكم، وفي بيوتكم، وفي قلوب زوجاتكم وأولادكم، وأصدقائكم، ودوائر عملكم ومنتدياتكم.. اجعلوها في بؤرة اهتماماتكم ودافعوا عنها بأقلامكم، وذودوا عنها في صفحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي أحاديثكم، حتى تحدثوا ثورة شعبية لرد الظلم عن المقهورين.. لقد حال النظام السوري بين شعبه والطعام والماء والكهرباء وكل سبل العيش الكريم، بل استفز زبانية النظام الصائمين وكانوا يفطرون أمامهم في شهر رمضان.. أيها الشعوب العربية، أسألوا عن أهلكم في سورية وعن قضايا الشعوب المصيرية بدلا من أن تشغلوا أنفسكم بسؤال المرشحين المحتملين للرئاسة، أسئلة تافهة عن موقفهم من الفن والعري والخمر.. ﴿وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38).

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

133

الثلاثاء 23-يونيو-1970

شبَابنا المسْلم في تركيَا

نشر في العدد 1178

82

الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

حرية الأحرار وضوابطها