العنوان لعبة المؤتمرات
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1978
مشاهدات 121
نشر في العدد 400
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 20-يونيو-1978
لعبة المؤتمرات
بقلم: محمد عبد الله السمان
لا جدال في أن المؤتمرات التي تعقد سواء أعلى المستوى العربي أم على المستوى الإسلامي، وسواء في مجال السياسة الإسلامية أم في مجال الفكر الإسلامي، ليست إلا لعبة يتسلى بها الزعماء العرب والمسلمون، وتتلهى بها الشعوب العربية والمسلمة ويشغل بها الرأي العام العربي أو الإسلامي، ولا سيما الرأي العام في الدولة المضيفة في أزماتها.. وبالرغم من أن المؤتمرات التي عقدت خلال ثلاثين عامًا مضت أي منذ كارثة فلسطين عام 1948م حتى اليوم، أصبحت تفوق الحصر، ومع ذلك فإن كل نتائجها صفر إلى جانبه بضعة أصفار، أولًا لأنه لم يكن لدى الزعماء نيات خالصة أو عزائم صادقة لتحقيق نتيجة ما، وثانيًا لأن الأنظمة التي تحكم الشعوب العربية أو الإسلامية أو تتحكم فيها بمعنى أدق، سواء منها ما كان نظامًا مدنيًا أو أتوقراطيًا، أم نظامًا عسكريًا ديكتاتوريًا أو فاشيًا هذه الأنظمة لا تزال تدور في فلك التبعية المهينة إما للغرب الصليبي وإما للشرق الإلحادي، وهذه التبعية المهينة تفرض على الأنظمة الحاكمة أو المتحكمة أن تجعل من المؤتمرات استهلاكًا هزيلًا مضحكًا مثيرًا للسخرية ودعك من وسائل الإعلام العربي أو الإعلام في الدول المسلمة حين يسرح الإعلام ويمرح في الدعاية لمثل هذه المؤتمرات التي تتراءى للشعوب المغلوبة على أمرها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاء لم يجده شيئًا.. أجل دعك من وسائل الإعلام في العالمين العربي والإسلامي، لأنها موظفة لدى الدول، تقتصر وظيفتها على القيام بدور القوادة السياسية للأنظمة وزعمائها والمبرزين من أشياعها أو عملائها.
كم مؤتمرات عقدت من أجل مأساة فلسطين على مستوى القمة العربية أو القمة الإسلامية؟ ومع ذلك فما زالت كارثة فلسطين تنضح بالخزي والعار لا على جبين القادة والساسة والزعماء، فحسب، بل أيضًا على جبين الشعوب العربية والمسلمة التي آثرت الاستكانة والسلبية، والتي فرطت في جنب الله فأصبحت كالقواعد من النساء.. ما زالت إسرائيل تتحدى في وقاحة، تتحدى مئة وعشرين مليونًا من العرب أو زهاء ألف مليون من المسلمين، وما زلنا نحن العرب والمسلمين على كثرتنا الساحقة نرد على تحديها السافر الوقح بالمؤتمرات الوهمية، والشعارات المهلهلة، والتصريحات الغوغائية..
عقد أول مؤتمر للصهيونية العالمية عام 1897م في مدينة بال بسويسرا، فخطط لخمسين عامًا قادمة بشأن دولة إسرائيل المنتظرة، وقال هرتزل رئيس المؤتمر للصحفيين: - في هذا المؤتمر استطعنا أن نجسد أهدافنا في عزيمتنا ولئن قلت لكم إن دولة إسرائيل سوف تقوم بعد خمسة أعوام فإني أكذب عليكم، ولكن أستطيع أن أؤكد لكم أنه بعد خمسين عامًا سوف يكون لليهود دولة.
وقد حدث.. لأن تجسيد الإرادة في الأهداف، أو تجسيد الأهداف في الإرادة وإخلاص النيات، وصدق العزائم.. صنع الخوارق، وجعل من المستحيل ممكنًا، وما هو أعجب من ذلك، أن المؤتمر الصهيوني الأول هذا، لم يصدر قرارات أو توصيات تؤدي إلى المتاهات ولم يرفع لافتات أو شعارات تؤدي إلى الاستهلاك والاسترخاء، بل وضع خطة عمل، وحدد لخطة العمل مبادئ لتنفيذها، كان المؤتمر بمثابة دراسة متعمقة أداتها العقل والفكر وبعد النظر ولم تكن أداتها الحناجر ورفع الشعارات والتشبث بالأوهام، كما حدث وكما يحدث حتى اليوم في سائر مؤتمراتنا.. وما هو أدهى وأمر أن اليهود لم يضيعوا لحظة من الوقت بدون عمل ولم يتركوا فرصة سنحت لهم إلا استغلوها، ففي أوائل هذا القرن بعد أربع سنوات من المؤتمر كان في سيناء لجنة من الخبراء اليهود والعلماء، تبحث إمكانية احتلال سيناء بعد أن تصبح لهم دولة في فلسطين.
لندع المؤتمرات السياسية جانبًا، فإنها أهون لدينا من أن نضيع بشأنها دقائق من الزمن، أو نستهلك نقاطًا من المواد، لقد كتب علينا أن تحتملها أعصابنا المرهقة المكدودة، مسيرة لا مخيرة، كارهة لا مقتنعة، مجبرة لا راضية، ولو كنا نملك من الأمر شيئًا لحثونا التراب في وجوه دعاتها، ولرمينا أفواه خطبائها بحجارة من سجيل، ولجعلنا من قراراتها وتوصياتها الاستهلاكية مثار سخرية منا، ومجرد دعايات نتفكه بها.
أجل: لندع المؤتمرات السياسية العربية والإسلامية وشأنها، وتعالوا بنا إلى المؤتمرات الاستهلاكية أيضًا، والتي تعقد باسم الإسلام، زاعمة أنها تعقد للإسلام، وقد أصبحت الذاكرة لا تعي أسماءها لكثرتها: مؤتمر الدعوة والدعاة، مؤتمر الفقه الإسلامي، مؤتمر السيرة النبوية، مؤتمر التراث الإسلامي، مؤتمر الفكر الإسلامي، مؤتمر التربية الإسلامية.. وهذا جزء مما تعيه الذاكرة وما لا تعيه أعظم، وبخاصة مؤتمر علماء المسلمين الذي يعقد بالقاهرة كل حين، ويدعو إليه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.. ولا داعي لأن نتساءل: ما حصيلة هذه المؤتمرات التي تفوق الحصر؟ لأن هذه المؤتمرات لا حصيلة لها على الإطلاق، وإذا نحن افترضنا جدلًا أن لها حصيلة فإن هذه الحصيلة مجرد كلام في كلام توصياتها وقراراتها ليست ملزمة، إذن فلا محل لها من الإعراب كما يقول النحاة، ما من مؤتمر من هذه المؤتمرات العديدة إلا يقرر تطبيق الشريعة الإسلامية، ويوصي بالعمل على التنفيذ والعجيب أنه لم يحدث أن استجابت دولة مسلمة واحدة، وليست هناك أيضًا دولة مسلمة واحدة مستعدة للاستماع للتوصيات فضلًا عن العمل على التنفيذ ومع ذلك فالمؤتمرات مصرة في كل دورات انعقادها على إصدار التوصيات والقرارات ولم تحاول هذه المؤتمرات أن تفقه ولو مرة واحدة: أنها هي ومن يحرثون في البحر سواء، فهذه المؤتمرات أولًا، مؤتمرات شبه رسمية شكلًا، ورسمية موضوعًا، والأعضاء المدعوون إليها ممثلون لدولهم، وملتزمون بسياستها، وانعقاد المؤتمر في دولة ما لا بد أن تنعكس سياسة هذه الدولة على سير المؤتمر وهذا ثالثًا إذن فليس هناك إرادة مستقلة لا للداعين ولا للمدعوين، ومع ذلك، فلا مانع من أن تصدر القرارات والتوصيات مفعمة بالانفعالات والتشنجات، والاحتجاجات والاستنكارات، ما دامت حبرًا على الورق أو فقاقيع في الهواء، أو نقرات على طبل أجوف.
في المؤتمر الأول لعلماء المسلمين بالقاهرة عام 1964م والذي دعا إليه مجمع البحوث الإسلامية، أغفل المؤتمر وتجاهل بعض الشخصيات الإسلامية، وعلى سبيل المثال العلامة أبو الحسن الندوي من الهند والشيخ علي الطنطاوي من سوريا لأن سياسة القاهرة كانت غاضبة على كليهما، ولم يدع بالطبع العلامة أبو الأعلى المودودي، الذي كان رهين السجن محكومًا عليه بالإعدام، وأذكر أنني تحدثت مع أحد الأعضاء، وكان وزيرًا للأوقاف بإحدى الدول العربية بشأن إثارة موضوع أبي الأعلى المودودي، فالمؤتمر مؤتمر علماء المسلمين، وهو أحق بالدفاع عن عالم من أبرز علماء المسلمين، واعتذر الشيخ بحجة أن إثارة مسألة المودودي فيها إحراج لعلماء الباكستان.. وهي حجة واهية، لأننا لا نطلب من علماء الباكستان أن يثيروا مسألة المودودي وإن كان هذا واجبًا عليهم، والحقيقة المرة أن اعتذار الشيخ الذي تحدثت معه عدم إحراجه هو نفسه، فقد كان على علم بأن الدفاع عن المودودي يثير غضب السلطات المصرية التي أقلقها فكر المودودي، حتى لقد أصدرت قرارًا بمنع دخول مؤلفاته ومؤلفات الندوي إلى البلاد المصرية.
إن هذه المؤتمرات التي تعقد باسم الإسلام، ليست للاستهلاك فحسب، بل هي أيضًا وجبة شهية من الدعاية للدولة الداعية إلى عقد المؤتمر، والدليل على ذلك أن بعض الدول التي تضطهد الإسلام سافرة أو محجبة، وتضيق على مساره الحصار تحرص على نصيبها من عقد المؤتمرات الإسلامية لتواري سوءتها، وهي لا تدري أنها تلتحف بثوب الرباء الذي يشف عما تحته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل