العنوان لغز تفجيرات سيناء...!
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1623
نشر في الصفحة 28
السبت 16-أكتوبر-2004
التفجيرات تفتح ملفات كامب ديفيد والقيود المفروضة على التواجد العسكري المصري في سيناء
المصريون يشيرون بأصابع الاتهام للموساد وكراهية شديدة للصهاينة في سيناء
تطبيع رسمي: ٣٠٠ ألف سائح صهيوني في مصر سنويًّا!!
التفجيرات الثلاثة التي وقعت في طابا وسيناء مساء ٧ أكتوبر ٢٠٠٤ تحولت إلى لغز حقيقي ربما تمضي أشهر قبل فك طلاسمه على الرغم من اعتقال السلطات المصرية مشبوهين والتحقيق معهم.. فمع أن أصابع الاتهام تشير إلى احتمال تورط تنظيم القاعدة لكن حسابات المنطق والسياسة تشير إلى أن أصحاب المصلحة الأساسيين من التفجيرات هم الصهاينة وحكومة شارون لأنهم سيضمنون بذلك حصار مصر في أوضاع داخلية وعدم تدخلها في قضية فلسطين، ويصورون أنفسهم ضحية للإرهاب مثل أمريكا ويبررون ما يقومون به من مجازر!
وقد صدرت تصريحات رسمية وأخرى شبه رسمية من مسؤولين سابقين وخبراء سياسيين مصريين تشير ضمنًا لاحتمال تورط جهات أخرى مثل الموساد الصهيوني وعدم اتهام القاعدة، أبرزها قول المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية ماجد عبد الفتاح: إن إسرائيل تسرعت في الحكم عندما انحت باللائمة على تنظيم القاعدة فيما يتعلق بالتفجيرات الثلاثة!
ووسط هذه المحاولات لفك طلاسم هذا اللغز، تلقي هذه التفجيرات على مستقبل العلاقات المصرية الصهيونية، وعلى الاستقرار في المنطقة العربية، وعلى الإصلاحات الداخلية المصرية بصور ضبابية.
وقد بدأت تظهر على الجانب المصري آراء تقول أن القيود التي كبلت بها معاهدة السلام المصرية- الصهيونية، ومعاهدة طابا مصر تحتاج المزيد من المراجعة الآن بسبب تقييد الوجود الأمني المصري في هذه المنطقة وقصره على الشرطة المحلية لا قوات حرس الحدود، كما ظهرت تخوفات أيضًا من أن يكون بيان أيمن الظواهري نائب بن لادن الذي أذاعته قناة الجزيرة التلفزيونية الفضائية في ٢٠٠٤/١٠/١، والذي دعا فيه إلى تشكيل قيادة المقاومة الحملة الصليبية مقدمة لاستهداف أهداف صهيونية في المنطقة منها مصر بحكم التطبيع والوجود الصهيوني بها.
وتتيح المعاهدة المصرية- الصهيونية واتفاقية طابا للسياح اليهود الدخول إلى المنطقة حتى حدود شرم الشيخ دون الحاجة إلى تأشيرة دخول أو حتى جواز سفر، كما تمنح الاتفاقية الصهاينة الحق في الإقامة لمدة ١٥ يومًا دون الحاجة إلى تأشيرة دخول ووارد أن يكون الجناة مروا من هناك باعتبارهم سائحين.
ويرتبط بهذا الملف، ملف آخر هو الجرائم الصهيونية التي يرتكبها هؤلاء السياح أو تجار المخدرات والسلاح والرقيق الصهاينة في سيناء والتي دفعت نوايًا في البرلمان المصري لتقديم عدة استجوابات لوزراء مصريين واحتمالات تورط هؤلاء «بالتعاون مع تجار السلاح» في سيناء في توريد متفجرات لمنفذي التفجيرات في ضوء جزم سلطات الأمن المصرية أن المتفجرات لا يمكن أن تكون دخلت من المنافذ المصرية جيدة الحراسة.
وقد رصدت صحف ووكالات أنباء حجم الكراهية التي يكنها المصريون للصهاينة خلال عمليات إخلاء مبنى فندق طابا: حيث أكد عمال الإنقاذ المصريون والعاملون على خدمة السياح الصهاينة أنهم مضطرون لهذا، لكن مشاعر العداء كامنة في القلوب وذلك على حد قول أحد العمال المصريين لوكالة رويتر: حتى لو وقعنا مئة معاهدة سلام سيبقى ما في القلب في القلب!؟
أيضًا من المنتظر فتح ملفات أخرى بشأن الوجود الصهيوني السياحي المكلف في سيناء، وقول وزارة السياحة الصهيونية -في إحصائية نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت-: إن السياحة من «إسرائيل» لسيناء سجلت رقمًا قياسيًا خلال شهر أغسطس الماضي حيث أجتاز ٨٩ ألفًا من الإسرائيليين الحدود للاستجمام بسيناء، إضافة إلى تأكيد وزير السياحة المصري رسميًا أنه يتوافد على سيناء سنويًا ٣٠٠ ألف سائح «إسرائيلي» يشكلون غالبية سائحي المنطقة وقد يؤثر انسحاب هذه السياحة من مصر -كما قال- على الاقتصاد القومي المصري الذي أصبح يعتمد على موارد السياحة التي تدر سنويًا قرابة أربعة مليارات دولار!.
صحيح أن الوزير عاد للقول إنه إذا خسرت مصر هذه السياحة الإسرائيلية فلن يؤثر ذلك سوى على ٢% من دخل مصر من السياحة العالمية، ولكن الكشف عن هذا الحجم الضخم من التطبيع الرسمي صدم الرأي العام العربي.
المصلحة الصهيونية واضحة!
ومحور فك أي لغز أو جريمة هو البحث عن صاحب المصلحة الحقيقي من التفجيرات.. ولهذا قال غالبية الخبراء والسياسيين والمثقفين المصريين إن التفجيرات من صنع المخابرات الصهيونية على اعتبار أنها «أولًا» صاحبة باع في هذه العمليات.. القذرة، و «ثانيًا» أن هناك سوابق على قيام الصهاينة على مدار تاريخهم بتفجيرات في منشآت أو تجمعات يهودية بهدف تحقيق أهداف سياسية أكبر للدولة الصهيونية.
و«ثالثًا» أن هناك مصلحة صهيونية أكيدة في إبعاد مصر عن الملف الفلسطيني، والتغطية على الجرائم الصهيونية في الأرض المحتلة، وإعطاء الجانب الصهيوني والأمريكي فرصة للضغط على مصر المزيد من التعاون ضد ما يسمى بـ «الإرهاب» فضلًا عن تعقيد الأوضاع السياسية في مصر وإلهاء مصر بأوضاعها الداخلية.
وقد بلغ تمسك المصريين بمسؤولية «إسرائيل» حد خروج عدد كبير من المحللين في مراكز الدراسات المصرية وأشهرها مركز دراسات الأهرام الاستراتيجي بتحليلات تؤكد وتجزم مسؤولية الموساد، وأنها المستفيد الوحيد منه والقول إن إعلانها مسؤولية القاعدة غرضه جعل نفسها ضحية للإرهاب والربط بين تفجيرات طابا وتفجيرات ۱۱ سبتمبر ومن ثم إعطاء نفسها رخصة القتل وتبرير عدوانها على الفلسطينيين والعرب.
بل إن البعض قال إن هناك مصلحة للموساد في جر وإقناع مصر -عقب هذه التفجيرات- نحو مزيد من وضع البيض «المقاومة والإرهاب» في سلة واحدة والتشدد مع الفصائل الفلسطينية للوصول إلى حل لوقف المقاومة والانتفاضة طالما أن آثار الصراع تنعكس سلبًا بهذه الكيفية على مصر.
هل غيرت القاعدة تكتيكاتها؟
لكن من ناحية أخرى فإن البيانات الثلاثة التي صدرت عما يسمى بـ «الجماعة الإسلامية العالمية» وكتائب التوحيد الإسلامية وكتائب عبد الله عزام في توقيت واحد تتبنى الهجوم لفتت الأنظار، ليس لكون هذه التنظيمات متعاطفة أو لها علاقة بالقاعدة، ولكن لأن بعضها تحدث عن بعض تفصيلات الهجوم وعدد المشاركين فيه، وفي نهاية الأمر، قدمت البيانات مؤشرًا على إمكانية ضلوع تنظيم القاعدة أو متعاطفين فكريًا معه في الحادث.
ولا شك أن المعلومات التي تسربت عن مصادر مصرية ونشرت في صحيفة الأهرام الرسمية وعلى بعض مواقع الإنترنت بشأن الاشتباه في عناصر تعتنق فكر القاعدة والتحقيق مع ١٥ مشتبها بهم، واعتقال ما لا يقل عن ٦٠ شخصًا غالبيتهم من البدو سكان سيناء للاشتباه في تورطهم في العمليات أو مد المنفذين بالمتفجرات قدمت بدورها مؤشرات على سير التحقيقات باتجاه اتهام عناصر قريبة من القاعدة.
وإذا ما ثبت صحة هذه المعلومات فإن الهجمات دمرت الجزء الغربي من فندق هيلتون طابا الذي هو على مرمى حجر من حدود مصر مع فلسطين المحتلة «۲۰۰ متر فقط» ستمثل أقرب نقطة تصل إليها القاعدة لضرب الكيان الصهيوني وربما تكون تمهيدًا لضربات أخرى قادمة.
ملفات التطبيع مرشحة للفتح
الحادث فتح ملفات التطبيع بين مصر والكيان الصهيوني خصوصًا الوضع الأمني في سيناء فاتفاقية السلام أعطت مزايا عديدة للصهاينة من الناحية الأمنية لم توفرها للمصريين. وبالمقابل كبلت يد مصر في الكثير من النقاط خصوصًا الجانب الأمني وعدد قوات الأمن في سيناء ومن ثم باقي الخدمات الأمنية، وعندما وقع الانفجار كان من الطبيعي أن تسمح مصر بدخول قوات ومعدات إغاثة صهيونية للموقع لأنه لا توجد خدمات أمنية وإغاثية كبيرة هناك، وليس هناك وجود القوات حرس الحدود أو المعدات الثقيلة، ومن الطبيعي أن تطالب مصر بمعالجة هذا القصور في الاتفاق.
ولكن اللافت هنا أن الاتفاق المصري الصهيوني بخصوص شريط الحدود «بوابة صلاح الدين» أو ما يسميه الصهاينة محور فيلادلفيا حرص فيه الصهاينة على أن يكون اتفاقًا خاصًا، أما عن حالة منفذ طابا فيحرسه جنود شرطة مصريون فقط رغم كثرة الشكاوى من أن هذا المنفذ بؤرة لتهريب المخدرات والرقيق وغيره.
وقد طالبت صحف المعارضة المصرية مرات عديدة بوقف السياحة الوافدة من الكيان الصهيوني إلى مصر، كما طالب بعض أعضاء مجلس الشعب «البرلمان» وزارة الخارجية المصرية يوقف منح تأشيرات من السفارة المصرية في الكيان الصهيوني للصهاينة وعدم السماح بدخولهم إلى مصر لأي سبب من الأسباب تفاديًا لأن يكون بينهم عملاء من الموساد أو حاملو مرض من الأمراض الخطيرة غير أن الحكومة المصرية لم تستجب.
ويزيد من عمق الغضب تصاعد الحديث عن جرائم الصهاينة هناك وارتكابهم سلوكيات على الشواطئ تتنافى مع الأخلاق العامة وحملهم أمراضًا خطيرة مثل الإيدز يتعمدون نقلها لشباب مصر وبينهم من يحاول استدراج مصريين لزيارة الكيان الصهيوني والزواج من يهوديات.
وتعد منطقة طابا- نويبع من أبرز مناطق جذب السياح الصهاينة، حيث لا يملك الكيان الصهيوني سوى شريط ساحلي ضيق على البحر الأحمر في منطقة أم الرشراش المصرية التي احتلها الصهاينة عام ١٩٥٦ وأقاموا عليها ميناء إيلات منفذها الوحيد على البحر الأحمر، لكن هذا الشريط لا يصلح الإقامة منتجعات سياحية بسبب وعورة تضاريسه الصخرية، وعلى العكس من ذلك تتمتع منطقة طابا، بموقع نموذج حيث تحيطها الجبال من مختلف الجهات مما يشكل حماية طبيعية من التيارات الهوائية فضلًا عن تضاريسها المنبسطة التي تصلح لإقامة المنشآت السياحية والممارسة السباحة والغطس، وهي تعد منتجعًا بحريًا سياحيًا مميزًا على الساحل الغربي لخليج العقبة من ناحية الجنوب وهي ضمن حدود دولة مصر. وقد كانت محط نزاع بين مصر والكيان الصهيوني حول الملكية. وأصدرت المحكمة الدولية حكمها بملكية مصر لهذه المنطقة الحيوية التي تبلغ مساحتها كيلو متر مربع بعد أن استمرت المحكمة عشر سنوات قدمت مصر خلالها الوثائق التاريخية ومن ضمنها الخرائط الحدودية في عهد الحكم العثماني والانتداب البريطاني، وبعد هذا الحكم الصادر عن المحكمة الدولية استلمت مصر منطقة طابا.
وطابا مدينة حدودية تغلف الجبال منتجعاتها السياحية وشريطها الساحلي هو الأكثر جمالًا على مستوى شبه الجزيرة ويتكون من عدد من الخلجان والبحيرات ومضيق وجزيرة، ومن طابا يمكن أن تأخذ قاربًا إلى جزيرة الفراعنة المتوجة بحصن تاريخي وأجمل مناظر هذه الجزيرة هو حصن صلاح الدين الذي رمم من قبل هيئة الآثار المصرية.
أيضًا طابا تعد أقرب نقاط الحدود المصرية إلى فلسطين المحتلة حيث يمكن بالعين المجردة مشاهدة الجهة المقابلة، كما أنها الأرخص مقارنة بدخول مرتفعة نسبيًا، والأكثر أمنًا لهم على مدار الـ ٢٥ عامًا الماضية.
نقطة تهريب نشطة
ومن ناحية أخرى، فإن منطقة طابا شكلت في الفترة الأخيرة نقطة تهريب نشطة استغلها البدو من سكان المنطقة بالتنسيق مع شبكات صهيونية لتهريب نساء من أوروبا الشرقية، للعمل ضمن تجارة الرقيق الأبيض النشطة في الكيان الصهيوني، فضلًا عن شبكات تهريب المخدرات التي تعمل بالمنطقة منذ فترة طويلة. أيضًا ستكون التفجيرات فرصة لفتح ملفات تتعلق بالسماح بتغيير جنود الأمن المصريين على الحدود بقوات عسكرية من حرس الحدود لديها قدرة أفضل على حماية الحدود ومنع التهريب والأهم توفير حراسة وتأمين أفضل للمنشآت والسياح في سيناء.
النتائج المترتبة على تفجيرات طابا وسيناء ستكون بالتالي مهمة وكبيرة، وربما تفتح الباب أمام تغييرات في التعامل المصري مع الملف الصهيوني والفلسطيني، أو تدفع باتجاه طلب تعديلات على اتفاقية كامب ديفيد، والأهم أنها أدخلت مصر دائرة الصراع بحيث بات عليها لعب دور أكثر فاعلية الوقف العدوان الصهيوني على فلسطين والتوصل إلى حل سريع يقي مصر تداعيات هذا الصراع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل