; لقاءات المجتمع- مع الدكتور التيجاني عبد الرحمن أبو جديري | مجلة المجتمع

العنوان لقاءات المجتمع- مع الدكتور التيجاني عبد الرحمن أبو جديري

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

مشاهدات 73

نشر في العدد 329

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

الدكتور التيجاني عبد الرحمن أبو جديري أحد أركان العمل الإسلامي النشط في أمريكا الشمالية فهو من القيادات المتفرغة للعمل الإسلامي في اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا.

 زار الكويت زيارة خاطفة أجرينا أثناءها هذا اللقاء معه إذ دار بينه وبين -المجتمع- حوار جاد حول قضايا فكرية وعملية ذات أهمية قصوى في منهج العمل الإسلامي وحركته، حاضره الراهن وآفاقه المقبلة.

  • دكتور التيجاني

-نود في البداية- لو سمحت -أن نطرح سؤالًا تحسبه جوهريًا وهو: لو عهد إليك -فرداً أو مع فريق- بالتخطيط للعمل الإسلامي فبأي الأعمال كنت ستبدأ؟، وكيف ترتب الواجبات والإمكانات في سلم الأسبقيات؟

أحسبك تعني التخطيط للعمل الإسلامي في مستويين: المدى البعيد، والعمق الأكثر أصالة الأسلم مسيرة، ذلك أن العمل الإسلامي بمعناه الدارج قائم فعلًا ويراد بالتخطيط في سؤالك -وهذا توكيد وتوضيح للمعنى ذاته ـ الانتقال إلى مرحلة متقدمة تدرج في حسابها مجموعة حقائق ووقائع، كارتقاء الوعي العام -نتيجة لارتفاع نسبة التعليم- وتقدم نظم الإدارة.

والدعوة العالمية لإعادة النظر في النظام الدولي، وعلاقات إنتاجه، والعقم الفكري رغم التقدم في العلوم الطبيعية -الذي يسود الشمال والجنوب، أو الدول الغنية والفقيرة-. وكالانتعاشة الإسلامية الجديدة في العالم الإسلامي، وتزايد الكفاءات المتخصصة –في شتى المجالات- في صفوف العاملين للإسلام، وكضرورة ارتياد آفاق جديدة في العلوم الإنسانية – يستكمل بها العمل الإسلامي شروط النجاح، ومن هنا فإنه يمكن تلخيص الجواب في الفقرات التالية:

بمقياس الرصد النفسي والفكري لحركة المد والجزر في العالم الإسلامي -في هذا القرن الهجري أو الميلادي- مر هذا العالم بثلاث مراحل ليس من الصعب تحديدها أو تصورها.

  • المرحلة الأولى: التنبيه العام إلى مزايا الإسلام ومحاسنه في معرض الرد على الهجوم الفكري الاستعماري، المستهزئ بالإسلام وقيمه. 
  • المرحلة الثانية: التعبئة العاطفية وتجميع قطاعات الأمة على شعارات الإسلام ومبادئه العامة في السياسة، والحكم، والاقتصاد، والتعليم.
  • المرحلة الثالثة: مزيج أو خلاصة للمرحلتين المسابقتين فقد قامت جماعات وحركات وتنظيمات عملت ولا تزال تواصل التنبيه العام والتعبئة العاطفية.

عفوًا: هل معنى ذلك أننا لا نزال في المرحلة الثالثة:

  • نعم.. هذا هو الواقع، وإذا كانت هناك استثناءات فهي لم تتبلور بعد حتى تمثل التيار الغالب، والخط الرئيسي على امتداد العالم الإسلامي. 

بعد تلخيص تلك المراحل يأتي سؤال طبيعي، وهو: كيف ننتقل إلى مرحلة جديدة -أدق تخطيطًا وأوضح منهجًا- نستفيد من التجارب السابقة ولا نقف عندها؟

1– في تقديري إن أول خطوة في هذا الطريق هي: وضوح وتحديد المنهج الفكري -ويشمل بطبيعة الحال المنهج السياسي والحركي-، وينبغي أن نتحرر من شعار: -كل شيء واضح-.

إن الإسلام واضح مضيء؛ لأنه نور، لكن المشكلة أن فهم المسلمين غير واضح، فالقصور -من ثم-في الرؤية لا في المرئي، وفي العين لا في النور

 إذن فهي مشكلات مركبة تؤدي في النهاية إلى خلل في المنهج أو إلى فقدان المنهج. 

 عدم الوضوح في فهم الإسلام مضروب في عدم فهم الواقع المعاصر مضروب في اختلال ميزان ترتيب الواجبات.

ولمزيد من التوضيح أقول: إن المقصود بالمنهج هو: -دليل عمل- يصطحبه الإسلاميون في مسيرتهم وينشطون ويراجعون إنجازاتهم في ضوئه.

هذا الدليل ينتظم:

1– البدايات السليمة المبنية على الحقائق الخالية من الأوهام، ذلك أن -نوع- البداية يؤثر في العمل تأثيرًا عميقًا.. أداء ونتيجة.

 مثلًا: كانت بداية التعليم في الوطن العربي غير سليمة سواء في الطريقة التي تعتمد التلقين لا التدريب على حسن التفكير، أو في المجال حيث لم يُخطط للتعليم على أساس احتياجات التنمية فنتج عن ذلك تضخم في دراسات: الحاجة إليها قليلة، وضمور في دراسات: الحاجة إليها كثيرة.

 هذا الاستهلاك غير السليم أوقع الوطن العربي في تخلف يكاد يكون مزمنًا.

وهذا المثل ينطبق على المباني والفنون والجماعات، وغير ذلك.

ب – الأسلوب العلمي المرن الذي يجمع بين الإفادة من الطريقة العلمية في الإدارة وتصريف الأمور.. وبين الاستعداد المرن لتغيير الأسلوب وفق الظروف والبيئات.

ج – تحديد الهدف المرحلي الذي هو -في حد ذاته- خطوة نحو الغاية الكبرى.

 إن تحديد الهدف أمر ضروري؛ لأن البلبلة والاضطراب والتعثر والحيرة والتردد، كل ذلك ناشئ عن -غموض- الهدف أو عن غيابه أصلًا.

٢ – القضية الثانية هي: التنظيم. 

قد ينصرف الذهن -حين يُذكر التنظيم- إلى اللوائح الإدارية العادية، ولا جدال في أن هذا من التنظيم، لكن التنظيم ينبغي أن يكون أشمل من ذلك وأوسع.

هو –في تصوري– تنظيم للجهود من خلال أجهزة تنسيق، -وتنظيم للمال- موارد ومصارف في مؤسسات ثابتة.. وتنظيم للوقت باعتباره مساحة زمنية لإنجاز العمل، وتنظيم للإمكانات بتوزيعها على أوجه العمل توزيعًا يتناسب مع أهمية كل وجه، وتنظيم الكفاءات في مجموعات فنية متخصصة.. وهكذا.

إن التنظيم يزيد فعالية الجهود، والإمكانات القليلة بل يضاعفها كثيرًا بينما تبدد –الفوضى- وتهدر الجهود والإمكانات الضخمة.

3- التخصص العالي:

صحيح أن العمل الإسلامي اليوم يزخر بكفاءات متخصصة متنوعة، إلا أن ضرورة العمل -الأكثر عطاء- تقضي بإيجاد مزيد من هذه الكفاءات. وتقضي في نفس الوقت بمزيد من -التنوع- فيها بحيث تغطي كل الاحتياجات العلوم البحتة، والعلوم الانسانية 

والحاجة إلى التخصص العالي تمليها ظروف الأمة في عمومها، إذ أن العالم الإسلامي لا يزال يعاني من التخلف، ومجاوزة مرحلة التخلف هذه لا تتم إلا فوق جسور من التخصص العلمي، وهي حاجة تمليها واجبات الدعوة إلى الله فإنها واجبات عظيمة ينبغي أن يحملها أصحاب المواهب الفذة والعقليات الكبيرة والنبوغ المدعوم بأعلى درجات المعرفة.

4-التفرغ الكامل:

العمل الإسلامي الجاد لا يؤدي بفضول الأوقات، ودعوة الله لا تخدم بالاهتمام الجانبي أو الهامشي.

 التفرغ الكامل – إذن– من صميم التخطيط للعمل الإسلامي الناجح 

من ناحية تقديرية: فإن من حق الإسلام أن يأخذ المرتبة الأولى في الاهتمام والنشاط.

ومن ناحية عملية: كيف نستطيع أن نلبي حاجات العمل الإسلامي المتزايدة بباقي الوقت أن يجيء الإنسان إلى العمل الإسلامي وهو منهك القوى؟ 

لا بد من إيجاد فريق إسلامي يتفرغ تفرغًا تامًا؛ للاضطلاع بمسئوليات الدعوة.

وهذا الفريق يشترط فيه -إلى جانب الشروط الإسلامية بالطبع- أن يكون من الكفاءات الممتازة القادرة على العمل، ذات الاستعداد النشاط بروح الفريق.

إن التفرغ الكامل يمكن العمل الإسلامي من:

  • التفكير العميق الناضج البناء في كافة الميادين، فينتدب رهط من هذا الفريق للعكوف على الدراسة والتفكير
  • الحركة المنتظمة المطردة؛ لأن الفجوة والانقطاع هما من أسوأ ما مني به العمل الإسلامي.
  • التوسع في مجالات العمل، وهو توسع ضروري؛ لأن الجمود في دائرة محدودة فشل وإفلاس 

غيرنا من أهل المذاهب الأخرى أدرك أهمية التفرغ الكامل، فنرى الشيوعية والكنيسة والصهيونية قد فرّغت أعدادًا هائلة من أفرادها والكنسية والصهيونية؛ للعمل الشيوعي والكنسى والصهيونى.

  • وأنتم في أمريكا هل توصلتم إلى شيء من هذا

.. ثم.. سؤال فرعي وهو: أن تجارب التفرغ عليها ملاحظات ليس من ناحية المتفرغين وإنما من حيث الضمانات، فكيف عُولِج أو كيف يعالج هذا الموضوع؟

نظام التفرغ 

وعلاقات الإنتاج 

فكرنا في شيء وأنجزنا شيئًا 

 بالنسبة للتخطيط والمنهج.. إلخ، فلعلك تلمح -فيما مضى من تصورات- معالم التخطيط وترشيد العمل، ونسأل الله أن يعين على بلورة كل ذلك في صيغة نهائية.

أما الإنجاز فهو مثل أضربه بالنسبة للتفرغ، -وهذا المثل يجيب ضمنًا على سؤالك الفرعي-.

كان العمل الإسلامي في أمريكا الشمالية غير مستقر، والسبب هو عدم التفرغ التام.

 أما الآن فإن العمل هناك أنيط بمجموعة من الإخوة، قد تفرغوا له وأصبح شغلهم الشاغل ذهنيًا وعمليًا تفكيرًا وواقعًا، وهذا من المؤشرات إلى الاتجاه السليم ومن المبشرات بمستقبل أوفر ثمرًا بإذن الله 

بعد الاقتناع اليقيني بضرورة التفرغ تركز التفكير في المجال التنفيذي.

لقد بحثنا الضمانات بتوسع وانتباه، فالفرد الإسلامي- مهما كانت درجة التزامه عظيمة– فهو بشر من البشر له حاجاته ومطالبه ويسعى -كغيره من بني آدم– الى تأمين مستقبله ومستقبل زوجته وأولاده في حدود الاجتهاد البشري الطبيعي، ومن هنا فقد وفرنا لكل متفرغ -الضمانات-المماثلة للضمانات التي يحصل عليها في مرافق أخرى: خاصة أو حكومية لكن.. هل هذا يكفي؟،

 هل يكفي أن -نقلد -الآخرين في ذلك؟

من الواضح أن مسألة -التوظيف- أو التفرغ لها جانب آخر مهم وهو: جانب القيم والمبادئ، أو- باصطلاح فلسفة الاقتصاد -جانب: علاقات الإنتاج 

ويسود العالم اليوم نوعان رئيسيان من علاقات الإنتاج: العلاقات الرأسمالية، والعلاقات الاشتراكية 

ولكن لسنا مع المغالين -ظلمًا– في قيمة العمل ولا مع المهدرين –ظلمًا-قيمة العمل وهذا التميز له علاقاته الإنتاجية المميزة 

ولذلك لا بد من وضع معايير جديدة في هذا الشأن معايير جديدة تتيح لنا تطبيق إسلامنا في نظمنا الخاصة كالتزام مبدئي وكتجربة ممهدة لتجارب أخرى.

وهذا ما حصل فعلًا.

 ففي شروط ومعايير التوظيف أو التفرغ رُوعيت اعتبارات

  • الكفاءة الفنية 
  • والاستقامة 
  • تربية الأولاد بطريقة إسلامية
  • التاريخ الإسلامي للداعية أو المتفرغ –الرجل وسبقه في الإسلام–
  • العطاء والإبداع –الرجل وبلاؤه في الإسلام– هذه القيم والمعايير المتميزة إلى جانب أنها تحقق –العدل– فإن تطبيقها يورثنا –أيضًا-تصورًا واقعيًا للتغيير المرتقب على مستوى الأمة.
  • سؤال أخير: وحدة العاملين للإسلام كيف تتم بالتقرير الدستوري أو بتوحيد التصورات والمفاهيم أو البرامج العملية؟
  • تحقق وحدة العاملين للإسلام بكل ذلك وإن كنت أعطي توحيد التصورات والمفاهيم أهمية تسبق اهمية التقرير الدستوري ذلك أن -الوحدة الفكرية- في الخطوط الأساسية -على الأقل- أصل لا يمكن تجاهله أو تخطيه 

وليس هناك فواصل زمنية أو فكرية بين هذه الدعائم الثلاث لوحدة العاملين للإسلام.

فالتقرير الدستوري لا فائدة فيه إن هو افتقد -الوحدة الفكرية-، فكم من وحدة ظلت نصوصًا في دستور دون أن يكون لها أي وزن في الواقع العملي.

 والتقرير الدستوري والوحدة الفكرية يظلان في الإطار الفكري المجرد حتى تصاغ البرامج العملية التي يشترك في تنفيذها العاملون للإسلام فمن خلال العمل المشترك والنشاط المنسق يستقر المبدأ الدستوري وتتعمق التصورات وتصقل، وتدعم بالمواقف وبالتعاون المالي والعلمي والتنظيمي واللقاءات المستمرة والتشاور، ففي هذا الجو تذوب الإقليميات ويتسع الأفق وتتوزع المسؤوليات والأعباء.

 وهذا الكلام أقوله عن تجربة نعيشها -بحمد الله- نحن الإسلاميين في أمريكا الشمالية.

الرابط المختصر :