العنوان لقاء العلم والإيمان
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1988
مشاهدات 64
نشر في العدد 855
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-فبراير-1988
الدكتور زكي
نجيب محمود من عمالقة الفكر والأدب والفلسفة في العالم العربي، وقد قضى عمره في
الدراسة والبحث والتدريس في الجامعات العربية والأجنبية.
وهو رجل صادق مع
نفسه، فيعترف أنه لم تُتح له الفرصة لدراسة الفكر العربي والإسلامي إلا في المدة
القريبة.
فهو يقول في
مقدمة أحد كتبه: "هو واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فُتحت عيونهم على فكر
أوروبي قديم أو جديد، قد سبقت إلى خواطره ظنون بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا
فكر سواه؛ لأن عيونه لم تُفتح على غيره لتراه، ولبثت هذه الحال مع كاتب هذه
الصفحات أعوامًا بعد أعوام.
الفكر الأوروبي
دراسته وهو طالب، والفكر الأوروبي تدريسه وهو أستاذ، والفكر الأوروبي مسلاته كلما
أراد التسلية في أوقات الفراغ. وكانت أسماء الأعلام والمذاهب في التراث العربي لا
تصله إلا أصداءً مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة، يلمحها وهي طافية على أسطر
الكاتبين."
ثم يستطرد
قائلًا: "استيقظ صاحبنا كاتب هذه الصفحات بعد أن فات أوانه وأوشك، فإذا هو
يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في بعض الأعوام الأخيرة التي قد تزيد عن السبعة أو
الثمانية يزدرد تراث آبائه، ازدراد العجلان، كأنه سائح بمدينة باريس، وليس بين
يديه إلا يومان، ولا بد خلالها أن يريح ضميره بزيارة اللوفر، فراح يعدو من غرفة
إلى غرفة، يلقي بالنظرات العاجلة هنا وهناك، ليكتمل له شيء من الزاد قبل الرحيل
وما يزال يعب صحائف التراث عبًا سريعًا والسؤال ملء سمعه وبصره: كيف السبيل إلى
ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف هي في عصرنا هذا بحيث يندمج فيها المنقول والأصل في
نظرة واحدة؟"
قد لا نلحظ
تحولًا واضحًا في هذا الكتاب في فكر الدكتور زكي نجيب محمود، ولكننا وجميع قرائه
سيلحظون التحول الكبير من سنة 1971، وهي تاريخ كتابة ذلك الكلام، إلى اليوم.
تكون هذه الفترة
قد ازداد فيها المفكر الكبير دراسةً وبحثًا وتأملًا في القرآن وكتب التراث، مما
كان له أثر في ذلك الموقف.
ولهذا جاءت محاضرته التي ألقاها في مساء السبت
1408/5/27 هـ بفندق شيراتون، بدعوة من نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي، معبرة عن
هذا التحول الكبير.
فقد تجلى فيها زكي نجيب محمود العالم والمفكر
والفيلسوف والعبقري، فكان يحمل مشعل الإيمان ومشعل العلم في آن واحد. وهكذا ينبغي
لقادة الفكر في العالم العربي وهم يقودون أمتهم في هذا الظلام الدامس الذي نعيشه.
وهذا ما أكده
مفكرنا الكبير في محاضرته التي كانت بعنوان "دورنا في ثقافة العصر"
عندما قال: "نستطيع أن نقدم ما يفتقده الغربيون الآن، فالغربيون يعيشون في
قلق وتوتر وضيق وضياع لأن الغرب وهو صانع العلم الحديث فشل في أن يقيم لنفسه
اللقاء بين الطرفين، فكان له العلم، لكنه فقد الإنسان، ولا يحتفظ الإنسان
بإنسانيته في غمار العلم والحضارة إلا بالإيمان بالله واليوم الآخر."
وقد ركز الدكتور
في محاضرته على أهمية الارتكاز على جوهر الإسلام وهو التوحيد، وأن يتوحد الفرد
العربي المسلم سلوكًا وعملًا، وأن يكون ظاهره كباطنه، وأن ينعكس هذا المعنى في كل
إبداعاته الفكرية والأدبية، فالإسلام جعل الإيمان مرتبطًا بالعمل الصالح، فيجب أن
ينعكس الإيمان على العمل، ليقرأنا العالم ويحترمنا.
وقد استعرض
مراحل التطور الفكري والثقافي في العالم العربي وأوروبا إلى القرن العشرين، الذي
أمامه سؤال كبير لا زالت الإجابات عليه تتوالى، هذا السؤال يقول:
أثابت هو أم
متغير؟ أنريد الحياة أن تسكن أم نريد لها أن تتغير وتتطور؟ إننا نعيش عصر التغيير
الدائم لكل موجودات الحياة، فلا شيء يثبت، ولكن كل شيء يتغير ويتحرك ويسير نحو
مصير محدد، وعلى العقلية العربية في إطار هذا التغيير أن تتحصن بالإسلام والفكر
الإسلامي.
إن دور المثقف
العربي هو أن يظل عربيًا متدينًا بدينه، ولكنه يستفيد بما وصل إليه الآخرون، فعار
علينا أن نكون أتباعًا وأذنابًا، وعار علينا أن نبني الجامعات وندرس فيها علومهم.
إن دورنا هو أن
نقدم الشخصية العربية الإسلامية إلى الغرب، وذلك لن يكون إلا بتوحيد الله حق
التوحيد والمحافظة على الروابط الأسرية والعائلية وقرابة الرحم، وعلينا أن نشارك
في الحياة بشخصية مستقلة، لا ننزوي في الماضي، ولا نذوب في حضارات الآخرين، وعلينا
أن نتحرر من التبعية الفكرية والثقافية للآخرين.
من حقنا أن
نبتهج عندما يقودنا مفكرونا، ونور الإيمان يضيء قلوبهم، ولا يتنكرون للإسلام.
ومن حقنا أن
نحزن عندما يكون المفكر مظلم القلب حاقدًا على إسلامه، متنكرًا لتراثه حسنه وسيئه،
يريد أن يجعلنا نسخة مشوهة من الآخرين.
وهؤلاء ندعو
الله لهم بالهداية إلى الحق، لينفعوا بذلك أنفسهم بالنجاة من عذاب الله في الآخرة
وينفعوا أمتهم بقيادتها إلى الطريق السليم.
وإذا كان التغير
هو سنة الله في الحياة، فليس معنى ذلك أن يتغير كل شيء بإطلاق، فهناك ثوابت أرادها
الله أن تكون ثوابت، وهناك متغيرات هي مجال أعمال البشر في التغيير.
فما أراد الله
أن يكون ثابتًا لا يغيره البشر، فالإنسان مثلًا يتغير في أفكاره وفي أخلاقه وفي
غذائه وكسائه، ولكنه لا يتغير في حاجاته الأساسية، فلا يستغني عن الغذاء والماء
مثلًا.
والإسلام أباح لنا أن نُغيّر في الفروع ولا
نُغيّر في الأصول، وأن نُغيّر فيما هو من صنع البشر في تراثنا ولا نُغيّر فيما
فرضه الله ليكون هاديًا للبشرية في حياتها، لأن البشرية لا تستغني عن هداية الله.
وأخيرًا، فإننا
ندعو الله أن يطيل عمر أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود وأن يوفقه لخدمة دينه
وأمته، فإن الأعمال بخواتيمها، لينال رضا الله. ونتمنى عليه أن يستغل البقية
الباقية من عمره في إعادة النظر في كتاباته السابقة، التي قد لا يتفق بعضها مع ما
يدعو إليه الإسلام. والله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل